إعلم أَن الْجَهْل من الْأَوْصَاف الذميمة والأخلاق الردية لَا سِيمَا بالملوك فَإِن صَاحبه لَا يعرى عَن الفضيحة بالأفعال القبيحة ورأيه أبدا فِي ضلال وتدبيره فِي وبال يقْتَرن بِهِ الزلل ويحيط بِهِ الفشل قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْجَهْل مَطِيَّة من ركبهَا زل وَمن صحبها ضل
وَقَالَ آخر خير الْمَوَاهِب الْعقل وَشر المصائب الْجَهْل
وَقيل الْجَاهِل يعْتَمد على أمله والعاقل يعْتَمد على عمله
وَقيل نظر الْجَاهِل بِعَيْنِه وناظره وَنظر الْعَاقِل بِقَلْبِه وخاطره
وَاعْلَم أَن للجاهل أوصافا تظهر عَلَيْهِ وخصالا ترشد إِلَيْهِ فَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ للجاهل خِصَال
[ ٣٦٨ ]
يعرف بهَا يظلم من خالطه ويعتدي على من دونه ويتطاول على من فَوْقه وَيتَكَلَّم بِغَيْر تَدْبِير إِن عرضت عَلَيْهِ فتْنَة أردته وَإِذا رأى فضيله أعرض عَنْهَا
وَقَالَ زِيَاد يعرف الْجَاهِل بِثَلَاث عَلَامَات كَثْرَة الإلتفات وَسُرْعَة الْإِجَابَة وتحريك رَأسه إِذا مَشى
وَقَالَ بعض الْعلمَاء سِتّ خِصَال يعرف بهَا الْجَاهِل
[ ٣٦٩ ]
الْغَضَب فِي كل شَيْء وَالْكَلَام فِي غير نفع والعطية فِي غير موضعهَا وإفشاء السِّرّ والثقة بِكُل أحد وَأَن لَا يعرف صديقه من عدوه
وَحكى صَالح بن حسان قَالَ كَانَ عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ صديقا للوليد بن يزِيد بن عبد الْملك
[ ٣٧٠ ]
وَكَانَ عبد الله يَأْتِيهِ فَخلوا يَوْمًا يلعبان الشطرنج فَأَتَاهُ الْحَاجِب فَقَالَ
[ ٣٧١ ]
إِن بِالْبَابِ رجلا سيدا من أخوالك من ثَقِيف قدم غازيا وَقد أحب التَّسْلِيم عَلَيْك قَالَ دَعه سَاعَة حَتَّى نفرغ من دستنا قَالَ عبد الله وَمَا عَلَيْك من ذَلِك إِن حضر ائْذَنْ لَهُ قَالَ لما علمت أَن اللّعب مُتَّجه عَلَيْك أردْت أَن تفسده قَالَ عبد الله فَادع منديلا وَضعه عَلَيْهَا حَتَّى يدْخل الرجل فَيسلم عَلَيْك ونعود إِلَى تَمام الدست فَفعل ذَلِك
ثمَّ قَالَ إئذن لَهُ فَدخل رجل مشمر لَهُ هَيْئَة حَسَنَة وَعَلِيهِ عِمَامَة فاخرة وَبَين عَيْنَيْهِ أثر السُّجُود وَقد رجل لحيته بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير قد قدمت غازيا فَكرِهت أَن أجاوزك حَتَّى أَقْْضِي حَقك قَالَ حياك الله وَبَارك فِيك ثمَّ سكت سَاعَة فَلَمَّا أنس بِهِ أقبل عَلَيْهِ الْوَلِيد وَقَالَ يَا خَالِي هَل جمعت الْقُرْآن قَالَ لَا قد كَانَت شَغَلَتْنَا عَنهُ شواغل قَالَ
[ ٣٧٤ ]
فَهَل حفظت من سنة رَسُول الله ومغازيه وَأَحَادِيثه شَيْئا قَالَ قد كَانَت أَمْوَالنَا تشغلنا عَن ذَلِك قَالَ فأحاديث الْعَرَب وأيامها وَأَشْعَارهَا قَالَ لَا لِأَنِّي كنت فِي شغل عَن ذَلِك قَالَ فأحاديث الْعَجم وآدابها قَالَ إِن ذَلِك لشَيْء مَا طلبته قَالَ فَهَل عرفت من أَقْوَال الْحُكَمَاء وسير الْمُلُوك مَا تسوس بِهِ قَوْمك قَالَ لَا إِن ذَلِك لشَيْء لم أكن أبحث عَنهُ قَالَ فَاسْتَدَارَ الْوَلِيد وَرفع المنديل وَقَالَ شاهك فَقَالَ عبد الله سُبْحَانَ الله قَالَ الْوَلِيد لَا يستحي مِنْهُ وَالله مَا مَعنا فِي الْبَيْت إِنْسَان فَلَمَّا خرج ذَلِك الرجل قَالَ الْوَلِيد أما علمت أَن الْجُهَّال كالأنعام لَا يستحي مِنْهُم
[ ٣٧٥ ]