اعْلَم أَن الْحُصُون الَّتِي يتحصن بهَا الْمُلُوك وَيمْتَنع بهَا جانبهم تَنْقَسِم إِلَى خَمْسَة أَنْوَاع كل نوع مِنْهَا يحصل بِهِ التحصن وَامْتِنَاع الْجَانِب وَهِي المَاء وَالْجِبَال والمفاوز والقلاع وَالرِّجَال
وَأحْصن هَذِه الْحُصُون الرِّجَال ثمَّ القلاع وتحصين القلاع وتحصين القلاع
بِالرِّجَالِ وتحصين الرِّجَال بالأموال وَأفضل الْأَمْوَال الْأَطْعِمَة وَجمع الْأَطْعِمَة وتحصيلها إِنَّمَا يتَحَقَّق بِالْعَدْلِ
قيل كَانَ مَكْتُوبًا على منْطقَة بعض مُلُوك الْفرس لَا ملك إِلَّا
[ ٢٣٣ ]
بِالرِّجَالِ وتحصين الرِّجَال بالأموال وَأفضل الْأَمْوَال الْأَطْعِمَة وَجمع الْأَطْعِمَة وتحصيلها إِنَّمَا يتَحَقَّق بِالْعَدْلِ
قيل كَانَ مَكْتُوبًا على منْطقَة بعض مُلُوك الْفرس لَا ملك إِلَّا
[ ٢٣٤ ]
بِرِجَال وَلَا رجال إِلَّا بِمَال وَلَا مَال إِلَّا برعية وَلَا رعية إِلَّا بِعدْل
وَقَالَت أم جبفويه ملك طبرستان لنصر بن سيار الْملك الحازم من اتخذ لنَفسِهِ سَبْعَة أَشْيَاء حصن يلجأ إِلَيْهِ إِذا تظاهر عَلَيْهِ نظراؤه ووزير صَالح يَثِق بِرَأْيهِ ويفضي بسره إِلَيْهِ وذخيرة خَفِيفَة الْمحمل يرجع إِلَيْهَا عِنْد النوائب وَفرس يَثِق بجريه إِذا دهمته الْأَعْدَاء
[ ٢٣٥ ]
وَسيف إِذا نَازل الأقران لم يخف أَن يخونه وَامْرَأَة حسناء إِذا دخل عَلَيْهَا ذهب همه وطباخ إِذا لم يشته الطَّعَام صنع لَهُ مَا يشتهيه
وَكتب ملك إِلَى حَكِيم فَقَالَ دلَّنِي على مَا تبقى بِهِ المملكة وَاخْتصرَ فِي ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ بأَرْبعَة أَشْيَاء حصن شَاهِق ووزير حاذق وَمَال وافر وَعدل عَامر
وَبلغ بعض الْمُلُوك حسن سياسة ملك فَكتب إِلَيْهِ قد بلغت من السياسة مالم يبلغهُ ملك قبلك فأفدني ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي تحصنت بِالرِّجَالِ وحصنت الرِّجَال بالأموال وَلم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي وَلَا وعد
[ ٢٣٦ ]
وَلَا وَعِيد وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشبها مقت وودا لم يشبه كذب وعممت بالقوت ومنعت الفضول
وَسَأَلَ ملك من مُلُوك الْفرس حكيما من حكمائهم فَقَالَ مَا عز الْملك قَالَ الطَّاعَة قَالَ فَمَا سَبَب الطَّاعَة قَالَ التودد إِلَى الْخَاصَّة وَالْعدْل على الْعَامَّة قَالَ فَمَا حصن الْملك قَالَ وزراؤه وأعوانه فَإِنَّهُم إِذا صلحوا صلح الْملك وَإِذا فسدوا فسد الْملك قَالَ فَمَا سَبَب صَلَاحهمْ قَالَ الْبَذْل والإنعام وَالْإِحْسَان الشَّامِل قَالَ فَأَي الْأُمُور أَحْمد للْملك قَالَ الرِّفْق بالرعية وَأخذ الْأَمْوَال مِنْهُم من غير مشقة وأداؤه إِلَيْهِم عِنْد أَوَانه وسد الثغور وَأمن السبل وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم وزجر الْقوي عَن الضَّعِيف قَالَ فَأَي خصْلَة تكون فِي الْملك أَنْفَع قَالَ الصدْق فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأما الأساس للمملكة وأركانها فَهُوَ الدّين
[ ٢٣٧ ]
اعْلَم أَن الدّين أساس المملكة لَا قوام لَهَا إِلَّا بِهِ وَلَا تثبت أَرْكَانهَا إِلَّا عَلَيْهِ وَهُوَ إِقَامَة منار الْإِسْلَام وَإِظْهَار شَعَائِر الْحق وَاتِّبَاع أَحْكَام الشَّرْع وَالْعَمَل بالفرائض وَالسّنَن ومندوبات الشَّرِيعَة وَإِقَامَة الْحُدُود وامتثال أَمر الشَّارِع والانتهاء عَن نواهيه وإيصال الْحُقُوق الْوَاجِبَة إِلَى أَرْبَابهَا وَالْعَمَل بِمَا يُرْضِي الله تَعَالَى سرا وَعَلَانِيَة فَإِنَّهُ لَا دوَام للْملك بِغَيْر هَذِه الْأَشْيَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ = من أصلح سَرِيرَته
[ ٢٣٨ ]
أصلح الله عَلَانِيَته وَمن أصلح فِيمَا بَينه وَبَين الله أصلح الله فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس
وَحكي أَن أردشير قَالَ لوَلَده يَا بني إِن الْملك وَالدّين أَخَوان لَا غنى لأَحَدهمَا عَن الآخر وَلَا قوام لَهُ إِلَّا بِهِ
الدّين أس وَالْملك حارس فَمَا لم يكن لَهُ أس فمهدوم وَمَا لم يكن لَهُ حارس فضائع يابني اجْعَل مرتبتك مَعَ أهل الْمَرَاتِب وعطيتك لأهل الْجِهَاد وبشرك لأهل الدّين وسرك لمن يعنيه مَا عناك ولتكن من أهل الْعقل
[ ٢٣٩ ]
وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس من هدم دينه كَانَ لمجده أهدم وَمن ظلم نَفسه كَانَ لغيره أظلم وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الدولة بِلَا دين كالبناء على الثَّلج
[ ٢٤٠ ]
الْبَاب الْخَامِس فِي معرفَة الْأَوْصَاف الْكَرِيمَة وفضلها وحث الْملك عَلَيْهَا
يَنْبَغِي للْملك المنتصب لتدبير الرّعية أَن يَتَّصِف بالأوصاف الْكَرِيمَة ويتلبس بهَا ويجعلها لَهُ خلقا مطبوعا وَلَا يهمل مِنْهَا وَصفا وَاحِدًا إِذْ بهَا قوام دولته ودوام مَمْلَكَته وَهِي خَمْسَة عشر وَصفا
الْعدْل وَالْعقل والشجاعة والسخاء والرفق وَالْوَفَاء والصدق والرأفة وَالصَّبْر وَالْعَفو وَالشُّكْر والأناة والحلم والعفاف وَالْوَقار وسنشرح فضل هَذِه الْأَوْصَاف وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الْمصَالح الْكُلية فِي تَدْبِير المملكة
[ ٢٤١ ]