مَا حَكَاهُ أَصْحَاب الحَدِيث ان عمر بن الْخطاب ﵁ اسْتعْمل عُمَيْر بن سعد الْأنْصَارِيّ ﵁ على حمص وأعمالها
[ ٩٦٢ ]
فَلبث بهَا سنة كَامِلَة فَجَلَسَ يَوْمًا وَعِنْده رجل من أَصْحَاب عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ قد أَتَاهُ يَسْتَدْعِي مِنْهُ مَا اجْتمع عِنْده من المَال فَحَضَرَ عِنْده رجل معاهد فَجعل يتَكَلَّم وَيرْفَع صَوته فَقَالَ لَهُ عُمَيْر اسْكُتْ أخزاك الله
فَقَالَ لَهُ الرجل الَّذِي عِنْده من اصحاب عمر يَا عُمَيْر أما سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول أَنا ولي خصم الْمعَاهد واليتيم وَمن خاصمه خصمته يَا عُمَيْر اتَّقِ من فَوْقك يتقك من تَحْتك وكما تحب أَن يصنع الله بك فَاصْنَعْ برعيتك قَالَ فَبكى عُمَيْر بكاء شَدِيدا ثمَّ انثنى إِلَى منزله فَعمد إِلَى جراب زَاده واداته وقصعته فعلقهن على عصاة
[ ٩٦٣ ]
وحملهن على عَاتِقه وَخرج من حمص مَاشِيا حَتَّى قدم عمر بن الْخطاب ﵁ فَسلم عَلَيْهِ فَرد ﵇ متثاقلا ثمَّ قَالَ لَهُ عُمَيْر مَا هَذَا الَّذِي أرى بك من سوء الْحَال أمرضت بعدِي أم بلادك بِلَاد سوء أم هَذِه خديعة مِنْك فَقَالَ لَهُ عُمَيْر يَا امير الْمُؤمنِينَ ألم ينهك الله ﷿ عَن التَّجَسُّس ثمَّ مَا الَّذِي ترى بِي من سوء الْحَال أَلَسْت تراني صَحِيح الْبدن قد جئْتُك أحمل الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ عمر وَمَا الَّذِي جِئْت بِهِ من الدُّنْيَا قَالَ جرابي فِيهِ زادي وإداتي فِيهَا مائي لشرابي ووضوئي وقصعتي لعجيني وعكازي أذب بهَا عَن نَفسِي قَالَ عمر صدقت رَحِمك الله فَمَا فعل الْمُسلمُونَ قَالَ عُمَيْر تَركتهم يوحدون الله تَعَالَى وَيصلونَ وَلَا تَسْأَلنِي عَمَّا وَرَاء ذَلِك قَالَ فَمَا فعل أهل لذمة قَالَ أَخذنَا مِنْهُم الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون قَالَ فَمَا اجتلبت من المَال قَالَ مَا أَنْت وَذَاكَ إِنِّي لما قدمت حمص اجتهدت رَأْي وجمعت من بهَا من الْمُسلمين فاخترت مِنْهُم رجَالًا فاستعملتهم ثمَّ نظرت فِيمَا اجْتمع من المَال فقسمته فِي أَهله وَلَو كَانَ عندنَا فضل لأتاك فَقَالَ يَا عُمَيْر واين راحلتك قَالَ لم يكن لي رَاحِلَة فَقَالَ أما كَانَ فِي رعيتك من يتَبَرَّع لَك بِدَابَّة تركبها بئس الْمُسلمُونَ وَبئسَ المعاهدون ثمَّ قَالَ لِابْنِهِ عبد الله جئني بِصَحِيفَة لأجدد لعمير عهدا ليرْجع إِلَى عمله فَقَالَ عُمَيْر لَا وَالله لَا أعمل على شَيْء أبدا قَالَ عمر وَلم ذَاك
[ ٦٩٤ ]
قَالَ لِأَنِّي مَا نجوت فَإِنِّي قلت يَوْمًا لمعاهد أخزاك الله وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا ولي خصم الْمعَاهد واليتيم وَمن خاصمه خصمته فَنَهَضَ عمر وَأخذ بيد عُمَيْر ثمَّ أَتَى قبر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله ثمَّ قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَا بكر ثمَّ بكا عمر وَقَالَ مَاذَا لقِيت بعدكما اللَّهُمَّ ألحقني بصاحبي لم أغير وَلم أبدل وبكا مَعَه عُمَيْر طَويلا ثمَّ قَالَ يَا عُمَيْر الْحق بأهلك وَكَانَ أَهله على مسيرَة ثَلَاثَة فراسخ من الْمَدِينَة قَالَ ثمَّ قدم بعد ذَلِك رجل على عمر بِمَال من عِنْد بعض عماله فدعى رجلا من أَصْحَابه اسْمه حبيب فَدفع إِلَيْهِ صرة فِيهَا مائَة دِينَار وَقَالَ انْطلق إِلَى منزل عُمَيْر فأقم عِنْده ثَلَاثًا وتفقد حَاله ثمَّ أعْطه هَذِه الصرة فَأَتَاهُ حبيب فَوَجَدَهُ بِفنَاء بَيته يتفلى فِي الشَّمْس فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُمَيْر من أَيْن أَقبلت قَالَ من الْمَدِينَة قَالَ كَيفَ تركت عمر قَالَ صَالحا قَالَ لَعَلَّه جَار فِي الحكم قَالَ لَا قَالَ فَلَعَلَّهُ وضع
[ ٦٩٥ ]
السَّوْط فِي أهل الْقبْلَة قَالَ لَا وَلكنه ضرب ابْنا لَهُ الْحَد فَمَاتَ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لعمر فَإِنَّهُ يحبك وَيُحب رَسُولك وَيُحب إِقَامَة الْحَد فَنزل عِنْده حبيب ثَلَاثَة أَيَّام يقريه كل يَوْم قرصا مأدوما بِزَيْت فَلَمَّا انْقَضتْ الثَّلَاث قَالَ لَهُ عُمَيْر ارتحل عَنَّا رَحِمك الله فقد أجعتنا وَإنَّك لم تصادف عندنَا فضلا وَلَكِن آثرناك فَقَالَ لَهُ حبيب خُذ هَذِه الصرة فَإِن عمر بعثها إِلَيْك فَلَمَّا صَارَت فِي يَده قَالَ صَحِبت رَسُول الله ص = فَلم نَبْتَل بِشَيْء من الدُّنْيَا وصحبت أَبَا بكر كَذَلِك ثمَّ صَحِبت عمر فشر أيامي يَوْم صَحِبت عمر وَجعل ينتحب ويبكي فَقَالَت لَهُ امْرَأَته لَا تبك رَحِمك الله ضعها حَيْثُ شِئْت قَالَ صدقت فاطرحي إِلَيّ بعض خلقانك فَفعلت فَجعل يصر الدَّنَانِير ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَفَوق ذَلِك حَتَّى قسمهَا فِي فُقَرَاء جِيرَانه وَعَاد حبيب إِلَى عمر فَأخْبرهُ فارتاع لذَلِك ولبث أَيَّامًا واستدعى عُمَيْرًا فَقَالَ لَهُ مَا صنعت بِالدَّنَانِيرِ قَالَ أقرضتها رَبِّي ليَوْم فقري قَالَ هَل عَلَيْك دين
[ ٦٩٦ ]
قَالَ لَا فَأمر عمر ﵁ لَهُ بوقر بعير تَمرا وبثوبين فَقَالَ أما الثوبان فاقبلهما وَأما التَّمْر فَلَا حَاجَة بِي إِلَيْهِ لِأَنِّي قد تركت عِنْد أَهلِي صَاعا من الشّعير وَهُوَ مبلغهم إِلَى وَقت ثمَّ انْصَرف عُمَيْر إِلَى أَهله فَقَالَ مَا لبث أَن توفّي فجزع عَلَيْهِ عمر ﵁ وَقَالَ لأَصْحَابه تمنوا فتمنوا فَقَالَ لكني أَتَمَنَّى رجَالًا مثل عُمَيْر استعين بهم على أُمُور الْمُسلمين
[ ٦٩٧ ]