مَا روى نَافِع عَن عبد الله بن عمر ﵃ قَالَ كَانَ فِيمَن سلف ملك دَان لَهُ النَّاس فَلَمَّا أعجب بِملكه قَالَ لوزرائه وقهارمته ابْنُوا لي دَارا لايكون فِيهَا عيب فَفَعَلُوا ذَلِك قَالَ اتَّخذُوا لي فِيهَا طَعَاما لايكون فِيهِ عيب فَفَعَلُوا ذَلِك وَأمر أَن يدعى النَّاس إِلَى طَعَامه فِي تِلْكَ الدَّار ثمَّ أقعد بِالْبَابِ رجلَيْنِ وَأَمرهمَا أَن يسألا كل من خرج من الدَّار هَل رأى فِيهَا عَيْبا أَو فِي الطَّعَام قَالَ فَمر بهما رجلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَاب الشّعْر فسألاهما فَقَالَا نعم رَأينَا فِي الدَّار عيبين قبيحين قَالَ وَمَا هما قَالَا رَأينَا دَارا تخرب
[ ٧٠٣ ]
وصاحبها يَمُوت فمضيا وَأخْبر الْملك بِمَا قَالَا فأحضرهما وسألهما فذكرا لَهُ ذَلِك فَأَطْرَقَ الْملك سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهما فَهَل تعرفان دَارا لَا تخرب وَلَا يَمُوت صَاحبهَا قَالَ نعم قَالَ وَأَيْنَ هِيَ فَقَالَا هِيَ دَار الله تَعَالَى رَبنَا وَرَبك وَهِي الْجنَّة الَّتِي يَدُوم نعيمها وَلَا يَزُول ملكهَا قَالَ فصفاها لي فوصفاها لَهُ قَالَ وَبِأَيِّ شَيْء تنَال هَذِه الدَّار فَقَالَا بِعبَادة الله تَعَالَى والانقطاع إِلَيْهِ قَالَ وَكَيف تكون الْعِبَادَة فشرحا لَهُ الدّين فَوَقع فِي قلبه أَنه الْحق فَقَالَ لَهما أقيما عِنْدِي هَذِه اللَّيْلَة حَتَّى أنظر فِيمَا ذكرتماه لي فَإِن أَقمت فِي ملكي جعلتكما وزيرين لَا أعصيكما وَإِن خرجت مِنْهُ تبعتكما على أمركما ثمَّ قَامَ فَدخل على ابْنه لَهُ وَكَانَت عَاقِلَة فهمة فَقص مَا ذكرَاهُ لَهُ
وأخبرهما أَنه تَارِك لملكه وخارج مَعَهُمَا فَقَالَت يَا أبتي تنجي نَفسك وتتركني أهلك قَالَ يَا بنية أَنْت عَورَة فَكيف أصنع بك فَقَالَت إِنِّي أكف شخصي فَلَا يعلم أحد أذكر أَنا أم أُنْثَى قَالَ فاخلعي ثِيَابك واحترمي فَفعلت ذَلِك وَخرجت مَعَ أَبِيهَا إِلَى الرجلَيْن فَقَالَ لَهما سِيرُوا بِنَا مَا دَامَ علينا ظلام اللَّيْل وَهَذَا وَلَدي معي فَسَارُوا حَتَّى قطعُوا الْمَدِينَة وَخَرجُوا مِنْهَا ثمَّ سَارُوا حَتَّى جاوزوا مملكة ذَلِك الْملك ثمَّ سَارُوا حَتَّى بلغُوا إِلَى دير فَقَالَا لَهُ هَذَا موضعنا الَّذِي نعْبد رَبنَا فِيهِ فَدَخَلُوا إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَقَامَ عِنْدهمَا مُدَّة طَوِيلَة يتَعَلَّم مِنْهُمَا الدّين وَأَحْكَام الشَّرِيعَة ثمَّ تجهز لِلْخُرُوجِ عَنْهُمَا فَقَالَا لَهُ مَا شَأْنك هَل آذَاك أحد منا قَالَ لَا وَلَكِنِّي أراكما تكرماني لما كنت فِيهِ من الْملك فَأُرِيد أَن آتِي موضعا لَا أعرف فِيهِ
[ ٧٠٤ ]
فَأَكُون فِي غمار النَّاس فَتَرَكَاهُ وَمضى حَتَّى أَتَى ديرا كَبِيرا كثير الْأَهْل فِيهِ مسَاكِن كَثِيرَة فَقَالَ هَل من منزل فَقيل لَهُ ادخل فَدخل وَاخْتَارَ مسكنا فَكَانَ هُوَ وَابْنَته يعبدان الله تَعَالَى فِيهِ وَكَانَ لأهل ذَلِك الدَّيْر مزرعة وعَلى كل رجل من سكان الدَّيْر حراستها سنة كَامِلَة فبلغت النّوبَة إِلَى الشَّيْخ وَكَانَ مَرِيضا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِن عُذْري وَاضح فَقَالَت لَهُ ابْنَته يَا ابت انا أخرج عَنْك فَخرجت إِلَى المزرعة وَهِي مستترة فَمَا كَانَ يَرَاهَا النَّاس إِلَّا قَائِمَة تصلي أَو فِي أَمر هِيَ بِهِ مغتبطة قَالَ وَكَانَ بقربهم دير صَغِير ينْسب إِلَى رجل بِعَيْنِه وَكَانَت لَهُ أبنة جميلَة فَجَاءَت تِلْكَ الِابْنَة فاتصلت بهَا وَهِي تظن أَنَّهَا غُلَام فَجعلت تعرض عَلَيْهَا نَفسهَا وَجعلت تِلْكَ تعتصم بهَا من شَرها فَلَمَّا رَأَتْ الْجَارِيَة أَنَّهَا لَا تفعل قَالَت وَالله لاهلكنك ولاهلكن أَبَاك ثمَّ أَنَّهَا ذهبت إِلَى راعي فأمكنت نَفسهَا مِنْهُ فَحملت فَلَمَّا عظم بَطنهَا قَالَ لَهَا أَبوهَا مَا هَذَا قَالَت إِنِّي كنت عِنْد ولد الشَّيْخ مطمئنة إِلَيْهِ لما رَأَيْت من كَثْرَة عِبَادَته واجتهاده وَكَانَ هَذَا مِنْهُ فجَاء أَبوهَا واهل ديره فَأخْبرُوا أهل ذَلِك الدَّيْر الْكَبِير بذلك وَقَالُوا لَا يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الشَّيْخ وَولده عنْدكُمْ وهموا بِإِخْرَاجِهِ إِلَّا أَنه لشدَّة مَرضه لم يقدروا على ذَلِك ثمَّ توفى الشَّيْخ مَكَانَهُ فَلم يَأْخُذُوا فِي جهازه فَقَالَ علماؤهم إِنَّه لَا ذَنْب لَهُ فاغسلوه وكفنوه وادفنوه واطردوا ابْنه فَلَا يدْخل ديركم فَفَعَلُوا ذَلِك فَقَالَ دَعونِي ابْني لي بَيْتا فِي الصَّحرَاء أحرس نَفسِي فِيهِ من السبَاع فبنت لَهَا بَيْتا فَكَانَت فِيهِ تعبد الله تَعَالَى وتزور قبر أَبِيهَا حَتَّى كَانَت لَيْلَة من اللَّيَالِي مر بهَا رجل من
[ ٧٠٥ ]
أهل الدَّيْر فَإِذا بَاب بَيتهَا مَفْتُوح فناداه يَا فَتى فأجابته بِصَوْت ضَعِيف فَقَالَ أحسبك مَرِيضا قَالَ نعم قَالَ فَهَل لَك حَاجَة قَالَ نعم إِذا انا مت فَلَا تكشفوني وَلَا تنزعوني أثوابي واغسلوني فِيهَا وادفنوني إِلَى قبر ابي فقد حفرت إِلَى جَانِبه قبرا ثمَّ أَصْبحُوا فَإِذا قَائِل يَقُول مَاتَ الْفَتى ولد الشَّيْخ فَقَالَ علماؤهم لَا نغير سنتنا أبعثوا إِلَيْهِ من يغسلهُ مُجَردا من ثِيَابه ثمَّ كفنوه وادفنوه إِلَى جَانب قبر أَبِيه كَمَا اوصى قَالَ فَلَمَّا جَاءَ الرِّجَال فكشفوا عَنْهَا ليغسلوها فوجدوها امْرَأَة فغطوها وتنادوا فِي الدَّيْر إِن الَّذِي طردتموه إِنَّمَا هُوَ امْرَأَة فَابْعَثُوا إِلَيْهَا النِّسَاء فغسلوها فَلَمَّا جهزوها حشدوا إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهَا جَمِيع من فِي تِلْكَ الأَرْض ثمَّ دفنوها إِلَى جَانب قبر أَبِيهَا قَالَ عبد الله بن عمر فَلَقَد كَانَ اهل تِلْكَ النَّاحِيَة إِذا قحطوا جاؤوا إِلَى قبريهما فاستقوا الله تَعَالَى فيسقون وَالله ﷾ أعلم
[ ٧٠٦ ]