مَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن حسن بِإِسْنَادِهِ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بعث إِلَى الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ بالسَّاحل فَأحْضرهُ عِنْده فَلَمَّا اسْتَقر
[ ٧٢٢ ]
بِهِ الْمجْلس فَالله الْمَنْصُور مَا الَّذِي أَبْطَأَ بك عَنَّا يَا أوزاعي قَالَ وَمَا الَّذِي تُرِيدُ مني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أُرِيد الْأَخْذ عَنْك والاقتباس مِنْك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تجْهَل شَيْئا مِمَّا أقوله لَك قَالَ وَكَيف لَا أجهله وَأَنا أَسأَلك عَنهُ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تسمعه وَلَا تعْمل بِهِ قَالَ فصاح بِهِ الرّبيع وأهوى إِلَيْهِ بِيَدِهِ إِلَى السَّيْف فانتهره الْمَنْصُور وَقَالَ هَذَا مجْلِس مثوبة لَا مجْلِس عُقُوبَة فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ ﵀ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنَا مَكْحُول عَن عَطِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
[ ٧٢٣ ]
وَسلم أَيّمَا عبد جَاءَتْهُ موعظة من الله فِي دينه فَإِنَّهَا نعْمَة من الله تَعَالَى سيقت إِلَيْهِ فَإِن قبلهَا بشكر وَإِلَّا كَانَت حجَّة من الله عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ بهَا إِثْمًا ويزداد الله بهَا عَلَيْهِ سخطا وَقد بَلغنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَيّمَا وَال بَات غاشا لرعيته حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من كره الْحق فقد كره الله تَعَالَى لِأَن الله هُوَ الْحق الْمُبين
[ ٧٢٤ ]
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الَّذِي لين لَك قُلُوب الْأمة حَتَّى ولاك أُمُورهم لقرابتك من نبيه ص = لحقيق أَن يقوم لَهُم فيهم بِالْحَقِّ وَأَن يكون بِالْقِسْطِ فيهم قَائِما ولعوراتهم ساترا فَلَا تغلق عَلَيْك دونهم الْأَبْوَاب وَلَا تقيم عَلَيْك دونهم الْحجاب وابتهج بِالنعْمَةِ عِنْدهم وابتئس لما أَصَابَهُم من مَكْرُوه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد كنت فِي شغل شاغل من خَاصَّة نَفسك عَن عَامَّة النَّاس الَّذين أَصبَحت تملك أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل لَهُ عَلَيْك نصيب من الْعدْل فَكيف بك إِذا بَعثك الله يَوْم القيامه وَلَيْسَ مِنْهُم أحد إِلَّا وَهُوَ يشكو بلية أدخلتها عَلَيْهِ أوظلامة سقتها إِلَيْهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنِي مَكْحُول قَالَ كَانَت بيد رَسُول الله ﷺ جَرِيدَة يستاك بهَا ويروع بهَا الْمُنَافِقين فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد مَا هَذِه الجريدة الَّتِي كسرت بهَا قُلُوب أمتك وملأت قُلُوبهم بهَا رعْبًا فَكيف بِمن شقق أستارهم وَسَفك دِمَاءَهُمْ وَخرب دِيَارهمْ وَأخذ أَمْوَالهم وأجلاهم عَن بِلَادهمْ وأذاقهم الْخَوْف يَا أَمِير
[ ٧٢٥ ]
الْمُؤمنِينَ حَدثنِي مَكْحُول عَن زِيَاد بن جَارِيَة عَن حبيب بن مسلمة أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا إِلَى الْقصاص من نَفسه من خدشه أَعْرَابِيًا لم يتعمده فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله تَعَالَى لم يَبْعَثك جبارا وَلَا متكبرا فدعى رَسُول الله ﷺ الْأَعرَابِي فَقَالَ اقْتصّ مني فَقَالَ الْأَعرَابِي إِنِّي قد أحللتك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي وَمَا كنت لأَفْعَل ذَلِك أبدا فدعى رَسُول الله ﷺ لَهُ بِالْخَيرِ
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رض نَفسك بِنَفْسِك وَخذ لَهَا الْأمان من رَبك وارغب فِي جنَّة السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّتِي يَقُول فِيهَا رَسُول الله ص =
[ ٧٢٦ ]
لَقَاب قَوس أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
يَا امير الْمُؤمنِينَ إِن الْملك لَو بَقِي لمن كَانَ قبلك لم يصل إِلَيْك وَكَذَا لَا يبْقى لَك كَمَا لم يبْق لغيرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتَدْرِي مَا جَاءَ فِي تَأْوِيل قَول الله تَعَالَى ﴿مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها﴾ قَالَ رَسُول الله ص = الصَّغِيرَة التبسم والكبيرة الضحك
فَكيف بِمَا عملته الْأَيْدِي وحصدته الألسن يَا امير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لَو مَاتَت سخلة على الشاطئ الْفُرَات ضَيْعَة لَخَشِيت أَن أسأَل عَنْهَا فَكيف بِمن حرم عدلك وَهُوَ على بساطك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتَدْرِي مَا جَاءَ فِي تَأْوِيل هَذِه الْآيَة عَن جدك عبد الله بن عَبَّاس ﵄ ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس﴾
[ ٧٢٧ ]
بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله) قَالَ يَا دَاوُد إِذا جعلناك خَليفَة وَقعد الخصمان بَين يَديك وَكَانَ لَك فِي احدهما هوى فَلَا تميز أَن يكون الْحق لَهُ فيفلج على صَاحبه فأمحوك من نبوتي يَا دَاوُد إِنَّمَا جعلت رُسُلِي إِلَى عبَادي رُعَاة كرعاة الْإِبِل لعلمهم بالرعية ورفقهم بالسياسة الَّذين يجبرون الكسير ويرعون الهزيل على الْكلأ وَالْمَاء
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك قد بليت بِأَمْر لَو عرض على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال لأبين أَن يحملنه وأشفقن مِنْهُ وَقد حَدثنِي يزِيد بن جَابر عَن عبد الرَّحْمَن بن عمْرَة الْأنْصَارِيّ أَن عمر بن الْخطاب ﵁
[ ٧٢٨ ]
اسْتعْمل رجلا من الْأَنْصَار على الصَّدَقَة فَرَآهُ بعد أَيَّام مُقيما فَقَالَ لَهُ مَا مَنعك من الْخُرُوج إِلَى عَمَلك أما علمت أَن لَك فِيهِ مثل أجر الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله قَالَ لَا قَالَ فَكيف ذَاك قَالَ لِأَنَّهُ بَلغنِي أَن رَسُول الله ص = قَالَ
مَا من وَال يَلِي شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين إِلَّا اتى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَده إِلَى عُنُقه فَيُوقف على جسر من النَّار فينتفض بِهِ الجسر انتفاضة يزِيل بهَا كل عُضْو مِنْهُ عَن مَوْضِعه ثمَّ يُعَاد فيحاسب فَإِن كَانَ محسنا نجا بإحسانه وَإِن كَانَ مسيئا انخرق بِهِ ذَلِك الجسر فهوى فِيهِ فِي النَّار سبعين خَرِيفًا فَقَالَ لَهُ عمر مِمَّن سَمِعت هَذَا قَالَ من أبي ذَر
[ ٧٢٩ ]
وسلمان فَأرْسل إِلَيْهِمَا عمر ﵁ فَقَالَا نعم سمعنَا من رَسُول الله ص = فَبكى عمر ﵁ فَقَالَ واعمراه من يتولاها بِمَا فِيهَا فَقَالَ أَبُو ذَر من جدع الله أَنفه والصق خَدّه بِالْأَرْضِ قَالَ فَبكى الْمَنْصُور وَأخذ المنديل فَوَضعه على وَجهه وَجعل ينتحب فِي بكائه حَتَّى أبكى الْحَاضِرين فَأمْسك الْأَوْزَاعِيّ سَاعَة ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن جدك الْعَبَّاس سَأَلَ رَسُول الله ص = إِمَارَة على مَكَّة والطائف واليمن فَقَالَ رَسُول الله ص = يَا عَم النَّبِي نفس تحييها خير لَك من إِمَارَة لَا تحصيها وَهَذِه نصيحة مِنْهُ لِعَمِّهِ وشفقة مِنْهُ عَلَيْهِ يَا أَمِير الؤمنين بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ
[ ٧٣٠ ]
الْأُمَرَاء أَرْبَعَة أَمِير ظلف نَفسه وعماله فَذَلِك كمالمجاهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى يَد الله باسطة عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وأمير فِيهِ ضعف ظلف نَفسه وارتع عماله بضعفة فَهُوَ على شفا هَلَاك إِلَّا أَن يرحمه الله تَعَالَى وأمير ظلف عماله وأرتع نَفسه فَذَلِك هُوَ الحطمة الَّذِي قَالَ رَسُول الله ص = شَرّ الرُّعَاة الحطمة الْهَالِك وحدة وأمير أرتع نَفسه وعماله فهلكوا جَمِيعًا
وَقد بَلغنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ
[ ٧٣١ ]
اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم اني أُبَالِي إِذا قعد الخصمان بَين يَدي على من كَانَ الْحق مَعَه من قريب أَو بعيد فَلَا تهملني طرفَة عين
يَا امير الْمُؤمنِينَ إِن أَشد الشدَّة الْقيام لله تَعَالَى بِحقِّهِ وَإِن أكْرم الْكَرم عِنْد الله التَّقْوَى وَإنَّهُ من طلب الْعِزّ بِطَاعَة الله رَفعه الله وأعزه وَمن طلبه بِمَعْصِيَة الله وَضعه الله تَعَالَى وأذله وَهَذِه نصيحتي إِلَيْك وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله فَلَمَّا سكن عَن الْمَنْصُور الْبكاء رفع رَأسه إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أوزاعي أَنْت المقبول القَوْل غير مُتَّهم فِي النَّصِيحَة وَقد سمعناها مِنْك فصادفت
[ ٧٣٢ ]
قبولا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله الْمُوفق للخير والمعين عَلَيْهِ يَا ربيع إدفع إِلَى الْأَوْزَاعِيّ مَا يَسْتَعِين بِهِ على زَمَانه قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي فِي غَنِي عَن ذَلِك مَا كنت أبيع نصيحتي بِشَيْء من عرض الدُّنْيَا ثمَّ إِنَّه ودع الْمَنْصُور وَانْصَرف
[ ٧٣٣ ]
٧٣٤ -