مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي قَالَ ركب النُّعْمَان بن أمرئ الْقَيْس بن عَمْرو الْأَكْبَر حَتَّى أشرف على الخورنق وَهُوَ الَّذِي بناه فَلَمَّا نظر
[ ٦٩٨ ]
إِلَى مَا حوله وَكَانَ فِي فصل الرّبيع وَقد أخذت الأَرْض زينتها فَرح طرفَة مَلِيًّا فِيمَا حوله وَكَانَ معجبا بالشقائق الَّتِي يُقَال لَهَا شقائق النُّعْمَان وَمن أجل إعجابه بهَا وتتبعه لَهَا فِي الرياض نسبت إِلَيْهِ قَالَ وَكَانَ هُنَاكَ رَوْضَة شقائق فَلَمَّا تأملها وَرَأى حسن تنضد الشَّقِيق فِي منابته وقنو حمرته وخضرة سوقه وميسه وهبوب النسيم عَلَيْهِ وتناثر الْقطر فِي أرجائه ارْتَاحَ قلبه إِلَيْهِ فَأمر أَن يبسط لَهُ بِإِزَاءِ تِلْكَ الرَّوْضَة بِسَاط وشى من الْحَرِير المخمل فَكَانَ الْبسَاط كَأَنَّهُ رَوْضَة مُخْتَلفَة بأصناف النوار وَضربت عَلَيْهِ قبَّة من الديباج الْأَحْمَر منضدة من الحشايا بِمَا يضاهيها ويجانسها فِي
[ ٦٩٩ ]
لَوْنهَا وَلبس من ثِيَاب الْحَرِير افضل مَا عِنْده ثمَّ جلس فِي تِلْكَ الْقبَّة مواجها لتِلْك الرَّوْضَة وَعِنْده أكَابِر قواده وخواص مَمْلَكَته ووجوه رَعيته وَفِيهِمْ عدي بن زيد قَالَ فأعجب الْملك بِمَا هُوَ فِيهِ فَقَالَ لجلسائه هَل رَأَيْتُمْ مثل مَا أَنا فِيهِ أَو علمْتُم أَن أحدا أُوتِيَ مثل مَا أُوتيت قَالُوا لَا أَيهَا الْملك مَا رَأينَا مثلك وعدي بن زيد سَاكِت لَا يتَكَلَّم فَنظر إِلَيْهِ الْملك مستدعيا لكَلَامه فَقَالَ عدي أَيهَا الْملك إِن أَذِنت لي تَكَلَّمت فَقَالَ تكلم قَالَ أَرَأَيْت ماجمعت أَشَيْء هُوَ لَك لم يزل أم شَيْء كَانَ لمن كَانَ قبلك زَالَ عَنهُ وَصَارَ إِلَيْك قَالَ بلَى كَانَ لمن كَانَ قبلي ثمَّ صَار إِلَيّ قَالَ أفيزول عَنْك إِلَيّ غَيْرك أم يبْقى إِلَيْك قَالَ بلَى يَزُول
[ ٧٠٠ ]
عني وَيصير إِلَيّ غَيْرِي قَالَ فَأَرَاك أَيهَا الْملك سررت بِشَيْء تذْهب عَنْك لذته وَيبقى عَلَيْك تَبعته تكون فِيهِ قَلِيلا وترتهن فِيهِ طَويلا قَالَ فَبكى النُّعْمَان وَقَالَ لَهُ يَا عدي فَأَيْنَ الْمَهْرَب قَالَ أحد أَمريْن الأول أَن تقيم فِي ملكك وتعمل بِطَاعَة رَبك على مَا سرك وساءك وَالثَّانِي أَن تضع تاجك وتخلع أطمارك وتلبس أمساحك ثمَّ تلْحق بِبَعْض الْجبَال وَحدك تعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك أَجلك قَالَ إِذا فعلت ذَلِك فَمَالِي عِنْده قَالَ حَيَاة لاتموت وشباب لايهرم وَصِحَّة لاتسقم وَملك جَدِيد لايبلى قَالَ وكل مَا أرى إِلَى فنَاء وَزَوَال قَالَ نعم قَالَ فَأَي خير فِيمَا يفنى وَيَزُول ثمَّ إِنَّه ركب من مَوْضِعه وَسَار طَالبا قصره وَإِلَى جَانِبه عدي بن زيد فَأتوا على مَقْبرَة فَقَالَ عدي أَتَدْرِي مَا تَقول هَذِه الْمقْبرَة أَيهَا الْملك قَالَ لَا قَالَ إِنَّهَا تَقول
(أَيهَا الركب المحثون على الأَرْض المجدون)
(كَمَا أَنْتُم كَذَا كُنَّا كَمَا نَحن تصيرون)
قَالَ ثمَّ سَارُوا فَمروا بشجرات متناوحات عِنْد عين جَارِيَة فَقَالَ عدي أَيهَا الْملك أَتَدْرِي مَا تَقول هَذِه الشرجات قَالَ لَا قَالَ إِنَّهَا تَقول
[ ٧٠١ ]
(من رآنا فليحدث نَفسه أَنه موف على قرن زَوَال)
(وصروف الدَّهْر لايبقى لَهَا وَلما تَأتي بِهِ صم الْجبَال)
(رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الْخمر بِالْمَاءِ الزلَال)
(عمروا دهرا بعيش حسن أفن رَبِّي دهرهم غير عِجَال)
(ثمَّ أضحوا عصف الدَّهْر بهم وكذاك الدَّهْر حَالا بعد حَال)
فَلَمَّا انْتهى الْملك إِلَى قصره الْتفت إِلَى عدي وَقَالَ قد علمت أَن الْمقْبرَة والشجرات لَا يتكلمن وَإِنَّمَا قصدت بذلك عظتي وَقد حصلت الموعظة فَإِذا كَانَ السحر أحضر عِنْدِي فَإِن عِنْدِي خيرا حَتَّى أطلعك عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ وَقت السحر حضر عِنْده عدي فَوَجَدَهُ قد لبس مسوح الشّعْر وَأخذ أهبة السياحة فودع عديا ثمَّ ارْتقى إِلَى جبل فَلم يزل هُنَاكَ يعبد ربه حَتَّى لحق بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى
[ ٧٠٢ ]