مَا حُكيَ أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك لما قدم الْمَدِينَة أَقَامَ بهَا ثَلَاثًا فَقَالَ مَا هَا هُنَا رجل مِمَّن أدْرك الصَّحَابَة يحدثنا فَقيل لَهُ إِن هَا هُنَا رجلا عابدا من التَّابِعين اسْمه أَبُو حَازِم أدْرك جمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَنقل عَنْهُم الْأَحَادِيث فَبعث إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ وَاسْتقر بِهِ الْمجْلس قَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم مَا لنا نكره الْمَوْت
[ ٧١٦ ]
قَالَ لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فَأنْتم تَكْرَهُونَ النقلَة من الْعمرَان إِلَى الخراب قَالَ صدقت يَا أَبَا حَازِم فَكيف الْقدوم على الله تَعَالَى قَالَ أما المحسن فكغائب يقدم على أَهله وَأما الْمُسِيء فكالعبد الْآبِق يقدم على مَوْلَاهُ قَالَ فَبكى سُلَيْمَان وَقَالَ لَيْت شعري مَا لنا عِنْد الله يَا أَبَا حَازِم فَقَالَ إعرض نَفسك على كتاب الله تَعَالَى فَإنَّك تعلم مَالك وَمَا عَلَيْك قَالَ وَأَيْنَ أُصِيب ذَلِك من كتاب الله قَالَ عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ قَالَ يَا أَبَا حَازِم فَأَيْنَ رَحْمَة الله تَعَالَى قَالَ ﴿قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ فَبكى سُلَيْمَان وأطرق سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أَبَا حَازِم من أَعقل النَّاس قَالَ من تعلم الْحِكْمَة وَعلمهَا النَّاس قَالَ فَمن أَحمَق النَّاس قَالَ من دخل فِي هوى رجل ظَالِم
[ ٧١٧ ]
فَبَاعَ آخرته بدنيا غَيره قَالَ فَمَا تَقول فِيمَا نَحن فِيهِ فَقَالَ أعفني من هَذَا السُّؤَال قَالَ سُلَيْمَان إِنَّمَا هِيَ نصيحة بلغتهَا فَقَالَ إِن نَاسا أخذُوا هَذَا الْأَمر من غير مشورة من الْمُسلمين وَلَا إِجْمَاع من رَأْيهمْ فسفكوا الدِّمَاء على طلب الدُّنْيَا ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا فليت شعري مَا قَالُوا وَمَا قيل لَهُم فَقَالَ رجل من جُلَسَائِهِ بئس مَا قلت يَا شيخ قَالَ أَبُو حَازِم كذبت وَالله يَا جليس السوء إِن الله تَعَالَى أَخذ الْمِيثَاق على الْعلمَاء ليبينه للنَّاس وَلَا يكتمونه فَقَالَ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم كَيفَ لنا على الصّلاح قَالَ تدع التَّكَلُّف وتتمسك بالنصفة قَالَ فَكيف طَرِيق المأخذ لذَلِك قَالَ تَأْخُذ المَال من حلّه وتضعفه فِي أَهله قَالَ وَمن يقدر على ذَلِك
[ ٧١٨ ]
قَالَ من قَلّدهُ الله تَعَالَى من الأَرْض مَا قلدك
قَالَ أصحلبنا يَا أَبَا حَازِم تصيب منا وَنصِيب مِنْك قَالَ أعوذ بِاللَّه من ذَلِك قَالَ وَلم ذَاك قَالَ أَخَاف أَن أركن إِلَيْكُم شَيْئا قَلِيلا فيذقني ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات قَالَ يَا أَبَا حَازِم فدلني على مَا أصنع قَالَ اتَّقِ الله أَن يراك حَيْثُ نهاك أَو يفقدك حَيْثُ أَمرك قَالَ ادْع لنا يَا أَبَا حَازِم قَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ سُلَيْمَان وليك فيسره لخير الدُّنْيَا والآخره وَإِن كَانَ عَدوك فَخذ بناصيته إِلَى فعل الْخَيْر واصلحه فِي الدُّنْيَا والآخره فَقَالَ سُلَيْمَان يَا غُلَام أعْط أَبَا حَازِم مائَة دِينَار ليقضي بهَا دينه قَالَ لاحاجة بِي إِلَيْهَا فَإِنِّي أَخَاف أَن تكون عوضا عَن كَلَامي فَيكون أكل الْميتَة أحب إِلَيّ من أَخذهَا ثمَّ نَهَضَ فَخرج من عِنْده فَلَمَّا كَانَ من الْغَد بعث إِلَيْهِ
[ ٧١٩ ]
فَأحْضرهُ عِنْده فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ يَا أَبَا حَازِم عظنا عظة ننتفع بهَا قَالَ إِن هَذَا الْأَمر لم يصر إِلَيْك إِلَّا بِمَوْت من كَانَ قبلك وَهُوَ خَارج من يدك بِمثل مَا صَار إِلَيْك فَبكى سُلَيْمَان وَكَانَ يسْقط على جنبه فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَبُو حَازِم إِنَّمَا أَنْت سوق فَمَا نفق عنْدك حمل إِلَيْك من خير أَو شَرّ فاختر لنَفسك أَيهمَا شِئْت قَالَ سُلَيْمَان إرفع إِلَيّ حوائجك يَا أَبَا حَازِم قَالَ هَيْهَات فَإِنِّي قد رفعتها إِلَى من لَا تحتجب دونه الْحَوَائِج فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قنعت وَمَا مَنَعَنِي مِنْهَا رضيت وَذَلِكَ أَنِّي نظرت فِي هَذَا الْأَمر فَإِذا هُوَ على قسمَيْنِ أَحدهمَا لي وَالْآخر لغيري أما مَا كَانَ لي فَلَو أَنِّي احتلت فِيهِ بِكُل
[ ٧٢٠ ]
حِيلَة مَا وصلت إِلَيْهِ قبل أَوَانه الَّذِي قدر لي فِيهِ وَأما الَّذِي لغيري فَذَلِك الَّذِي لاتطمع نَفسِي فِيهِ وكما منع غَيْرِي من رِزْقِي كَذَلِك منعت أَنا من رزق غَيْرِي ثمَّ تَركه وَانْصَرف قَالَ فَمَا برح سُلَيْمَان بعد ذَلِك متواضعا حَتَّى مَاتَ
[ ٧٢١ ]