مَا حَكَاهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد بن ظفر الْحِجَازِي رَحمَه الله تَعَالَى أَن ملكا من مُلُوك الْآن كَانَ كَافِرًا عاتيا متكبرا حَدِيث
[ ٧٠٩ ]
السن مستحكم الْغرَّة وَكَانَ إِذا ركب لم يرفع أحد صَوته إِلَّا بالثناء عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ وَزِير مُؤمن بِاللَّه تَعَالَى قد أدْرك بعض حوارِي الْمَسِيح وَهُوَ يكتم إيمَانه ويتحين وقتا يُمكن فِيهِ دَعْوَة الْملك إِلَى الله تَعَالَى فَركب الْملك يَوْمًا فَسمع شَيخا رَافعا صَوته لبَعض شَأْنه فَقَالَ لبَعض الأعوان خذوه فَلَمَّا أخذُوا ذَلِك الشَّيْخ قَالَ إِن رَبِّي الله فَقَالَ الْوَزير خلوا عَنهُ فخلى عَنهُ الأعوان فَاشْتَدَّ غضب الْملك على الْوَزير وَلم يُمكنهُ الْإِنْكَار عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْمقَام فَسكت ليوهم النَّاس أَن الْوَزير فعل ذَلِك بأَمْره فَلَمَّا عَاد الْملك إِلَى قصره أحضر الْوَزير وَقَالَ لَهُ
مَا دعَاك إِلَى مناقضة أَمْرِي بمشهد من عَبِيدِي فَقَالَ لَهُ الْوَزير إِن لم يعجل الْملك عَليّ أريته وَجه نصحي لَهُ وشفقتي عَلَيْهِ فِيمَا أَتَيْته فَقَالَ الْملك أَرِنِي ذَلِك فَإِنِّي لَا أعجل عَلَيْك فَقَالَ الْوَزير أسأَل الْملك أَن يختبي فِي مَجْلِسه هَذَا خلف حجاب وَيكون بِحَيْثُ يرى وَيسمع مَا يكون مني فَقعدَ الْملك لذَلِك ثمَّ إِن الْوَزير أحضر قوسا جَيِّدَة صنعها للْملك بعض خدمه وَكتب الصَّانِع اسْمه عَلَيْهَا فَأعْطى الْقوس غُلَاما لَهُ وَقَالَ لَهُ إِنِّي سأحضر صانع هَذِه الْقوس فَإِذا حضر وحادثته فاقرأ أَنْت اسْم صَاحبهَا جهلا حَتَّى تعلم أَنه قد سَمعك ثمَّ أكسرها وَهُوَ ينظر إِلَيْك فَحَضَرَ القواس وَفعل الْغُلَام مَا أمره بِهِ الْوَزير فَلَمَّا كسر الْقوس لم يَتَمَالَك صانعها أَن
[ ٧١٠ ]
ضرب الْغُلَام فَشَجَّهُ فَقَالَ الْوَزير أتضرب غلامي بحضرتي قَالَ نعم لِأَنَّهُ كسر الْقوس الَّتِي هِيَ صنعتي وعملي وَهِي فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَالْحسن فلأي شَيْء كسرهَا وَهُوَ يعلم أَنَّهَا صنعتي قَالَ الْوَزير فَلَعَلَّهُ مَا علم أَنَّهَا صنعتك قَالَ بلَى إِن الْقوس قد أخْبرته أَنَّهَا صنعتي قَالَ الْوَزير أَرَأَيْت قوسا تخبر قَالَ نعم إِن اسْمِي كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا وَقد قَرَأَهُ وَأَنا أسمع ثمَّ إِن الْوَزير صرف الصَّانِع والغلام ثمَّ قَالَ للْملك قد أوضحت لَك نصحي وإشفاقي عَلَيْك وَذَلِكَ أَنَّك لما أردْت الْبَطْش بالشيخ أخْبرك أَن الله ربه فَخفت عَلَيْك من ربه أَن يغْضب لَهُ كَمَا غضب هَذَا القواس لقوسه فَقَالَ لَهُ الْملك وَهل للشَّيْخ رب غَيْرِي قَالَ الْوَزير ألم يره الْملك شَيخا وَالْملك شَاب فَهَل كَانَ قبل أَن يُولد الْملك لَا رب لَهُ فَقَالَ الْملك إِن أبي كَانَ ربه قَالَ الْوَزير فَمَا بَال الرب هلك والمربوب بَقِي فَسكت الْملك سَاعَة ثمَّ قَالَ الْآن علمت أَن للْملك والمملوك رَبًّا لَا يَزُول فَهَل تعرفه قَالَ الْوَزير نعم أعرفهُ قَالَ صفه لي ودلني عَلَيْهِ فشرع الْوَزير يشْرَح لَهُ صِفَات الْخَالِق وأوضح لَهُ الدّلَالَة على ذَلِك فانشرح صدر الْملك للْإيمَان فَآمن بِاللَّه تَعَالَى فَلَمَّا رسخ فِي قلبه
[ ٧١١ ]
التَّوْحِيد قَالَ لَهُ أما لربنا خدمَة نتقرب إِلَيْهِ بهَا قَالَ إِنَّه غَنِي عَن كل شئ قَالَ فَمَا أمرنَا بِشَيْء إِذا فعلنَا حظينا عِنْده قَالَ بلَى إِن لَهُ وظائف أمرنَا بهَا وَرَضي لنا فعلهَا ووعدنا عَلَيْهَا رضوانه والقرب مِنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَذكر لَهُ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَغَيرهمَا من شرائع الْمَسِيح ﵇
فعرفها الْملك وراض نَفسه بهَا حَتَّى صَارَت لَهُ طبعا ثمَّ قَالَ يَوْمًا للوزير مَالك لَا تَدْعُو النَّاس إِلَى الله تَعَالَى كَمَا دعوتني فَقَالَ لِأَن الْأمة ذَات قُلُوب قسية وفهوم قصية ونفوس عصية وَلست آمنهم على نَفسِي فَقَالَ الْملك أَنا أَفعلهُ إِن لم تَفْعَلهُ أَنْت فَقَالَ الْوَزير ليعلم الْملك أَنهم إِن لم تردهم هيبته عني لم تردهم عَنهُ وسأقيه بنفسي آيسا من النجَاة فليحذرهم الْملك على نَفسه إِن اجترؤا بِالْقَتْلِ ثمَّ إِن الْوَزير أحضر وُجُوه أهل تِلْكَ المملكة وولاة أَحْكَام رعاياه وأفاضلها فَلَمَّا اجْتَمعُوا فِي منزله قَامَ فيهم خَطِيبًا ثمَّ بالدعوة إِلَى التَّوْحِيد فتواثبوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ ثمَّ أَتَوا إِلَى الْملك فأخبروه بِمَا كَانَ من وزيره فأظهره لَهُم الرضى بقتْله فانقلبوا عَنهُ راضين ثمَّ إِن الْملك ضَاقَ صَدره على وزيره فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل لبس مسح الشّعْر والتحق بالرهبان ونبذ مَا كَانَ فِيهِ من الْملك وَلم يزل يعبد الله حَتَّى قضى نحبه
[ ٧١٢ ]
وَهَذِه حكايات الطَّبَقَة الثَّانِيَة من الْمُلُوك وَهِي خمس روضات أَيْضا