مَا حَكَاهُ الْفضل بن الرّبيع قَالَ لما حج الرشيد حججْت مَعَه فَبَيْنَمَا أَنا نَائِم ذَات لية إِذا سَمِعت قرع االباب فَخرجت فَوَجَدته الرشيد فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أرْسلت إِلَى أَتَيْتُك فَقَالَ وَيحك إِنَّه قد حاك فِي صَدْرِي شَيْء فَانْظُر لي رجلا أسأله فَقلت إِن هَهُنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَقَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأتيَاهُ فقرعت عَلَيْهِ الْبَاب فَقَالَ من هَذَا فَقلت
[ ٧٤٢ ]
أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَخرج مسرعا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أرْسلت إِلَيّ أَتَيْتُك فَقَالَ خُذ لما جئْنَاك بِهِ يَرْحَمك الله فحادثه سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ أعليك دين قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس اقْضِ دينه ثمَّ انصرفنا فَقَالَ مَا أغْنى عَنى صَاحبك شَيْئا فَانْظُر لي رجلا أسأله فَقلت هَهُنَا عبد الرازق بن همام قَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فأتيناه فقرعت عَلَيْهِ الْبَاب فَقَالَ من هَذَا قلت أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَخرج مسرعا فَقَالَ يَا أَمِير الم منين لَو أرْسلت إِلَيّ أَتَيْتُك فَقَالَ خُذ لما جئْنَاك لَهُ يَرْحَمك الله فحادثه سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ أعليك دين قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس اقْضِ دينه ثمَّ انصرفنا من عِنْده فَقَالَ مَا أغْنى عني صَاحبك شَيْئا فَانْظُر لي رجلا أسأله قلت هَذَا الفضيل بن عِيَاض فَقَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فأتيناه
[ ٧٤٣ ]
فسمعناه يقْرَأ آيَة من كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ يُرَدِّدهَا فقرعت عَلَيْهِ الْبَاب فأوجز فِي صلَاته وَقَالَ من هَذَا قلت أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مَا لي ولأمير الْمُؤمنِينَ قلت سُبْحَانَ الله أما عَلَيْك طَاعَته فَنزل وَفتح الْبَاب ثمَّ ارْتقى إِلَى الغرفة فأطفأ السراج ثمَّ التجأ إِلَى زَاوِيَة وأخفى حسه فَجعلنَا نجول عَلَيْهِ بأدينا فسبقت كف الرشيد إِلَيْهِ فَقَالَ آه من كف مَا ألينها إِن نجت غَدا من عَذَاب الله تَعَالَى فَقلت فِي نَفسِي ليكلمنه اللَّيْلَة بِكَلَام من قلب تَقِيّ فَقَالَ الرشيد خُذ لما جئْنَاك لَهُ يَرْحَمك الله فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لما ولى الْخلَافَة دَعَا سَالم بن عبد الله بن عمر وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ ورجاء بن حَيْوَة وَقَالَ لَهُم إِنِّي قد ابْتليت بِهَذَا الْبلَاء فأشيروا على مَا أصنع فعد الْخلَافَة بلَاء وانت وَأَصْحَابك تعدونها نعْمَة
فَقَالَ لَهُ سَالم بن عبد الله إِن أردْت النجَاة من عَذَاب الله ﷿ فَصم عَن الدُّنْيَا وَليكن إفطارك مِنْهَا الْمَوْت وَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن كَعْب إِن أردْت
[ ٧٤٤ ]
النجَاة غَدا من عَذَاب الله تَعَالَى فَلْيَكُن كَبِير الْمُسلمين لَك أَبَا ووسطهم عنْدك أَخا وصغيرهم عنْدك ولدا فوقر أَبَاك وَارْحَمْ أَخَاك وتحنن على ولدك وَقَالَ رَجَاء بن حَيْوَة إِن أردْت النجَاة غَدا من عَذَاب الله تَعَالَى فَأحب للْمُسلمين مَا تحبه لنَفسك وأكره لَهُم مَا تكره لنَفسك ثمَّ مت مَتى شِئْت فَهَل عنْدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مثل هؤلأء الْقَوْم اَوْ من يَأْمُرك بِمثل هَذَا الْأَمر وَإِنِّي لأقول لَك هَذَا وأخاف عَلَيْك أَشد الْخَوْف يَوْم تزل الْأَقْدَام قَالَ فَبكى هَارُون بكاء شَدِيدا حَتَّى غشى عَلَيْهِ فَقلت لَهُ يَرْحَمك الله أرْفق بأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا ابْن الرّبيع تقتله أَنْت وَأَصْحَابك وأرفق أَنا بِهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ زِدْنِي قَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي أَن عَاملا لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ شكى إِلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ عمر يَا أخي أذكر سهر أهل النَّار فِي النَّار وخلود الْأَبدَان فَإِن ذَلِك يطردك إِلَى رَبك نَائِما ويقظانا وَإِيَّاك أَن تزل بك قدمك عَن هَذِه السَّبِيل فَيكون آخر الْعَهْد بك مُنْقَطع الرَّجَاء مِنْك فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه طوى الْبِلَاد حَتَّى قدم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا أقدمك عَليّ فَقَالَ خلعت قلبِي بكتابك فوَاللَّه مَا وليت لَك ولَايَة قطّ حَتَّى
[ ٧٤٥ ]
ألْقى الله تَعَالَى قَالَ فَبكى هَارُون بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ لَهُ زِدْنِي رَحِمك الله فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْعَبَّاس عَم النَّبِي ص = جَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ يَا رَسُول الله أَمرنِي إِمَارَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ص = يَا عَبَّاس يَا عَم النَّبِي نفس تحييها خير لَك من إِمَارَة لَا تحصيها إِن الْإِمَارَة حسرة وندامة يَوْم الْقِيَامَة فَإِن اسْتَطَعْت أَن لَا تكون أَمِيرا فافعل
قَالَ فَبكى هَارُون ثمَّ قَالَ لَهُ زِدْنِي يَرْحَمك الله قَالَ ياحسن الْوَجْه أَنْت الَّذِي يَسْأَلك الله تَعَالَى عَن هَذَا الْخلق يَوْم الْقِيَامَة فَإِن استعطعت أَن تَقِيّ هَذَا الْوَجْه من النَّار فافعل وَإِيَّاك أَن تصبح وتمسي وَفِي قَلْبك غش لرعيتك فقد قَالَ رَسُول الله ص = من أصبح غاشا لرعيته لم يرح رَائِحَة الْجنَّة قَالَ فَاشْتَدَّ بكاء هَارُون فَأمْسك عَنهُ الفضيل فَلَمَّا أَفَاق قَالَ هَل عَلَيْك دين قَالَ الفضيل نعم دين لرَبي لم يحاسبني عَلَيْهِ فالويل لي إِن حاسبني وَالْوَيْل لي إِن لم يلهمني حجتي فَقَالَ الرشيد إِنَّمَا أردْت دين الْعباد قَالَ لَا فَإِن رَبِّي لم يَأْمُرنِي بذلك بل أَمرنِي
[ ٧٤٦ ]
أَن أصدق وعده وَأطِيع أمره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق وَمَا أُرِيد أَن يطْعمُون إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين﴾
فَقَالَ لَهُ هَارُون هَذِه ألف دِينَار خُذْهَا وأنفقها على عِيَالك وتقو بهَا على عبَادَة رَبك فَهِيَ من وَجه الْحل فَقَالَ سُبْحَانَ الله أَنا أدلك على النجَاة وَأَنت تَدعُونِي إِلَى النَّار
ثمَّ صمت فَلم يُكَلِّمنَا فخرجنا من عِنْده فَلَمَّا صرنا على الْبَاب سمعنَا امْرَأَة من نِسَائِهِ تَقول يَا هَذَا قد ترى مَا نَحن فِيهِ من الضائقة وَسُوء الْحَال فَلَو قبلت مِنْهُ هَذَا المَال لتقوتنا بِهِ زمننا فَقَالَ لَهَا إِنَّمَا مثلي ومثلكم كقوم لَهُم بعير يَأْكُلُون من كَسبه فَلَمَّا كبر وَعجز عَن الْكسْب نحروه وأكلوا لَحْمه قَالَ فَلَمَّا سمع الرشيد ذَلِك قَالَ يَا ضل ادخل بِنَا إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ يقبل منا هَذَا المَال فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ثَانِيًا فَمَا أحس بِنَا خرج فَجَلَسَ على السَّطْح على التُّرَاب فَجَلَسَ الرشيد إِلَى جَانِبه وَجعل يكلمهُ فَلم يجبهُ فَخرجت جَارِيَة سَوْدَاء فَقَالَت يَا هَذَا قد آذيت الشَّيْخ مُنْذُ اللَّيْلَة فَانْصَرف عَنهُ يَرْحَمك الله قَالَ فَلَمَّا خرجنَا من عِنْده قَالَ لي الرشيد إِذا دللتني على رجل فدلني على مثل هَذَا الرجل هَذَا الْيَوْم سيد الْمُسلمين
وَأما الطَّبَقَة الثَّالِثَة من الْمُلُوك فهم الْأَكْثَرُونَ قُلُوبهم قسية وأنفسهم
[ ٧٤٧ ]
عصية يؤثرون اللَّذَّات على أُمُور الديانَات وَفِي الْمُشَاهدَة مِنْهُم بالأبصار كِفَايَة عَن الْأَخْبَار وَقد انتهينا بكتابنا هَذَا إِلَى مَا حاولناه وأوردنا فِيهِ مَا أردناه وأتينا بِمَا ضمناه بعد مَا أوضحناه وَذَلِكَ وسع الطَّاقَة وَجهد الْمقل وعَلى الله أتوكل وَبِه أستعين وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين حمدا كثيرا وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعل آله وَصَحبه وَسَلَامه
[ ٧٤٨ ]