مَا حَكَاهُ ابْن عبد ربه قَالَ قدم أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور مَكَّة حَاجا فَنزل فِي دَار الندوة وَكَانَ يخرج فِي آخر اللَّيْل إِلَى الطّواف فيطوف وَيُصلي وَلَا يعلم بِهِ اُحْدُ من النَّاس فَإِذا طلع الْفجْر رَجَعَ إِلَى دَار الندوة وَجَاء المؤذنون فَسَلمُوا عَلَيْهِ ثمَّ تُقَام الصَّلَاة فَيصَلي بِالنَّاسِ قَالَ فَخرج ذَات لَيْلَة حِين أَسحر فَبَيْنَمَا هُوَ يطوف إِذْ سمع رجلا عِنْد الْمُلْتَزم وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ أَشْكُو إِلَيْك ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يحول
[ ٧٣٤ ]
بَين الْحق واهله من الظُّلم والطمع قَالَ فأسرع الْمَنْصُور فِي مَشْيه حَتَّى مَلأ مسامعه من قَوْله فَرجع فَجَلَسَ نَاحيَة من الْمَسْجِد وَأرْسل إِلَيْهِ فَدَعَاهُ فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ الْمَنْصُور مَا هَذَا الَّذِي سَمِعتك تَقول من ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يحول بَين الْحق واهله من الطمع
فَقَالَ الرجل إِن أمنتني على نَفسِي أَنْبَأتك بالأمور من أَصْلهَا قَالَ لَهُ الْمَنْصُور أَنْت آمن على نَفسك فَقَالَ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى استرعاك أُمُور الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ فأهملت أُمُورهم واهتممت بِجمع أَمْوَالهم وَجعلت بَيْنك وَبينهمْ حجاجا من الجص والآجر وأبوابا من الْحَدِيد وحجبة مَعَهم السِّلَاح ثمَّ سجنت نَفسك فِيهَا وَبعثت عمالك فِي جمع الْأَمْوَال وجبايتها واتخذت وزراء ظلمَة وأعوانا غشمة إِن
[ ٧٣٥ ]
نسيت لم يذكروك وَإِن أَحْسَنت لم يعينوك ثمَّ قويتهم على ظلم النَّاس إِلَّا فلَان وَفُلَان نفر سميتهم وَلم تَأمر بِإِدْخَال الْمَظْلُوم وَلَا الملهوف وَلَا الجائع وَلَا العاري وَلَا الضَّعِيف الْفَقِير وَلَا أحد إِلَّا وَله فِي هَذَا المَال حق فَلَمَّا رآك هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذين استخلصتهم لنَفسك وآثرتهم على رعيتك قد صنعت هَذَا كُله قَالُوا هَذَا قد خَان الله فَمَا بالنا لَا نخونه وَقد سَخَّرَهُ الله لنا فائتمروا على أَن لَا يوصلوا من أَخْبَار رعيتك إِلَّا مَا أَرَادوا وَمَتى أخرجت عَاملا فخالفهم فِي أَمر أقصوه وأبعدوه وبلغوك عَنهُ الْمَكْرُوه حَتَّى يسْقط من عَيْنك فَلَمَّا اشْتهر ذَلِك عَنْهُم أعظمهم النَّاس وهابوهم فَكَانَ أول من صانعهم بالهدايا وَالْأَمْوَال عمالك ليتفقوا على ظلم الرّعية ثمَّ فعل ذَلِك أهل الْقُدْرَة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من هودونهم من الرّعية فامتلأت بِلَاد الله بالطمع بغيا وَفَسَادًا وَصَارَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم شركاؤك فِي سلطانك وَأَنت غافل فَإِن جَاءَ متظلم حيل بَينه وَبَين الدُّخُول إِلَيْك وَإِن أَرَادَ قصَّة إِلَيْك عِنْد ظهورك لم يَأْخُذهَا أحد وَإِن أَخذهَا لم يوصلها إِلَيْك وَإِذا اسْتَغَاثَ بك مظلوم بأعلا صَوته ضربوه ضربا شَدِيدا فَمَا بَقَاء الْإِسْلَام بعد ذَلِك وَلَقَد كَانَ بنوا أُميَّة لَا يَنْتَهِي
[ ٧٣٦ ]
إِلَيْهِم الْمَظْلُوم إِلَّا رفعت ظلامته وَكَانَ الرجل يَأْتِي من أقْصَى الْبِلَاد حَتَّى يبلغ بَاب سلطانهم فيتنادى بأعلا صَوته يَا أهل الأسلام فيبتدرون إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ مَالك مَالك فيدفعون ظلامته إِلَى سلطانهم فينصف بَينه وَبَين ظالمه
وَلَقَد كنت يَا امير الْمُؤمنِينَ أسافر إِلَى بِلَاد الصين وَبهَا ملك قد ذهب سَمعه فَجعل يبكي فَقَالَ لَهُ وزراؤه لابكت عَيْنَاك أَيهَا الْملك مِم بكاؤك فَقَالَ لست أبْكِي على ذهَاب سَمْعِي وأنما أبْكِي لِأَن الْمَظْلُوم يقف بِالْبَابِ يصْرخ فَلَا أسمعهُ ثمَّ قَالَ لَئِن كَانَ ذهب سَمْعِي فَمَا ذهب بَصرِي نادوا فِي النَّاس لَا يلبس ثوبا أَحْمَر إِلَّا مظلوم وَكَانَ يركب فِي كل يَوْم فيله وَيخرج لَعَلَّه يرى مَظْلُوما هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُشْرك بِاللَّه تَعَالَى قد غلبت عَلَيْهِ الرأفه على الْمُشْركين وَأَنت مُؤمن بِاللَّه تَعَالَى وَابْن عَم نبيه لاتغلبنك رأفتك بِالْمُسْلِمين على شح نَفسك فَمَا تَقول إِذا نزع الله مِنْك ملك الدُّنْيَا ودعاك إِلَى الْحساب هَل ينفعك النَّدَم إِذا زلت بك الْقدَم قَالَ فَبكى الْمَنْصُور وأعلن بالنحيب ثمَّ قَالَ يَا لَيْتَني لم أخلق ثمَّ قَالَ كَيفَ احتيالي وَلم أر من النَّاس إِلَّا خائنا فَقَالَ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك بالأئمة المرشدين قَالَ وَمن هم قَالَ الْعلمَاء قَالَ فقد فروا عني وهربوا مني قَالَ إِنَّمَا فروا عَنْك وهربوا مَخَافَة أَن تحملهم على ماظهر مِنْك من قبل عمالك
[ ٧٣٧ ]
وَلَكِن افْتَحْ الْبَاب وَسَهل الْحجاب وانصر الْمَظْلُوم وَخذ االمال من حلّه واقسمه فِي أَهله وَأَنا ضَامِن لَك أَن من هرب مِنْك يَأْتِيك فيعاونك على صَلَاح أَمرك
فَقَالَ الْمَنْصُور اللَّهُمَّ وفقني أَن أعمل بِمَا قَالَ هَذَا الرجل ثمَّ جَاءَ المؤذنون فَسَلمُوا عَلَيْهِ وأقيمت الصَّلَاة فَخرج يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَقَالَ للحرس عَلَيْك بِحِفْظ هَذَا الرجل حَتَّى أفرغ من الصَّلَاة فَلَمَّا فرغت الصَّلَاة الْتفت الحرس يطْلب الرجل فِي مَوْضِعه فَلم يره فَأخْبر الْمَنْصُور بذلك فَاشْتَدَّ غَضَبه على الحرس وَقَالَ لَئِن لم يأتني بِهِ لَأَضرِبَن عُنُقك فَخرج الحرس يطوف عَلَيْهِ وَإِذا بِهِ فِي بعض الشعاب قَائِم يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ لَهُ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَيْسَ إِلَى ذَلِك من سَبِيل قَالَ لِأَنَّهُ قد زعم ليضربن عنقِي إِن لم آته بك قَالَ إِنَّه لن يقدر على ذَلِك ثمَّ أخرج من جبته رقْعَة مَكْتُوبَة وَقَالَ اجْعَل هَذَا فِي جيبك فَإِن فِيهَا دُعَاء الْفرج
[ ٧٣٨ ]
فَإِنَّهُ إِذا رآك ذهب غيظه وخشع قلبه وأوصل إِلَيْك مَا يَسُرك فَقَالَ لَهُ الحرس يَرْحَمك الله فَمَا دُعَاء الْفرج قَالَ من دَعَا بِهِ صباحا وَمَسَاء ذهبت ذنُوبه ودام سروره وَبسط الله فِي رزقه وأعانه على عدوه وَكَانَ امنا من ظلم الجبارين ولايموت إِلَّا شَهِيدا قَالَ الحرس ثمَّ كَأَنَّهُ حَصَاة ملح ذَابَتْ فَلم أر لَهُ أثرا فَرجع الحرس إِلَى الْمَنْصُور فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ نظر إِلَيْهِ وَتَبَسم وَقَالَ وَيلك أتحسن السحر قَالَ لَا وَالله ياأمير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنِّي وجدته وَكَانَ من حَدِيثه كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْمَنْصُور ادْفَعْ إِلَيّ الرقعة فَدَفعهَا إِلَيْهِ فَنظر فينها وَجعل يبكي ثمَّ أَمر بنسخها وَأمر للحرس بِعشْرَة الاف دِرْهَم وَقَالَ أتعرفون من كَانَ الرجل قَالَ الْحَاضِرُونَ لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ ذَاك هُوَ الْخضر ﵇ ثمَّ دفع الرقعة إِلَى من قَرَأَهَا على الْحَاضِرين فَكَانَ فِيهَا اللَّهُمَّ
[ ٧٣٩ ]
كَمَا لطفت بقدرتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وَعلمت مَا تَحت أرجل ارضك كعلمك بِمَا فَوق عرشك وَكَانَت الوساوس كالعلانية عنْدك وَعَلَانِيَة القَوْل كالسر فِي علمك وانقاد كل شَيْء لعظمتك وخضع كل ذِي سُلْطَان لسلطانك وَصَارَ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخر كُله بِيَدِك اجْعَل لي من كل هم أمسيت فِيهِ فرجا ومخرجا اللَّهُمَّ إِن عفوك عَن ذُنُوبِي وتجاوزك عَن خطيئتي وسترك عَن قَبِيح عَمَلي أطمعني أَن أَسأَلك مَالا استوجبه مِمَّا قصرت فِيهِ أَدْعُوك امنا وَأَسْأَلك مستأنسا وَأَنت المحسن إِلَيّ وَأَنا الْمُسِيء إِلَى نَفسِي فِيمَا بيني وَبَيْنك تتودد إِلَيّ وأتبغض إِلَيْك وَلَكِن الثِّقَة بك حَملتنِي على الجرأة عَلَيْك فعد بِفَضْلِك وأحسانك عَليّ وَأَنت التواب الرَّحِيم قَالَ فَلَمَّا رَجَعَ الْمَنْصُور إِلَى بَغْدَاد استبدل عماله وحجابه ثمَّ إِنَّه فتح الْبَاب وَسَهل الْحجاب وَلم يزل عَاملا بقوله حَتَّى مَاتَ
[ ٧٤١ ]