وَإِذا خرجت طَائِفَة من الْمُسلمين وخالفوا رَأْي الْجَمَاعَة وانفردوا
[ ٦٥٧ ]
عَنْهُم وَخَرجُوا عَن قَبْضَة الإِمَام الْأَعْظَم وتحيزوا بدار وامتنعوا بمنعة وَجب قِتَالهمْ بعد أَن ينذرهم ويسألهم مَا تَنْقِمُونَ لِأَن عليا ﵁
[ ٦٥٨ ]
بعث عبد الله بن عَبَّاس إِلَى الْخَوَارِج فَسَأَلَهُمْ مَا تَنْقِمُونَ مِنْهُ ثمَّ
[ ٦٥٩ ]
تأخذهم وانذرهم فَإِن رجعُوا إِلَى الطَّاعَة فَكف عَنْهُم فَإِن أَبَوا قَاتلهم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾
[ ٦٦١ ]
وَقد قَاتل أَبُو بكر الصّديق ﵁ مانعي الزَّكَاة
[ ٦٦٢ ]
وَقَاتل عَليّ ﵁ الخوارد بالنهروان وَقَاتل مُعَاوِيَة بصفين
[ ٦٦٣ ]
وَاعْلَم أَن قِتَالهمْ يُخَالف قتال الْمُشْركين من تِسْعَة اوجه
أَحدهمَا لَا يهجم عَلَيْهِم غرَّة وَلَا بياتا وَيجوز ذَلِك فِي قتال الْمُشْركين
الثَّانِي أَن يقْصد بِقَتْلِهِم ردهم وردعهم ورجوعهم إِلَى الْحق وَلَا يعمد إِلَى قَتلهمْ
الثَّالِث يقاتلهم مُقْبِلين ويكف عَنْهُم مُدبرين
[ ٢٢٣ ]
حذف
[ ٢٢٤ ]
الرَّابِع أَن لَا يُجهز على جريحهم
الْخَامِس أَن لَا يقتل أَسْرَاهُم
[ ٦٦٥ ]
السَّادِس أَن لَا يغنم أَمْوَالهم وَلَا يسبي ذَرَارِيهمْ
السَّابِع أَن لَا يَسْتَعِين فِي قِتَالهمْ بمشرك معاهد وَلَا ذمِّي
الثَّامِن أَن لَا يهادنهم إِلَى مُدَّة وَلَا يوادعهم على مَال فَإِن هادنهم إِلَى مُدَّة لم تلْزم فَإِن ضعف عَن قِتَالهمْ انْتظر بهم الْقُوَّة عَلَيْهِم وَإِن وادعهم على مَال بطلت الْمُوَادَعَة ثمَّ ينظر فِي المَال فَإِن كَانَ من صَدَقَاتهمْ أَو خراجهم لم يردهُ عَلَيْهِم وَإِن كَانَ من خَالص أَمْوَالهم رده عَلَيْهِم وَلَا يجوز أَن يَتَمَلَّكهُ عَلَيْهِم
التَّاسِع أَن لَا ينصب عَلَيْهِم العرادات والمنجنيقات
[ ٦٦٦ ]
وَلَا يحرق عَلَيْهِم المساكن وَلَا يقطع أَشْجَارهم لِأَن دَار الْإِسْلَام تمنع مَا فِيهَا كل ذَلِك بِخِلَاف قتال الْمُشْركين
فَإِن أحاطوا بِأَهْل الْعدْل وخافوا مِنْهُم الاصطدام جَازَ أَن يدفعوا عَنْهُم مَا اسْتَطَاعُوا من اعْتِمَاد قَتلهمْ وَنصب المنجنيقات عَلَيْهِم وحريقهم وَغير ذَلِك لِأَن الْمُسلم إِذا أريدت نَفسه جَازَ لَهُ الدّفع عَنْهَا بقتل من أرادها إِذا كَانَ لَا ينْدَفع إِلَّا بِالْقَتْلِ وَلَا يجوز أَن ينْتَفع بدوابهم وَلَا أسلحتهم وَلَا يستعان بِهِ فِي قِتَالهمْ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يجوز ذَلِك كُله
[ ٦٦٧ ]
الْفَصْل الثَّالِث فِي معرفَة قتال قطاع الطّرق
وَإِن اجْتمعت طَائِفَة من أهل الْفساد على شهر السِّلَاح وَقطع الطَّرِيق وَأخذ الْأَمْوَال وَقتل النُّفُوس وَمنع السبل فهم المحاربون الَّذين قَالَ
[ ٦٦٨ ]
الله تَعَالَى فِي حَقهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون﴾
[ ٦٦٩ ]
فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض)
قَالَ الشَّافِعِي ﵀ وَرَضي عَنهُ من قتل مِنْهُم وَأخذ المَال قتل وصلب بعد قَتله وَمن قتل وَلم يَأْخُذ المَال قتل وَلم يصلب وَمن أَخذ
[ ٦٧٠ ]
المَال وَلم يقتل قطعت يَده وَرجله من خلاف وَمن لم يقتل وَلم يَأْخُذ المَال وَلكنه رهب وأخاف السَّبِيل عزّر بِالْحَبْسِ وَهُوَ النَّفْي من الأَرْض وَقَالَ مَالك ﵁ من كَانَ مِنْهُم ذَا رَأْي وتدبير قتل وَمن كَانَ ذَا بَطش وَقُوَّة قطع يَده وَرجله من خلاف وَمن لم يكن مِنْهُم ذَا رَأْي وَلَا بَطش عزّر وَحبس
[ ٦٧١ ]
وَاعْلَم أَن قتال قطاع الطَّرِيق كقتال أهل الْبَغي فِي عَامَّة أَحْوَالهم وَيُخَالِفهُ من خَمْسَة أوجه
أَحدهَا أَنه يجوز قِتَالهمْ مُقْبِلين ومدبرين
الثَّانِي يجوز أَن يعمد إِلَى قتل من قتل مِنْهُم فِي حَال الْحَرْب بِخِلَاف قتال أهل الْبَغي
الثَّالِث أَنهم يؤاخذون بِمَا استهلكوه من دم أَو مَال فِي حَال
[ ٦٧٣ ]
الْحَرْب وَغَيرهَا بِخِلَاف أهل الْبَغي
الرَّابِع أَنه يجوز حبس من أسر مِنْهُم ليعلم بَرَاءَة حَاله من غير خلاف بِخِلَاف أهل الْبَغي
الْخَامِس أَن ماجبوه من الْخراج وَالصَّدقَات يكون كالمأخوذ على وَجه الْغَصْب والنهب لَا يسْقط عَن أهل الْخراج وَالصَّدقَات وَيكون غرمه مُسْتَحقّا عَلَيْهِم لمن أَخَذُوهُ مِنْهُم بِخِلَاف أهل الْبَغي
[ ٦٧٤ ]
الْبَاب الثَّامِن عشر فِي معرفَة قسم الْغَنِيمَة والأنفال
إِذا أَخذ الْمُسلمُونَ من الْكفَّار مَالا
[ ٦٧٥ ]
بِإِيجَاف الْخَيل والركاب فَهُوَ غنيمَة يجب على الْملك أَن يقسمهُ بَين الْغَانِمين فَيَجْعَلهُ خَمْسَة أَخْمَاس خمس مِنْهَا لأهل الْخمس الَّذين قَالَ الله ﷿ فِي حَقهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ وَأَرْبَعَة
[ ٦٧٦ ]
أَخْمَاس للغانمين
[ ٦٧٨ ]
وَيَنْبَغِي أَن يقسم ذَلِك جَمِيعه فِي دَار الْحَرْب لِأَن رَسُول الله صلى
[ ٦٧٩ ]
الله عَلَيْهِ وَسلم قسم غَنَائِم بني المصطلق على مِيَاههمْ وَقسم غَنَائِم
[ ٦٨٠ ]
حنين بأوطاس وهوواد من حنين وَلَا يدْخل سلب الْمَقْتُول فِي الْقِسْمَة بل يكون للْقَاتِل دون غَيره لِأَن رَسُول الله ﷺ جعل السَّلب للْقَاتِل
[ ٦٨١ ]
فَإِن كَانَ الْجَيْش كلهم فُرْسَانًا سوي بَينهم فِي الْقِسْمَة وَكَذَلِكَ إِن كَانُوا رجالة وَإِن كَانَ بَعضهم فُرْسَانًا وَبَعْضهمْ رجالة جعل للراجل سَهْما وَاحِدًا وللفارس ثَلَاثَة أسْهم بَينهمَا سَهْما للرجل وسهمين للْفرس وَيجْعَل من قَاتل وَمن لم يُقَاتل فِي الْقِسْمَة
[ ٦٨٣ ]
سَوَاء وَكَذَلِكَ من حضر بفرسين أَو أَكثر لم يزدْ سَهْمه على من حضر بفرس وَاحِد وَإِذا بعث الْملك سَرِيَّة من
[ ٦٨٤ ]
الْجَيْش إِلَى جِهَة الْكفَّار فَغنِمت السّريَّة شاركهم فِي ذَلِك أهل الْجَيْش وَكَذَلِكَ إِن غنم أهل الْجَيْش شاركهم أهل السّريَّة لِأَن رَسُول الله ص = لما هزم هوزان بحنين أسرى سَرِيَّة قبل أَوْطَاس فَغنِمت فقسم غنائمهم بَين الْجَمِيع وَمن فعل من أهل الْجَيْش
[ ٦٨٥ ]
فعلا يُفْضِي إِلَى الظفر بالعدو كالتجسس وَالدّلَالَة على الطَّرِيق أَو قلعة أَو التَّقَدُّم بِالدُّخُولِ إِلَى دَار الْحَرْب جَازَ للْملك أَن ينفلهُ من الْغَنِيمَة بِزِيَادَة على سَهْمه لِأَن رَسُول الله ص = كَانَ يفعل ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٦٨٦ ]
الْبَاب التَّاسِع عشر فِيمَا يَنْبَغِي للْملك أَن يَفْعَله عِنْد قفوله بالجيش
يَنْبَغِي للْملك إِذا قفل بالجيش من غزَاة أَو سفر أَن يفعل كَمَا كَانَ يفعل رَسُول الله ﷺ فِي قفوله من غَزَوَاته وأسفاره كَانَ يكبر على كل شرف من الأَرْض ثَلَاث تَكْبِيرَات وَيَقُول لاإله إِلَّا الله وَحده لاشريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ حى لايموت بيدة الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير آيبون تائبون عَابِدُونَ ساجدون لربنا
[ ٦٨٧ ]
حامدون صدق الله وعده وَنصر عَبدة وأعز جندة وَهزمَ الاحزاب وحدة كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه لَهُ الحكم وإلية ترجعون
وَيَنْبَغِي إِذا اشرف على مدينته أَن يُحَرك دَابَّته وَيَقُول اللَّهُمَّ اجْعَل لنا بهَا قرارا وَرِزْقًا حسنا ثمَّ يُرْسل إِلَى نوابه وَأهل مدينته فيخبرهم بقدومه ليخرجون إِلَى لِقَائِه لِأَن الرّعية ينتعشون بطلعة الْملك عَلَيْهِم ورجوعه إِلَيْهِم كانتعاش النبت بوابل الْقطر
وَإِذا دخل الْبَلَد فليقصد الْمَسْجِد وَليصل فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَذَلِك كَانَ يفعل رَسُول الله ص =
وَإِذا دخل منزله وَاسْتقر على سَرِيره فَلْيقل توبا توبا لربنا أوبا لَا يُغَادر خَطِيئَة وَلَا حوبا ثمَّ يرفع حجابه وَيفتح بَابه وَيَأْذَن لوجوه بلدته وَبَيَاض رَعيته بِالدُّخُولِ إِلَيْهِ لتهنئته بِمَا أَفَاء الله عَلَيْهِ وحققه لَدَيْهِ من شُمُول النِّعْمَة وَحسن المنقلب ثمَّ يكثر من الصَّدَقَة والصلات ويوسع فِي العطايا والهبات وَيرد الغصوب والظلامات ويكشف عَن أَحْوَال من حَبسه من أهل الْجِنَايَات ويستكثر من صنائع الْمَعْرُوف وأفعال الْبر فَإِنَّهُ
[ ٦٨٨ ]
إِذا فعل ذَلِك كَانَ شاكرا لله تَعَالَى وَكَانَ لمزيد النِّعْمَة مُسْتَحقّا ولتتابع الْإِحْسَان من الله مستوجبا
[ ٦٨٩ ]
الْبَاب الْعشْرُونَ فِي الْحَث على اسْتِمَاع المواعظ وقبولها من النساك
اعْلَم أَن اسْتِيلَاء الدُّنْيَا على الْمُلُوك وإقبالها عَلَيْهِم رُبمَا شغلهمْ عَن أَمر الْآخِرَة وأغفلهم عَن مهمات الدّين فيجنحون إِلَى اللَّذَّات ويهملون أَمر الديانَات لِأَن النُّفُوس مطبوعة على الْميل إِلَى الترف وإيثار التنعم وَكَرَاهَة التَّكْلِيف فَلَا يَنْبَغِي أَن تَخْلُو مجَالِسهمْ من عُلَمَاء الدّين وأصالح المتنسكين لينهوهم عِنْد طريان الْغَفْلَة ويذكروهم عِنْد ضراوة الشَّهْوَة ويوضحون لَهُم نهج الْآخِرَة ومعالم الشَّرِيعَة وَقد كَانَ ذَلِك شعار الْمُلُوك الغابرين وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي مجَالِسهمْ الْحُكَمَاء واستماع مواعظ الْعلمَاء وَكَانُوا فِي ذَلِك ثَلَاث طَبَقَات
فَمنهمْ طبقَة لما سمعُوا الموعظة والتذكير نبذوا ملك الدُّنْيَا
[ ٦٩٠ ]
الَّذِي يفنى ليعتاضوا عَنهُ ملك الْآخِرَة الَّذِي يبْقى وأخرجوا ذَلِك من قُلُوبهم وايديهم واهتموا بِأَمْر الْآخِرَة وَالْعَمَل لَهَا لينالوا الْفَوْز الاكبر وَالنَّعِيم الدَّائِم.
وَمِنْهُم طبقَة عِنْد سَماع الموعظة أخرجُوا ملك الدُّنْيَا من قُلُوبهم وَلم يخرجوه من أَيْديهم واهتموا بِأَمْر الْآخِرَة مَعَ بقائهم فِي الْملك وَهَذِه الطَّبَقَة مجاهدتهم عَظِيمَة وَمثلهمْ فِي ذَلِك مثل من ألزم نَفسه الظمأ وبحضرته نهر بَارِد ينظر إِلَيْهِ وَيقدر على تنَاول شربة وَهَذَا كَانَ مقَام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأمرائهم وعمالهم وَمن سلك سبيلهم
وَمِنْهُم طبقَة أصمهم حب الدُّنْيَا ونيل لذاتها عَن اسْتِمَاع المواعظ واعمى أَبْصَارهم عَن كل مُذَكّر وواعظ فآثروا اللَّذَّات على الْمُهِمَّات وقطعتهم الشَّهَوَات عَن أُمُور الديانَات وسأذكر من أَخْبَار هَذِه الطَّبَقَات الثَّلَاث مَا يكون فِيهِ رياض لِذَوي الأفكار ورياضات لأولي الْأَبْصَار وَالله اعْلَم بِالصَّوَابِ
[ ٦٩٢ ]