إعلم أَن الْعلم بِأَحْكَام الدّين وَضبط أصُول الشَّرِيعَة وَاجِب على كل مُسلم وعَلى الْمُلُوك أَشد وجوبا لافتقارهم إِلَى إِقَامَة الْحُدُود
[ ١٧٦ ]
الشَّرْعِيَّة بِمَا يسْتَحق كل جَان مِنْهُم على الْوَجْه الشَّرْعِيّ وَأخذ الْحُقُوق من وجوهها وصرفها فِي أَرْبَابهَا وجهاتها ليتَحَقَّق مِنْهُم الْعدْل الَّذِي قَامَت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَتى كَانَ الْملك جَاهِلا كَانَ تَدْبيره هدما لقواعد
[ ١٧٧ ]
المملكة قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ من عمل بِغَيْر علم كَانَ مَا يهدم أَكثر مِمَّا يَبْنِي
قَالَ عبد الرَّحْمَن وَلَا محَالة أَن الْملك إِذا كَانَ خَالِيا من الْعلم ركب هَوَاهُ وتخبط مَا يَلِيهِ إِذْ لَا تحجبه فكرة سليمَة وَلَا تَمنعهُ حجَّة صَحِيحَة وَيكون كالفيل الهائج فِي الْبَلَد القفر لَا يمر بِشَيْء إِلَّا تخبطه وَإِذا كَانَ الْملك عَالما كَانَ لَهُ من علمه وازع يقمع هَوَاهُ ويميل بِهِ إِلَى سنَن الْحق كالفيل الهائج إِذا خرج من الْبَلَد القفر إِلَى الأنيس ذللته السلسلة وقهره الكلوب حَتَّى يحمل عَلَيْهِ الأثقال
[ ١٧٨ ]
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك إِذا لم يوطده علم كَانَ مذلة اجلة وَالْعلم إِذا لم يُؤَيّدهُ عقل كَانَ مضلة عاجلة
وَكَانَ يُقَال إِذا أَرَادَ الله بِالنَّاسِ خيرا جعل الْعلم فِي مُلُوكهمْ وَالْملك فِي عُلَمَائهمْ وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعلم عصمَة الْمُلُوك لِأَنَّهُ يمنعهُم من الظُّلم ويردهم إِلَى الْحلم ويصدهم عَن الأذية ويعطفهم على الرّعية
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ خَيره الله تَعَالَى بَين الْعلم وَالْملك فَاخْتَارَ الْعلم فَأعْطَاهُ الله
[ ١٧٩ ]
تَعَالَى الْعلم وَالْملك جَمِيعًا
وَأوصى ملك من مُلُوك الْيمن ولي عَهده فَقَالَ اتَّقِ من فَوْقك يتقيك من تَحْتك وكما تحب أَن يفعل بك فافعل برعيتك وَانْظُر كل حسن فافعله واستكثر من مثله وكل قَبِيح فارفضه وبالنصحاء يستبين لَك ذَلِك وَخَيرهمْ أهل الدّين وَأهل النّظر فِي العواقب واستكثر من الْعلم فَإِنَّهُ أساس التَّدْبِير وَمَا لَيْسَ لَهُ أساس فمهدوم وَإِنَّمَا رَأَيْت الْمُلُوك تولي من ثَلَاثَة أُمُور فاحسم عَنْك وَاحِدًا وَأحكم اثْنَيْنِ وَهِي اتِّبَاع الْهوى وتولية من يسْتَحق وكشف أُمُور الرّعية فَإنَّك إِن ملكت هَوَاك
[ ١٨٠ ]
لم تستأثر وَلم تعْمل إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِن وليت الْمُسْتَحق كَانَ عونا لَك على مَا تحب وَلم تضع على يَدَيْهِ الْأُمُور وَإِذا تناهت إِلَيْك أُمُور رعيتك عَاشَ الوضيع وحذر الرفيع وَأمْسك الظَّالِم وَأمن الْمَظْلُوم وَالسَّلَام
وَحكي أَن عبد الله بن صَالح بن
[ ١٨١ ]
عَليّ دخل بَغْدَاد على بعض شُبَّان بني الْعَبَّاس فحادثه فَوَجَدَهُ على خلاف مَا عهد عَلَيْهِ أسلافه فساءه ذَلِك فَلَمَّا خرج من عِنْده قَالَ إِن الْجَهْل يحط أولى الْمَرَاتِب ويصغر ذَوي المناصب ثمَّ أنْشد متمثلا
(تعلم فَلَيْسَ الْمَرْء يُولد عَالما وَلَيْسَ أَخُو علم كمن هُوَ جَاهِل)
(وَإِن كَبِير الْقَوْم لَا علم عِنْده صَغِير إِذا الْتفت عَلَيْهِ المحافل)
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْجَهْل مَطِيَّة من ركبهَا زل وَمن صحبها ضل
[ ١٨٢ ]
وأنشدني بعض أهل الْعلم
(احفظ الْعلم مَا اسْتَطَعْت فَإنَّك إِن كنت خاملا رفعك)
(واترك الْجَهْل مَا اسْتَطَعْت فَإنَّك إِن كنت عَالِيا وضعك)
وَقَالَ بعض الْعلمَاء من غرس الْعلم اجتنى النباهة وَمن غرس الزّهْد اجتنى الْعِزَّة وَمن غرس الْإِحْسَان اجتنى الْمحبَّة وَمن غرس الفكرة اجتنى الْحِكْمَة وَمن غرس الْوَقار اجتنى المهابة وَمن غرس المداراة اجتنى السَّلامَة وَمن غرس الْكبر اجتنى المقت وَمن غرس الْحِرْص اجتنى الذلة وَمن غرس الطمع اجتنى الخزي وَمن غرس الْحَسَد اجتنى الكمد
[ ١٨٣ ]