وَذَلِكَ لَازم للْملك فِي التَّدْبِير لِأَن صَوَاب الرَّأْي وَخَطأَهُ إِنَّمَا يكون بِحَسب قُوَّة التخيل الفكري وَضَعفه فَمن قوى تخيل فكره كَانَ فِي سُلْطَان الْهوى غَالِبا وَمن ضعف تخيل فكره كَانَ فِي سُلْطَان الْهوى مَغْلُوبًا وَإِنَّمَا يضعف التخيل الفكري إِذا استولت على النَّفس الشَّهَوَات
[ ١٨٤ ]
فيحتجب الْعقل عَن صَوَاب الرَّأْي فَإِذا قهر الْملك نَفسه عَن هَواهَا ومنعها شهواتها الصائرة بهَا ونهاها ظهر لَهُ صَوَاب التَّدْبِير فِي مرْآة الْعقل وَمَتى لم يملك الْملك ضبط نَفسه عَن هَواهَا وَهِي وَاحِدَة لم يملك ضبط حواسه وَهِي خمس وَإِذا لم يملك ضبط حواسه مَعَ قلتهَا وذلتها صَعب عَلَيْهِ ضبط خاصته من أعوانه وعامته مَعَ كَثْرَة جمعهم وخشونة جانبهم وَمن لم يضْبط خاصته من أعوانه وهم نصب عَيْنَيْهِ لم يضْبط عامته من رَعيته فِي أقاصي بِلَاده وأطراف مَمْلَكَته فَلَيْسَ من عَدو بعد قهر النَّفس أَحَق بالقهر من الْحَواس الْخمس لِأَنَّهُنَّ أعوان النَّفس ودليلها إِلَى الشَّهَوَات الموبقة وَقد رَأينَا قُوَّة الحاسة الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ على انفرادها إِذا أَتَت على نفس من النُّفُوس القوية الحذرة ألهتها عَن مصلحتها حَتَّى توردها حِيَاض الْمَوْت فَكيف بهَا إِذا اجْتمعت خمْسا
[ ١٨٥ ]
على نفس وَاحِدَة فَمن ذَلِك أَن الظبي مَعَ شدَّة نفوره إِذا سمع صَوت أواني الصفر مَعَ تَوَاتر النقرات واصطخابها الهاه سَماع ذَلِك عَمَّا يُرَاد بِهِ فيلبث فِي كِنَانَته حَتَّى يَأْتِيهِ الصياد فيقتنصه
والفيل مَعَ عظم جِسْمه وَشدَّة قوته يلهيه لين اللَّمْس ويذهله عَن نَفسه حَتَّى تنصب لَهُ المصائد فيصاد ويذل ويركب عُنُقه
والفراش الَّذِي يسكن
[ ١٨٦ ]
من حر الشَّمْس إِذا رأى ضوء النَّار أعجبه نورها وَحسن منظرها فيلهيه ذَلِك حَتَّى يلقى نَفسه فِيهَا فتحرقه
وذباب الْورْد المتتبع لطيب الأوائح يطْلب مَا يقطر من أصل أذن الْفِيل عِنْد هيجانه فَإِنَّهُ يكون فِي طيب رَائِحَة الْمسك وَلَا يهوله تَحْرِيك أذن الْفِيل بل يلهيه شم ذَلِك القاطر عَن الإحتراس حَتَّى يلج فِي أصل أُذُنه فَيَقَع عَلَيْهِ ضَرْبَة الْأذن فتقتله
والسمك فِي الْبَحْر يسليه ذوق الطّعْم ويلهيه ويذهله عَن
[ ١٨٧ ]
الشص الَّذِي فِيهِ اللَّحْم فيبتلعه فَيكون فِيهِ حتفه فَمن ملك هَذِه الْحَواس الْخمس فقد ملك نَفسه وَمن ملك نَفسه حسنت سياسته وَمن حسنت سياسته دَامَت رياسته
وَمن أعْطى نَفسه هَواهَا بِاتِّبَاع ملاذ شهواته اشْتغل عَن تَدْبِير مهماته فتختل أُمُور دولته وتنحل عرى مَمْلَكَته
وَقد سُئِلَ رجل من بني أُميَّة عَن سَبَب زَوَال
[ ١٨٨ ]
دولتهم فَقَالَ مثله مَا قَالَ بزرجمهر شَغَلَتْنَا لذاتنا عَن مهماتنا وَقل عطاؤنا لجندنا فَقل ناصرنا وجرنا على أهل خراجنا فدعوا علينا وطلبوا الرَّاحَة منا وَأَشد من ذَلِك أَنا استعملنا صغَار الْعمَّال على كبار الْأَعْمَال فآل ملكنا إِلَى مَا آل
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعقل كالزوج وَالنَّفس كَالزَّوْجَةِ والجسم كالبيت لَهما فَإِذا كَانَ سُلْطَان الْعقل غَالِبا قاهرا للنَّفس اشتغلت النَّفس بمصالح الْجِسْم إِمَّا لمَنْفَعَة تجلبها أَو لمضرة تجتنبها كَمَا تشتغل الزَّوْجَة الَّتِي قهرها زَوجهَا بمصالح بَيتهَا العائدة عَلَيْهَا وعَلى زَوجهَا وَإِن كَانَ سُلْطَان النَّفس على الْعقل غَالِبا كَانَ سعي النَّفس فَاسِدا ونزعاتها مذمومة كَفعل الزَّوْجَة الَّتِي قهرت زَوجهَا
وَكَانَ يُقَال لَا يزَال الْملك الحازم يخَاف ظُهُور عدوه عَلَيْهِ حَتَّى يُجَاوز عدوه قضايا الْعقل إِلَى قضايا الْهوى فَحِينَئِذٍ يبشر بالغلب ويثق بِحسن المنقلب
[ ١٨٩ ]
وَكَانَ يُقَال الْهوى كالنار إِذا استحكم إيقادها عسر إخمادها وكالسيل إِذا اتَّصل مده تعذر صده
قَالَ الْمَأْمُون الْهوى ينْتج من الْأَخْلَاق قبائحها وَيظْهر من الْأَفْعَال فضائحها أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(إِذا مَا رَأَيْت الْمَرْء يقتاده الْهوى فقد ثكلته عِنْد ذَاك ثواكله)
(وَقد أشمت الْأَعْدَاء جهلا بِنَفسِهِ وَقد وجدت فِيهِ مقَالا عواذله)
(وَمَا يردع النَّفس الحرون عَن الْهوى من النَّاس إِلَّا حَازِم الرَّأْي كَامِله)
[ ١٩٠ ]
وَقَالَ أردشير مَا اسْتَعَانَ ملك على عدل فِي رَعيته بِمثل مجانبة الْهوى وَقَالَ أَيْضا الزلل مَعَ اتِّبَاع الْهوى
وَأوصى رجل وَلَده فَقَالَ يَا بني أعص هَوَاك وَالنِّسَاء واصنع مَا شِئْت
وَكَانَ يُقَال إِذا غلب عَلَيْك عقلك فَهُوَ لَك وَإِذا غلب عَلَيْك هَوَاك فَهُوَ لعدوك
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أَكثر مُخَالفَة الْهوى فَإِن النَّفس أَمارَة
[ ١٩١ ]
بالسوء تكره مَا لَهَا وتحب مَا عَلَيْهَا وَلنْ يحور عَن الْقَصْد من ائْتمن عقله واتهم هَوَاهُ واستغش الْعقل وأنشدني بَعضهم
(إِذا أَنْت لم تعص الْهوى قادك الْهوى إِلَى بعض مَا فِيهِ عَلَيْك مقَال)
وَقَالَ سَابق الْبَرْبَرِي
(اعص الْهوى حِين لَا ترْضى معاذره وَقد تبينت مَا تَأتي وَمَا تذر)
[ ١٩٢ ]
وَأوصى ملك من مُلُوك حمير أَخَاهُ فَقَالَ لَا يكون الإفراط من شَأْنك فِي نكال وَلَا نوال فَإِنَّهُ فِي النوال يجحفك وَفِي النكال يؤثمك ويحنق عَلَيْك وَإِذا أنْكرت نَفسك فامسك وغالب هَوَاك فَإِنَّهُ أضرّ مَا اتبعت واعمل بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَا يضيق مَعَه شَيْء وَلَا يتعب فِيهِ عَاقل وَلَا يعقبك فِيهِ تبعة وَليكن خوف بطانتك لَك أَشد من أنسهم بك
وَأوصى ملك من الْعَرَب ولي عَهده فَقَالَ كن بِالْحَقِّ عمولا وَعَما جهلت سئولا وَأول شَيْء تؤدب بِهِ نَفسك قمعها عَن شهواتها وردعها عَن هَواهَا فَلَا شَيْء أضرّ بالمملكة من اتِّبَاع الْهوى وافحص عَن الْأُمُور تظهر
[ ١٩٣ ]
لَك حقائقها واستبطن أهل التَّقْوَى وَذَوي الأحساب تزين نَفسك وتحكم أَمرك وَإِيَّاك وَقبُول التَّزْكِيَة فِيمَا لَا تشك أَنَّك مَكْذُوب فِيهِ فَإِنَّهَا خدعة يتبعهَا صرعة وَلَا تحصن سرك إِلَّا عِنْد من يَكْتُمهُ وَلَا تثق بِرَجُل تتهمه وَلَا تعود لسَانك الْخَنَا وَلَا تكلّف نَفسك مَا لَا تقوى عَلَيْهِ وَإِذا هَمَمْت بِخَير فعجله وَإِذا هَمَمْت بِخِلَافِهِ فتأن فِيهِ وَإِيَّاك وَكَثْرَة التألي فَمن تألى على الله أكذبه وأرحم ترحم
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(قد يدْرك الحازم ذُو الرَّأْي المنى بِطَاعَة الحزم وعصيان الْهوى)
[ ١٩٤ ]
الْبَاب الرَّابِع فِي معرفَة أَرْكَان المملكة وقاعدتها
إعلم أَن أَرْكَان المملكة تبنى على قَاعِدَة كُلية لَا قوام لَهَا بِدُونِهَا وَلَا تثبت إِلَّا عَلَيْهَا وَهِي مِنْهَا بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد فَكَمَا لَا بَقَاء للجسد بعد قطع الرَّأْس كَذَلِك لَا بَقَاء للمملكة بِدُونِ هَذِه الْقَاعِدَة وَهَذِه الْقَاعِدَة يقلها أَرْكَان خَمْسَة بهَا قوام الْقَاعِدَة فَإِذا انْتقض مِنْهَا ركن أوهن الْقَاعِدَة وأفضى إِلَى اضطرابها فتختل المملكة
[ ١٩٥ ]
فَكَمَا أَن النَّفس يقوم بهَا أَرْكَان خَمْسَة وَهِي الْغذَاء والشحم وَالدَّم والمخ والعظم فَإِذا انْتقض مِنْهَا ركن أوهن النَّفس وأفضى إِلَى ذهَاب الْقُوَّة وَكَذَلِكَ دين الْإِسْلَام أَرْكَانه خَمْسَة فَإِذا انْتقض مِنْهَا ركن فِي شخص بَطل عَنهُ الْبَوَاقِي وَخرج عَنهُ الْإِسْلَام
وَهَذِه الْقَاعِدَة أَرْكَانهَا الْخَمْسَة يقلها أساس بَاطِن لَا تثبت إِلَّا عَلَيْهِ فَإِذا انشعث هَذَا الأساس اختلت الْأَركان واضطربت الْقَاعِدَة وأفضى الْأَمر إِلَى هدم الْجَمِيع وسنوضح ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
أما الْقَاعِدَة الَّتِي تبتنى عَلَيْهَا المملكة فَهِيَ الْملك المنتصب لتدبير الرّعية وسياسة المملكة ويقيمه أَوْصَاف أَرْبَعَة لَا يَنْفَكّ عَنهُ وَاحِدَة
[ ١٩٦ ]
مِنْهُنَّ وَهِي أدبه وعقله وعدله وإقدامه فَإِذا عرى عَن شَيْء من ذَلِك ذهبت قوته وَضعف عَن حمل المملكة كالطبائع الْأَرْبَع المركبة فِي جَسَد الْإِنْسَان لَا قوام لَهُ إِلَّا بهَا فَإِذا خلا عَن وَاحِد مِنْهُنَّ انحل تركيب الْجَسَد وزهقت مِنْهُ النَّفس فَإِذا استقام الْملك بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْأَرْبَعَة قَامَت بِهِ مَمْلَكَته
وَأما الرُّكْن الأول من أَرْكَان المملكة فَهُوَ الوزارة
[ ٢٠٠ ]
وَهِي على ضَرْبَيْنِ وزارة تَفْوِيض ووزارة تَنْفِيذ
[ ٢٠١ ]
فَأَما وزارة التَّفْوِيض فَهُوَ أَن يستووزر الْملك من يُفَوض إِلَيْهِ تَدْبِير الْأُمُور بِرَأْيهِ
[ ٢٠٢ ]
لِأَن مَا وكل إِلَى الْملك من تَدْبِير الرّعية لَا يقدر على مُبَاشرَة جَمِيعه إِلَّا بالاستنابة
وَأما وزارة التَّنْفِيذ فالنظر فِيهَا مَقْصُور على رَأْي الْملك وتدبيره وَهَذَا الْوَزير وَاسِطَة بَين الْملك وَبَين الرّعية يُؤَدِّي عَنهُ مَا أَمر بِهِ
[ ٢٠٦ ]
وَينفذ مَا ذكر ويمضي مَا حكم ويخبر عَنهُ بتقليد الْوُلَاة وتجهيز الجيوش ويعرض عَلَيْهِ مَا ورد من أَمر مُهِمّ وَمَا تجدّد من حدث ملم وَلَا مندوحة للْملك عَن نظر الْوَزير وَاسْتِعْمَال رَأْيه فِيمَا يجهله من أُمُور التَّدْبِير
[ ٢٠٧ ]
والوقائع الْحَادِثَة وَقد رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ = قَالَ من اسْتعْمل على عمل وَأَرَادَ الله بِهِ خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ
وَقد يثب المصروع من الْمُلُوك بِرَأْي وزيره حَتَّى
[ ٢٠٨ ]
يَعْلُو من صرعته بِقُوَّة رَأْيه ولطف حيلته وَإِن كَانَ ضَعِيفا والصارع قَوِيا كَالْمَاءِ الَّذِي هُوَ أقوى من النَّار فَإِنَّهُ يحتال فِيهِ الْمُحْتَال حَتَّى تنفذ مِنْهُ النَّار وَهُوَ فِي الْقدر وَلَا يضر النَّار بل يَنْقَلِب الضَّرَر على المَاء الَّذِي هُوَ أقوى حَتَّى تنفذ من الْقدر بلطف الْحِيلَة
وَاعْلَم أَنه لَا بُد أَن يعْتَبر فِي الْوَزير عشرَة أَوْصَاف
أَحدهَا الْعلم لِأَن تَدْبِير الْجَاهِل يَقع مُخَالفا للشَّرْع فَيكون وبالا
الثَّانِي السن لِأَن الشَّيْخ حنكته التجارب وعركته النوائب وَشَاهد من
[ ٢٠٩ ]
اخْتِلَاف الدول ونزول الْحَوَادِث مَا أوضح لعقله صَوَاب الرَّأْي فِي التَّدْبِير
الثَّالِث الْأَمَانَة حَتَّى لَا يخون فِيمَا ائْتمن عَلَيْهِ وَلَا يغش فِيمَا استنصح فِيهِ
الرَّابِع صدق اللهجة حَتَّى يوثق بِخَبَرِهِ فِيمَا يُؤَدِّيه وَيعْمل بقوله فِيمَا ينهيه
الْخَامِس قلَّة الطمع حَتَّى لَا يرتشي وَلَا ينخدع
السَّادِس أَن يسلم فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس من عَدَاوَة أَو شحنا لِأَن الْعَدَاوَة تصد عَن التناصف وتمنع من التعاطف
[ ٢١٠ ]
السَّابِع أَن يكون ذُكُورا لما يُؤَدِّيه إِلَى الْملك أَو يَنْقُلهُ عَنهُ لِأَنَّهُ شَاهد لَهُ وَعَلِيهِ
الثَّامِن الذكاء والفطنة لِئَلَّا تدلس عَلَيْهِ الْأُمُور فتشتبه وَلَا تموه عَلَيْهِ الْأَحْوَال فتلتبس لِأَن الْأُمُور لَا يَصح مَعَ اشتباهها عزم وَلَا يتم مَعَ التباسها حزم
التَّاسِع أَن لَا يكون من أهل الْأَهْوَاء فيخرجه الْهوى من الْحق الْبَاطِل ويتدلس عَلَيْهِ المحق من الْمُبْطل لِأَن الْهوى خَادع الْأَلْبَاب وصارف عَن الصَّوَاب
الْعَاشِر أَن يكون من أهل الْكِفَايَة فِيمَا وكل إِلَيْهِ من أَمر
[ ٢١١ ]
الْحَرْب وَالْخَرَاج خَبِيرا بهما عَارِفًا بتفصيلهما لِأَنَّهُ يكون مباشرا لَهما تَارَة ومستنيبا فيهمَا تَارَة أُخْرَى وعَلى هَذَا الْوَصْف مدَار الوزارة وَبِه يَنْتَظِم أُمُور السياسة وَمَتى لم تَجْتَمِع فِي الْوَزير هَذِه الْأَوْصَاف الْعشْرَة كَانَ تَدْبيره نَاقِصا بِقدر مَا نقض مِنْهَا
وَحكي أَن الْمَأْمُون كتب فِي اخْتِيَار وَزِير إِنِّي التمست لنَفْسي
[ ٢١٢ ]
وتدبير أموري رجلا جَامعا لخصال الْخَيْر ذَا عفة فِي خلائقه قد هذبته الْآدَاب وأحكمته التجارب إِن ائْتمن على الْأَسْرَار قَامَ بهَا وَإِن قلد مهمات الْأُمُور نَهَضَ فِيهَا يسكته الْحلم وينطقه الْعلم وَتَكْفِيه اللحظة وتغنيه اللمحة لَهُ صولة الْأُمَرَاء وأناة الْحُكَمَاء وتواضع الْعلمَاء وَفهم الْفُقَهَاء إِن أحسن إِلَيْهِ شكر وَإِن ابْتُلِيَ بالإساءة صَبر لَا يَبِيع نصيب يَوْمه بحرمان غده يسترق قُلُوب الرِّجَال بخلابة لِسَانه وَحسن بَيَانه
قَالَ عبد الرحمن وَهَذِه الْأَوْصَاف إِن كملت فِي الْوَزير وَقل مَا تكمل فالصلاح بنظره عَام وبتدبيره تَامّ وَإِن اختلت فالصلاح بِحَسب نَقصهَا مختل وَالتَّدْبِير على قدرهَا معتل
وَقد كَانَ الْفضل بن سهل وَزِير الْمَأْمُون يبْعَث أَصْحَابه إِلَى
[ ٢١٣ ]
الْبِلَاد عيُونا ليسمعوا مَا تَقول النَّاس فِيهِ من خير أَو شَرّ فيطالعونه بذلك فَمَا سمع من خير ازْدَادَ مِنْهُ وَمَا سمع من عيب فِيهِ أزاله
وَإِن وَفْدًا قدمُوا على الْمَأْمُون من بِلَاد الرّوم فأكرمهم فَلَمَّا رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ قَالَ عقلاؤهم مَا رَأينَا مثل الْمَأْمُون جلالة وعظمة وعقلا وَلَا رَأينَا مثل وزيره فِي حسن سمته وَكَمَال أَوْصَافه لَوْلَا أَنه حَدِيث السن وَمن شَأْن الْمُلُوك أَن يستوزروا الْمَشَايِخ الَّذين اجْتمعت لَهُم الْحِيلَة والرياسة وَالْعلم والتجربة فَأخْبرهُ أَصْحَابه بذلك قَالَ فاحتجب ثَلَاثَة أَيَّام فِي دَاره يعالج لحيته حَتَّى ظهر للنَّاس وَهِي بَيْضَاء وَلَا يجوز أَن يكون الْوَزير امْرَأَة لقَوْله ﷺ = مَا أَفْلح قوم أسندوا أَمرهم إِلَى امْرَأَة
[ ٢١٤ ]