فقوة الْملك تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع
أَحدهَا قُوَّة رتبته فِي النَّاس وهيبته عَلَيْهِم وَمَا يَقع فِي نُفُوسهم من عزه وسطوته واستعلائه وَقدرته
الثَّانِي قُوَّة احْتِمَاله بِنَفسِهِ لما يرد عَلَيْهِ من الْأُمُور واستقلاله بذلك
الثَّالِث قُوَّة التَّدْبِير لأمور المملكة والنفاذ فِيهَا بِحسن نظر العواقب بالأمور
أما الْقُوَّة الأولى فَتحصل بِحسن السياسة على مَا سَنذكرُهُ فِي مَوْضِعه
وَالْقُوَّة الثَّانِيَة تحصل بأدب النَّفس كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب الَّذِي قبله
الْقُوَّة الثَّالِثَة تَنْقَسِم إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا تَدْبِير وإبرام
[ ٢٢٢ ]
الْأُمُور بِلَا احتيال قبل التَّدْبِير بل بِالنّظرِ وَالْقِيَاس من الْمُدبر لَهَا
الثَّانِي تَدْبِير وإبرام الْأُمُور بعد الإحتيال فِيهَا وَوضع الْأُصُول لَهَا الثَّالِث تَدْبِير معرفَة الْوُقُوف على الْأَمر الَّذِي لَا يُوجد فِيهِ للتدبير حِيلَة حَتَّى يصير إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ ثمَّ يطْلب الْحِيلَة فِيهِ بعد ذَلِك
الرَّابِع تَدْبِير مَا لَا حِيلَة فِيهِ وَاعْلَم أَن أفضل هَذِه القوات قُوَّة التَّدْبِير فَأَما الْأَمر الَّذِي لَا حِيلَة فِيهِ وَلَا رفق فَالْحِيلَةُ فِيهِ الصَّبْر واللين لِأَن متعاطي الشدَّة فِيهِ يَنْقَلِب الضَّرَر عَلَيْهِ إِذا لم يرفق
أَلا ترى أَن ذَا الْقُوَّة بقوته لَو حاول سباحة فِي المَاء على لينه لم يقطعهُ بقوته حَتَّى يبهره
[ ٢٢٣ ]
فَإِذا رفق بِهِ سهل عَلَيْهِ عبوره وَأمكنهُ قطعه وَكَذَلِكَ من حاول أَن يعْقد بكفه على الْهَوَاء لم يجد إِلَى ذَلِك سَبِيلا وَلَو أَن الْفِيل بقوته تعاطى ثلم الْجَبَل بنابه انْكَسَرَ نابه وَلم يقْدَح فِي صِفَاته شَيْئا
وَالرجل على ضعف بنيته يتَّخذ برفقه من الْجَبَل الصلد مسكنا وَقد يذيب الْحَدِيد الشَّديد برفقه فِي حيلته
وَاعْلَم أَن الْملك الْقوي قد ينبو حد قوته إِذا لم يقم رفق التَّدْبِير كَمَا ينبو حد السَّيْف عَن ضَربته وَإِن كَانَ من الْحَدِيد الشَّديد حَتَّى يسقى من المَاء الَّذِي هُوَ لين سيال فيحشد مضاربه حَتَّى إِذا حمل
[ ٢٢٤ ]
على الْحَدِيد الَّذِي هُوَ من جنسه قطعه وكل ذَلِك إِنَّمَا يحصل بالرفق دون الْخرق وسنوضح كَيْفيَّة التَّدْبِير فِي موَاضعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٢٢٥ ]