إعلم أَن الْجور هُوَ الْعُدُول عَن الْحق واستمراره يخل بنظام الطَّاعَة
[ ٣٥٩ ]
من الرّعية ويبعثهم على ترك المناصحة وَعدم النُّصْرَة ويحملهم على نصب الغوائل وتربص الدَّوَائِر وَلَيْسَ شَيْء أسْرع فِي خراب الأَرْض وَلَا أفسد لضمائر الْخلق مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يقف على حد وَلَا يَنْتَهِي إِلَى
[ ٣٦٠ ]
غَايَة وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة من أشركه الله فِي سُلْطَانه فجار فِي حِكْمَة
وَقَالَ ص = لن تهْلك الرّعية وَإِن كَانَت ظالمه اَوْ مسيئة إِذا كَانَت الْوُلَاة هادية مهدية وتهلك الرّعية وَإِن كَانَت هادية مهدية إِذا كَانَت الْوُلَاة ظالمة مسيئة
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام قَالَ الله تَعَالَى لانتقمن من
[ ٣٦١ ]
الظَّالِم فِي عاجله وآجله ولأنتقمن مِمَّن رأى مَظْلُوما فَقدر على ان ينصره فَلم يفعل
وَقَالَ ﵊ بئس الزَّاد الى الْمعَاد الْعدوان على الْعباد
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك يبْقى على الْكفْر وَلَا يبْقى على الْجور
وَقَالَ حَكِيم آخر الْجور مسْلبَةٌ للنعم وَالْبَغي مجلبة النقم
[ ٣٦٢ ]
وَقَالَ افلاطون بِالْعَدْلِ ثبات الْأَشْيَاء وبالجور زَوَالهَا وَقَالَ أَيْضا إيَّاكُمْ والجور فَإِنَّهُ أَدَاة العطب وَعلة خراب الْبِلَاد ويحكي ان الرشيد
[ ٣٦٣ ]
حبس ابا الْعَتَاهِيَة وَأقسم أَن لَا يُخرجهُ من حَبسه فَبَقيَ فِي السجْن مُدَّة طَوِيلَة فَلَمَّا ضَاقَ بِهِ الْأَمر كتب على حَائِط الْحَبْس هَذِه الأبيات
(أما وَالله إِن الظُّلم شُؤْم وَمَا زَالَ الْمُسِيء هُوَ الظلوم
(تنام وَلم تنم عَنْك المنايا تنبه للمنية يَا نَؤُم
(إِلَى ديان يَوْم الدّين نمضي وَعند الله تَجْتَمِع الْخُصُوم)
قَالَ فَأخْبر الرشيد بذلك فَبكى وأحضر أَبَا الْعَتَاهِيَة واستحله
ألف دِينَار وَأطْلقهُ وَكفر عَن يَمِينه
وأنشدني بَعضهم لأبي الْفَتْح البستي
[ ٣٦٤ ]
(عَلَيْك بِالْعَدْلِ إِن وليت مملكة وَاحْذَرْ من الْجور فِيهَا غَايَة الحذر) ٣ (فالملك يبْقى على الْكفْر البهيم وَلَا يبْقى مَعَ الْجور فِي بدور وَلَا حضر)
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَيْسَ للجائر جَار وَلَا تعمر لَهُ دَار
وَقَالَ حَكِيم آخر اقْربْ الْأَشْيَاء صرعة الظلوم وأنفذ السِّهَام دَعْوَة الْمَظْلُوم
وَقَالَ بَعضهم فِي الْمَعْنى شعرًا
[ ٣٦٥ ]
(لَا تظلمن إِذا مَا كنت مقتدرا فالظلم مرتعة يَدْعُو إِلَى الوخم)
(تنام عَيْنك والمظلوم منتبه يَدْعُو عَلَيْك وَعين الله لم تنم)
ويحكي ان يزدجرد الأثيم لما كثر عسفه لرعيته وَاشْتَدَّ جوره عَلَيْهِم باغتصاب الْأَمْوَال وامتهانهم بِالْعَذَابِ وَطَالَ ذَلِك عَلَيْهِم اجْتمع جمَاعَة من المظلومين فِي بعض الهياكل ثمَّ دعوا الله ﷾ أَن يريحهم مِنْهُ فَمَكثَ بعد ذَلِك خَمْسَة أَيَّام أَو سَبْعَة فَجَاءَهُ حَاجِبه فَأخْبرهُ أَن فرسا مستوحشا جمع محَاسِن صِفَات الْخَيل قد جَاءَ
[ ٣٦٦ ]
يشْتَد عدوا حَتَّى وقف بِبَاب الْملك وَقد تهيبه النَّاس فَلم يجترىء اُحْدُ عَلَيْهِ وَقد نفرت مِنْهُ الْخَيل فَلَا تقرب مِنْهُ فَلَمَّا سمع ذَلِك يزدجرد خرج من قصره فَنظر الى الْفرس قَائِما فَرَأى منْظرًا عجيبا فَدَنَا مِنْهُ فخضع لَهُ الْفرس فخامره الْإِعْجَاب بِنَفسِهِ فمسك بناصيته فَمسح وَجهه ثمَّ أَمر بإسراجه وإلجامه ثمَّ اسْتَدَارَ بِهِ وَمسح كفله فرمحه رمحة خر مِنْهَا مَيتا وَقيل بل رَكبه وحركه فَجمع بِهِ وَسبق الْأَبْصَار عدوا حَتَّى أَتَى الْبَحْر فاقتحمه بِهِ فَكَانَ ذَلِك آخر مَا علم من خَبره
وَقد يعلم قبح الْجور وعقلا وَشرعا فَيجب اجتنابه والورع عَنهُ لما فِيهِ من اختلال الرّعية واضطراب الدولة وخراب الْبِلَاد وَعَذَاب الْآخِرَة
[ ٣٦٧ ]
الْوَصْف الثَّانِي