إعلم أَن الْعدْل أشرف أَوْصَاف الْملك وأقوم لدولته لِأَنَّهُ يبْعَث على الطَّاعَة ويدعوا إِلَى الألفة وَبِه تصلح الْأَعْمَال وتنمو الْأَمْوَال
[ ٢٤٢ ]
وتنتعش الرّعية وتكمل المزية وَقد ندب الله ﷿ الْخلق إِلَيْهِ وحثهم عَلَيْهِ
قَالَ الله تَعَالَى إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ
قَالَ الْحسن إِن الله تَعَالَى جمع الْخَيْر كُله وَالشَّر كُله فِي إِن الْآيَة وَقَالَ إِن استقامة الْملك بِالثَّلَاثَةِ الْمَأْمُور بهَا فِي الْآيَة واضطرابه بِالثَّلَاثَةِ الْمنْهِي عَنْهَا فِيهَا
[ ٢٤٣ ]
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ = ثَلَاث منجيات وَثَلَاث مهلكات فَأَما المنجيات فالعدل فِي الْغَضَب والرضاء
[ ٢٤٤ ]
وخشية الله تَعَالَى فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْقَصْد فِي الْغنى والفقر وَأما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ
وَحكي أَن الْإِسْكَنْدَر قَالَ لحكماء الْهِنْد وَقد رأى قلَّة الشَّرَائِع فِي بِلَادهمْ لم صَارَت سنَن بِلَادكُمْ قَليلَة قَالُوا لإعطائنا الْحق من أَنْفُسنَا ولعدل مُلُوكنَا فِينَا فَقَالَ لَهُم أَيّمَا أفضل الْعدْل أم الشجَاعَة قَالُوا إِذا اسْتعْمل الْعدْل استغني عَن الشجَاعَة وَقَالَ أردشير إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة
(وَعُوتِبَ كسْرَى أنوشروان على ترك عِقَاب المذنبين)
[ ٢٤٥ ]
فَقَالَ هم المرضى فَإِذا لم نداوهم بِالْعَدْلِ فَمن لَهُم
وَقَالَ أفلاطون بِالْعَدْلِ ثبات الْأَشْيَاء وبالجوز زَوَالهَا وَقيل لأردشير من الَّذِي لايخاف أحدا قَالَ من عدل فِي حكمه وكف عَن ظلمه نَصره الْحق وأطاعه الْخلق وصفت لَهُ النِّعْمَة وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فهنىء بالعيش وَاسْتغْنى عَن الْجَيْش وَملك الْقُلُوب وَأمن الحروب
وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن أَيدي الرّعية تبع لألسنتها فَمَتَى قدرت أَن
[ ٢٤٦ ]
تَقول قدرت أَن تصول وَلنْ يملك الْملك ألسنتها حَتَّى يملك جسومها وَلنْ يملك جسومها حَتَّى يملك قلوبها فتحبه وَلنْ تحبه حَتَّى يعدل عَلَيْهَا عدلا يتساوى فِيهِ الْخَاصَّة والعامة
[ ٢٤٧ ]
وَقَالَ كسْرَى أنو شرْوَان لبزرجمهر ابْن لي قبَّة واكتب عَلَيْهَا كَلِمَات انْتفع بهَا فِي بَقَاء الدولة فبناها وَكتب فِي طرازها الْعَالم بُسْتَان سياجه الدولة والدولة ولَايَة تحرسها الشَّرِيعَة والشريعة سنة يستنها الْملك وَالْملك رَاع يعضده الْجَيْش والجيش أعوان يكفلهم المَال وَالْمَال رزق تجمعه الرّعية والرعية عبيد يستعبدهم الْعدْل وَالْعدْل مألوف بِهِ قوام الْعَالم
وَقَالَ الْوَلِيد بن هِشَام إِن الرّعية لتفسد بِفساد الْملك وَتصْلح بصلاحه
[ ٢٤٨ ]
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ للمنصور إِنِّي لأعرف رجلا إِن صلح صلحت الْأمة قَالَ وَمن هوقال أَنْت
وَاعْلَم أَن الْعدْل لايتحقق من الْملك إِلَّا بِلُزُوم عشر خِصَال أَحدهَا إِقَامَة منار الدّين وَحفظ
[ ٢٤٩ ]
شعائره والحث على الْعَمَل بِهِ من غير إهمال لَهُ وَلَا تَفْرِيط بحقوقه
الثَّانِي حراسة الْبَيْضَة والذب عَن الرّعية من عَدو فِي الدّين أَو بَاغ فِي النَّفس وَالْمَال
الثَّالِث عمَارَة الْبلدَانِ باعتماد الْمصَالح وتهذيب السبل
[ ٢٥٠ ]
والمسالك الرَّابِع النّظر فِي تعدِي الْوُلَاة وَأهل الْعِزّ من الأعوان على الرّعية لِأَن تعديهم مَنْسُوب إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِر
(وَمن يرْبط الْكَلْب الْعَقُور بِبَابِهِ فعقر جَمِيع النَّاس من رابط الْكَلْب)
(كَذَلِك من ولى ابْنه وَهُوَ ظَالِم فظلم جَمِيع النَّاس من قبل الْأَب)
الْخَامِس النّظر فِي أَحْوَال الْجند وَغَيرهم من أهل الرزق لِئَلَّا تبخسهم الْعمَّال أَرْزَاقهم أَو يؤخرون الْعَطاء فيجحف الِانْتِظَار بهم
[ ٢٥١ ]
السَّادِس الْجُلُوس لكشف الْمَظَالِم وَالنَّظَر بَين المتشاجرين من الرّعية والفصل بَينهم بالنصفة على وَجه الشَّرْع
السَّابِع تَقْدِير مَا يخرج من بَيت المَال على طَبَقَات أربابه من غير إِسْرَاف وَلَا إقتار
الثَّامِن إِقَامَة الْحُدُود على أهل الجرائم بِالشَّرْعِ المطهر على قدر الجريمة
[ ٢٥٢ ]
التَّاسِع اخْتِيَار خلفائه فِي الْأُمُور وولاته وقضاته وعماله بِأَن يَكُونُوا من أهل الْكِفَايَة وَالْأَمَانَة والحذق والدراية فِيمَا هم بصدده
الْعَاشِر تَنْفِيذ مَا وقف من أَحْكَام الْقُضَاة وَأهل الْحِسْبَة وَمَا عجزوا عَن تنفيذه لقُوَّة يَد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وتعززه فَينفذ الْملك مَا حكموه عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ
[ ٢٥٣ ]
فَإِذا فعل الْملك هَذِه الْعشْر خِصَال كَانَ مُؤديا لحق الله تَعَالَى فِي الرّعية بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمر الله تَعَالَى بِهِ وَكَانَ مستوجبا لطاعتهم ومستحقا لمناصحتهم وَإِن ترك شَيْئا من ذَلِك كَانَ عَن الْعدْل ناكبا وَفِي الْجور رَاغِبًا
[ ٢٥٤ ]
وأنشدني بَعضهم
(إختم وطينك رطب إِن قدرت فكم قد أمكن الْخَتْم أَقْوَامًا فَمَا ختموا)
(ولوا فَمَا عدلوا أَيَّام دولتهم حَتَّى إِذا عزلوا ذلوا فَمَا رحموا)
[ ٢٥٥ ]