إعلم أَن صَبر الْمُلُوك يتنوع أنواعا كَثِيرَة أليقها بكتابي هَذَا صَبر الْمُلُوك وَهُوَ عبارَة عَن ثَلَاث قوى الْقُوَّة الأولى قُوَّة الْحلم وثمرتها الْعَفو الْقُوَّة الثَّانِيَة قُوَّة الكلأة وثمرتها عمَارَة المملكة الثَّالِثَة قُوَّة الشجَاعَة وثمرتها فِي الْمُلُوك الثَّبَات لِأَن إقدامهم فِي المعارك تهور وطيش
[ ٣٠٩ ]
وَالصَّبْر سيد الْأَوْصَاف الجليلة وأميرها وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ الْعلم خَلِيل الْمُؤمن والحلم وزيره وَالْعقل دَلِيله وَالْعَمَل قائده والرفق وَالِده وَالْبر أَخُوهُ وَالصَّبْر أَمِير جُنُوده
وَلَيْسَ المُرَاد تَفْضِيل الصَّبْر على الْعلم وَالْعقل وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الثَّبَات على هَذِه الخصائص إِنَّمَا يكون بِالصبرِ لِأَن معنى الصَّبْر الثَّبَات وَالْحَبْس والإمساك فَمن اتّصف بِشَيْء من هَذِه الْخِصَال
[ ٣١٠ ]
وَلم يصبر كَانَ عِنْد مزايلته كمن لم يَتَّصِف بِهِ فالصبر ضَابِط للأوصاف الشَّرِيفَة كَمَا يضْبط الْأَمِير جُنُوده
وَقيل كَانَ مَكْتُوبًا فِي الصَّحِيفَة الصَّفْرَاء الْمُعَلقَة فِي أعظم هياكل الْفرس كَمَا أَن الْحَدِيد يعشق المغناطيس فَكَذَلِك الظفر يعشق الصَّبْر فاصبر تظفر أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(إِنِّي وجدت وَخير القَوْل أَحْمَده للصبر عَاقِبَة محمودة الْأَثر)
(وَقل من جد فِي أَمر يُطَالِبهُ واستصحب الصَّبْر إِلَّا فَازَ بالظفر)
[ ٣١١ ]
وَقَالَ بعض حكماء الْعَرَب مَا ميز الرجل بَين صَبر وجزع إِلَّا وجدهما متفاوتين الصَّبْر حسن الْعَلَانِيَة مَحْمُود الْعَاقِبَة والجزع غير معوض شَيْئا وَلَو كَانَ فِي صُورَة لَكَانَ الصَّبْر أولاهما بالغلبة بِحسن الْخلقَة وكرم الطبيعة
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحَوَادِث النَّازِلَة نَوْعَانِ أَحدهمَا لَا حِيلَة فِيهِ فَدفعهُ بِالصبرِ الدَّائِم والإعراض عَنهُ الثَّانِي يُمكن فِيهِ الْحِيلَة فَدفعهُ بِالصبرِ عَنهُ إِلَى حِين نُفُوذ الْحِيلَة فِيهِ
وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء
(من يمتطي الصَّبْر يضع رجله فِي ساحة الرَّاحَة واليسر)
(الصَّبْر يمن وَبِه للفتى صِيَانة النَّفس عَن الْغدر)
وَقَالَ آخر
(إصبر إِذا تدهيك نائبة مَا خَابَ مُنْقَطع إِلَى الصَّبْر)
(فالصبر أولى مَا اعتصمت بِهِ ولنعم حَشْو جَوَانِب الصَّدْر)
[ ٣١٢ ]
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ جربنَا وجرب المجربون فَلم نر شَيْئا أَنْفَع من الصَّبْر بِهِ تداوى الْأُمُور وَهُوَ لَا يداوى بِغَيْرِهِ
وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ أَنه قَالَ إِنَّا وجدنَا خير عيشنا الصَّبْر
وَكَانَ عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ يَقُول يَا معشر الحواريين إِنَّكُم لَا تدركون مَا تأملون إِلَّا بِالصبرِ على مَا تَكْرَهُونَ
وَقَالَ نهشل بن حري
[ ٣١٣ ]
(وَيَوْم كَأَن المصطلين بحرة وَإِن لم تكن نَار قيام على الْجَمْر)
(صَبرنَا لَهُ حَتَّى يبوخ وَإِنَّمَا تفرج ايا الكريهة بِالصبرِ) وَقَالَ آخر
(إِنِّي رايت مغبة الصَّبْر تُفْضِي بصاحبها إِلَى الْيُسْر)
(لابد من عسر وميسرة بهما تَدور دوائر الدَّهْر)
(فَكَمَا يلذ الْيُسْر صَاحبه فكذاك فليصبر على الْعسر وَقَالَ آخر
(الصَّبْر أولى بوقار الْفَتى من قلق يهتك ستر الْوَقار
(من لزم الصَّبْر على حَالَة كَانَ على أَيَّامه بِالْخِيَارِ) وَقَالَ آخر
[ ٣١٤ ]
(لَا تيأسن وَإِن طَالَتْ مُطَالبَة إِذا استغنت بصبر أَن ترى فرجا)
(أخلق بِذِي الصَّبْر أَن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أَن يلجا)
[ ٣١٥ ]