اعْلَم أَن الْعجب وصف رَدِيء يسلب الْفَضَائِل ويجلب الرذائل وَيظْهر الْحمل وَيُوجب المقت ويخفي المحاسن ويشهر المساوىء ويفضي إِلَى المهالك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم حنين إِذْ﴾
[ ٤١٣ ]
أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا وَضَاقَتْ عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ وليتم مُدبرين
وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الْإِعْجَاب ضد الصَّوَاب وَآفَة الْأَلْبَاب
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء إعجاب الْمَرْء بِنَفسِهِ أحد حساد عقله
وَقَالَ آخر الْعجب حمق وتيه ينتجه الْكبر
وَكَانَ يُقَال مَا أعجب بِنَفسِهِ عَاقل لِأَن الْعجب فضل حمق
[ ٤١٤ ]
لم يدر صَاحبه أَيْن يذهب بِهِ فيصرفه إِلَى الْكبر
وَحكي أَن رجلا نظر إِلَى الْمُهلب بن أبي صفرَة وَعَلِيهِ حلَّة فاخرة يسحبها وَيَمْشي بالخيلاء فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا هَذِه المشية الَّتِي يبغضها الله وَرَسُوله فَقَالَ لَهُ الْمُهلب أَو مَا تعرفنِي قَالَ بلَى أعرفك أَو لَك نُطْفَة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحياتك فِيمَا بَين ذَلِك بَوْل وعذرة قَالَ فَخَجِلَ الْمُهلب وأطرق مِنْهُ حَيَاء وَقد نظم هَذَا الْكَلَام مَحْمُود الْوراق فَقَالَ
(عجبت من معجب بصورته وَكَانَ بالْأَمْس نُطْفَة مذرة)
[ ٤١٥ ]
(وَفِي غَد بعد حسن هَيئته يصير فِي اللَّحْد جيفة قذرة)
(وَهُوَ على تيهه وتخوته مَا بَين جَنْبَيْهِ يحمل الْعذرَة)
وَقَالَ بعض البلغاء عجب الْملك بتدبيره مفض بِهِ إِلَى تدميره
أَنْشدني بَعضهم
(إِذا الْمَرْء لم يرض مَا أمكنه وَلم يَأْتِ من أمره أزينه)
(وأعجب بالعجب فاقتاده وتاه بِهِ التيه فَاسْتَحْسَنَهُ)
[ ٤١٦ ]
(فَدَعْهُ فقد سَاءَ تَدْبيره سيضحك يَوْمًا ويبكي سنه)
وَاعْلَم أَن من لم يحسم عَنهُ أَسبَاب الْعجب المفضية إِلَيْهِ وَقع فِيهِ فَيهْلك فِي غَالب الْأَحْوَال وَمن أقوى أَسبَابه مدح المتملقين الَّذين يجْعَلُونَ التملق دأبهم والنفاق مسكنهم فَيمْنَع نَفسه من تَصْدِيق الْمَدْح ليسَا فَإِن للنَّفس ميلًا إِلَى سَماع الْمَدْح
وَمَتى كثر الْمَدْح وَجَاوَزَ الْحَد صَار كذبا وملقا وَقد نهى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْمَدْح فَإِنَّهُ الذّبْح
[ ٤١٧ ]
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من رَضِي أَن يمدح بِمَا لَيْسَ فِيهِ فقد أعَان الساخر مِنْهُ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء قبح باللبيب أَن يعجب بِنَفسِهِ عِنْد مدح المادح أَو يغْضب عِنْد سَماع قدح القادح قبل أَن يتفقد أَعماله وَيعلم مَا عَلَيْهِ وَمَا لَهُ وَلَا يتْرك النِّسَاء أفضل مِنْهُ فَإِن إِحْدَاهُنَّ إِذا وصف وَجههَا بِمَا تحب أَو تكره امتحنت ذَلِك بالاطلاع فِي الْمرْآة
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للعاقل أَن يمْتَحن أَحْوَاله بِأَن يكل نَفسه إِلَى غَيره من أهل الثِّقَة وَالْأَمَانَة وَالْأَدب والديانة فِي اختبار محاسنه ومساويه وعيوب نَفسه الَّتِي فِيهِ ويستنصحهم فِي ذَلِك فَإِن الْإِنْسَان قد يخفى عَلَيْهِ عيب نَفسه لاستيلاء الْهوى على عقله فَإِذا أزاح عَن نَفسه ذَلِك فقد نَالَ غَايَة الشّرف بانعطاف الْقُلُوب عَلَيْهِ وميلها إِلَيْهِ
[ ٤١٨ ]