إعلم أَن الْبُخْل من أَذمّ الْخَلَائق وَأنكر الطرائق نهى عَنهُ الشَّرْع وَقضى بقبحه الْعقل وَحَقِيقَته منع الْحُقُوق الْوَاجِبَة وتقتير النَّفَقَات الْمُسْتَحقَّة وَفِي الْعرف وَالْعَادَة هُوَ خزن المَال وَمنع المسترفدين من فضوله
وَاعْلَم أَن الْبَخِيل لَا يزَال مسلوب الهيبه مَفْقُود الرهبة ثقيلا على
[ ٣٧٦ ]
النُّفُوس بغيضا إِلَى الْقُلُوب ترمقه الْأَبْصَار بالإحتقار وبقلة الْوَقار وَذَلِكَ أَن الْبُخْل يَدعُوهُ إِلَى شدَّة الكدح وخزن المَال ويمنعه من إِيصَال الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا وَهُوَ يُغطي الْفَضَائِل وَيظْهر الرذائل أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(وَيظْهر عيب الْمَرْء فِي النَّاس بخله ويستره عَنْهُم جَمِيعًا سخاؤه)
[ ٣٧٧ ]
(تغط بأثواب السخاء فإنني أرى كل عيب والسخاء غطاؤه)
وَقد ينْتج عَن الْبُخْل أَرْبَعَة أَخْلَاق مذمومة كل خلق مِنْهَا فِي نِهَايَة الْقبْح وَهِي الْحِرْص والشره وَسُوء الظَّن بِاللَّه وَمنع الْحُقُوق
أما الْحِرْص فَهُوَ شدَّة الكدح والإسراف فِي الكدح والإسراف فِي الطّلب وَالْمُبَالغَة فِي جمع المَال وَهَذَا رُبمَا أفْضى بِصَاحِبِهِ إِلَى اقتحام الْحَرَام وَأخذ الشُّبُهَات فَكَانَ مذموما
وَأما الشره فَهُوَ اسْتِقْلَال الْكِفَايَة والاستكثار من المَال لغير حَاجَة وَذَلِكَ مَذْمُوم لنزوعه إِلَى اللؤم
[ ٣٧٨ ]
وَأما كَونه يسيء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى فَإِن الْبَخِيل يعْتَقد أَن المَال يذهبه الْإِنْفَاق وَلَيْسَ خلف من الله تَعَالَى وَلَا عوض يرجع إِلَيْهِ فَيحصل على عدم الثِّقَة بِاللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ غَايَة المذمة والقبح
وَأما منع الْحُقُوق فَإِن نفس الْبَخِيل لَا تسمح بِفِرَاق المَال إِذْ هُوَ محبوبها وَنِهَايَة مطلوبها فَلَا تنقاد إِلَى إِيصَال الْحق وَلَا تذعن بإنصاف الْخلق وَإِذا كَانَ الْبَخِيل بِهَذِهِ الْأَوْصَاف فَلَيْسَ عِنْده خير مَوْجُود وَلَا صَلَاح مأمول
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة قريب من النَّاس بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من النَّاس بعيد من الْجنَّة قريب من النَّار
وَقَالَ ﵇ طَعَام الْجواد دَوَاء وَطَعَام الْبَخِيل
[ ٣٧٩ ]
دَاء وَقَالَ ﵇ بشر مَال الْبَخِيل بحادث أَو وَارِث أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(يفني الْبَخِيل بِجمع المَال مدَّته وللحوادث والوراث مَا يدع)
(كدودة القز مَا تبنيه يهلكها وَغَيرهَا بِالَّذِي تبنيه ينْتَفع)
[ ٣٨٠ ]
قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْبُخْل جِلْبَاب المسكنة
وَقَالَ حَكِيم آخر لَا يدْخل الْبُخْل مسكنا إِلَّا أعقبه الْحَسْرَة وَلَا يدْخل الطمع مدخلًا إِلَّا أعقبته المذلة وَلَا يدْخل الشره مدخلًا إِلَّا أعقبه الْحيرَة
وَقيل الْبَخِيل لَيْسَ لَهُ خَلِيل
وَقيل المَال كَالْمَاءِ فَمن استكثر مِنْهُ وَلم يَجْعَل لَهُ مسربا يتسرب فِيهِ مَا زَاد على الْقدر الْكَافِي غرقه أَنْشدني بَعضهم
(أَرَاك تؤمل حسن الثَّنَاء وَلم يرْزق الله ذَاك الْبَخِيل)
(وَكَيف يسود أَخُو بطنة يمن كثيرا وَيُعْطِي قَلِيلا)
[ ٣٨١ ]