إعلم أَن الشجَاعَة من أَحْمد الْأَوْصَاف الَّتِي تلْزم الْملك أَن يَتَّصِف بهَا ضَرُورَة وَإِن لم تكن لَهُ طبعا فيتطبع بهَا ليحسم بهيبته مواد
[ ٢٦٣ ]
الأطماع الْمُتَعَلّقَة بقلوب نظرائه وَيحصل مِنْهُ حماية الْبَيْضَة ورعاية المملكة والذب عَن الرّعية
وَحَقِيقَة الشجَاعَة ثبات الجأش وَذَهَاب الرعب وَزَوَال هَيْبَة الْخصم أَو استصغاره عِنْد لِقَائِه وَلَا بُد أَن يتَقَدَّم هَذَا رَأْي ثاقب وَنظر صائب وحيلة فِي التَّدْبِير وخداع فِي الممارسة فقد قَالَ ص = الْحَرْب خدعة
[ ٢٦٤ ]
قَالَ أَبُو الطّيب المتنبي
(الرَّأْي قبل شجاعة الشجعان هُوَ أول وَهِي الْمحل الثَّانِي)
(فَإِذا هما اجْتمعَا فِي النَّفس مرّة بلغت من العلياء كل مَكَان)
(ولربما قتل الْفَتى أقرانه بِالرَّأْيِ قبل تطاعن الفرسان)
وَاعْلَم أَن ثَمَرَة الشجَاعَة من الْجند الْكر والفر وثمرتها من الْمُلُوك الثَّبَات
[ ٢٦٦ ]
حَتَّى يكون قطبا يدورون عَلَيْهِ ومعقلا يلجأون إِلَيْهِ هَذَا إِذا كَانَ بِحَضْرَتِهِ من يذب عَنهُ من أعوانه الَّذين يَثِق بهم فَإِذا لم يكن بِحَضْرَتِهِ من يذب عَنهُ حسن مِنْهُ حِينَئِذٍ أَن يذب عَن نَفسه إِمَّا بالإقدام وَإِمَّا بالانهزام حِيلَة
وَلَقَد حُكيَ أَن فيلا اغتلم فَدخل قصر كسْرَى أنوشروان والفيل
[ ٢٦٧ ]
إِذا اغتلم أنكر سايسه وَلَا يمر بِشَيْء إِلَّا حطمه وَإِن ذَلِك الْفِيل قصد الإيوان الَّذِي فِيهِ كسْرَى وَعِنْده جمَاعَة من كفاته أَو ثقاته فَلَمَّا نظرُوا إِلَى الْفِيل مُقبلا إِلَيْهِم فروا من حول كسْرَى وَثَبت كسْرَى على سَرِيره وَلم يتَغَيَّر عَن سَرِيره وَلَا عَن هَيئته وَثَبت عِنْده وَاحِد من الرِّجَال بِيَدِهِ طبر فَقَامَ ذَلِك الرجل أما سَرِير كسْرَى وقصده الْفِيل فَثَبت لَهُ فَلَمَّا غشيه ضربه بالطبر على خرطومه فَقده فولى الْفِيل رَاجعا وكسرى فِي هَذَا كُله لم يَتَحَلْحَل عَن سَرِيره وَلَا تغير لَونه وَلَا فارقته أبهته وَهَذِه غَايَة الشجَاعَة الْمَطْلُوبَة من الْمُلُوك
وَكَذَلِكَ حكى أَن مُوسَى الْهَادِي كَانَ يَوْمًا فِي بُسْتَان على حمَار لَهُ
[ ٢٦٨ ]
وَلَيْسَ مَعَه سلَاح وبحضرته جمَاعَة من أهل بَيته وبطانته فَدخل عَلَيْهِ حَاجِبه وَأخْبرهُ عَن رجل من الْخَوَارِج كَانَ ذَا بَأْس شَدِيد ونكاية فِي النَّاس وَأَنه قد ظفر بِهِ بعض القواد وَهُوَ مَعَه على الْبَاب فَأمر الْهَادِي بإدخاله عَلَيْهِ فَأدْخل بَين رجلَيْنِ قد قبضا على يَدَيْهِ فَلَمَّا نظر الْخَارِجِي إِلَى الْهَادِي جذب يَدَيْهِ من الرجلَيْن وَاخْتَرَطَ سيف أَحدهمَا وَقصد الْهَادِي ففر عَنهُ كل من كَانَ بِحَضْرَتِهِ من اهله وبطانته وَبَقِي الْهَادِي وَحده على حمَار بمكانه ذَلِك حَتَّى قرب الْخَارِجِي مِنْهُ وَرفع يَده بِالسَّيْفِ ليعلوه بِهِ فَقَالَ ياغلام اضْرِب عُنُقه فَالْتَفت الْخَارِجِي ينظر من خَلفه فَوَثَبَ الْهَادِي من سرج حِمَاره فَإِذا هُوَ على الْخَارِجِي فَقبض عَلَيْهِ وانتزع السَّيْف من يَده فذبحه ثمَّ عَاد إِلَى ظهر حِمَاره من فوره وتراجع إِلَيْهِ خاصته يَتَسَلَّلُونَ وَقد ملئوا مِنْهُ رعْبًا وحياء فَمَا خاطبهم بِشَيْء من ذَلِك وَلم يكن بعد ذَلِك يُفَارِقهُ السِّلَاح
[ ٢٦٩ ]
وَلم يركب إِلَّا جوادا من الْخَيل وَهَذَا أعجب مَا يكون من الشجَاعَة وثبات الجأش فِي الْمُلُوك
[ ٢٧٠ ]