إعلم أَن الْحلم ضبط النَّفس عِنْد هيجان الْغَضَب وَهُوَ خليق بالملوك لما فِيهِ من الرَّاحَة واجتلاب الْحَمد وَحسن الْعَاقِبَة ورضا الْخَالِق قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يحب الْحَلِيم
[ ٣٣٦ ]
وَيبغض الْفَاحِش وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ من حلم سَاد وَمن تفهم ازْدَادَ
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء كل ملك لَا يجْتَمع فِيهِ ثَلَاث قوى فملكه مسلوب الْقُوَّة الأولى قُوَّة الْحلم وثمرتها الْعَفو الْقُوَّة الثَّانِيَة قُوَّة حفظ الرّعية وثمرتها عمَارَة المملكة الْقُوَّة الثَّالِثَة قُوَّة الشجَاعَة وثمرتها فِي الْمُلُوك الثَّبَات وَفِي الْجند الْإِقْدَام وَكَانَ يُقَال
[ ٣٣٧ ]
أوكد أَسبَاب الْحلم رَحْمَة الْجُهَّال
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحلم حجاب الْآفَات
وَقَالَ مُعَاوِيَة إِنِّي لَا رفع نَفسِي أَن يكون لي ذَنْب أوسع من حلم
وَكَانَ يُقَال لَيْسَ الْحَلِيم من إِذا ظلم حلم حَتَّى إِذا قدر انتقم وَلَكِن الْحَلِيم من إِذا ظلم حلم حَتَّى إِذا قدر عفى وَمِمَّا حفظ من وَصِيّه أنوشروان لوَلَده يَا بني إِن من أَخْلَاق الْمُلُوك الأنفة وَعزة النَّفس وَإنَّك ستبلى بمدارات أَقوام وَإِن سفه السَّفِيه رُبمَا بلغك فَإِن
[ ٣٣٨ ]
رفعت قدري عَنهُ وَإِن كَانَ نظيري تفضلت عَلَيْهِ فَأخذ مَحْمُود الْوراق هَذَا الْكَلَام ونظمه شعرًا
(سألزم نَفسِي الصفح عَن كل مذنب وَإِن عظمت مِنْهُ عَليّ الجرائم)
(وَمَا النَّاس إِلَّا وَاحِد من ثَلَاثَة شرِيف ومشروف وَمثل مقاوم)
(فَأَما الَّذِي فَوقِي فاعرف قدره وأتبع فِيهِ الْحق وَالْحق لَازم)
(واما الَّذِي دوني فَإِن قَالَ صنت عَن إجَابَته عرضي وَإِن لَام لائم)
(وَأما الَّذِي مثلي فَإِن زل اَوْ هفا تفضلت إِن الْحلم بِالْفَضْلِ حَاكم)
[ ٣٤٠ ]
وأنشدني بعض أهل الْعلم
(رجحنا وَقد خفت حلوم كَثِيرَة وعدنا على أهل السفاهة بِالْفَضْلِ)
(وَجَهل رددناه بِفضل حلومنا وَلَو اننا شِئْنَا رددناه بِالْجَهْلِ)
وَقَالَ عُبَيْدَة بن غاضرة الْعَنْبَري
(إِنَّا وَإِن كُنَّا أسنة قَومنَا وَكَانَ لنا فيهم مقَام مقدم)
(لنصفح عَن أَشْيَاء مِنْهُم تسؤنا ونصدف عَن ذِي الْجَهْل مِنْهُم ونحلم)
(
(ونمنح مِنْهُم معشرا يحسدوننا هنيء عَطاء لَيْسَ فِيهِ تندم)
(وتكلؤهم بِالْغَيْبِ منا حفيظة وأكبادنا وجدا عَلَيْهِم تضرم)
(وَلَا نسأم النعماء منا عَلَيْهِم وَإِن كثرت حَتَّى يملو ويسأموا)
(وَلَيْسَ بمحمود لَدَى النَّاس من جزي بسيىء مَا يَأْتِي المسبيء الملوم)
[ ٣٤١ ]
(سأحمل عَن قومِي جَمِيع كلومهم وأدفع عَنْهُم كل غرم وأغرم)
وَاعْلَم أَن كَمَال الْعقل وَشرف النَّفس وعلو الهمة يبْعَث على الْحلم عِنْد هيجان الْغَضَب لأسباب خَمْسَة
أَحدهَا الترفع عَن السفية والاستهانة بِهِ وإطراح جَانِبه
الثَّانِي أَن يكون السَّفِيه مِمَّن لَهُ خدمَة سالفة وَحُرْمَة لَازِمَة فيراعي مِنْهُ ذَلِك فيحلم عَنهُ لأَجله
الثَّالِث الرَّحْمَة لَهُ والرافة بِهِ لضَعْفه عَن الْقُدْرَة عَلَيْهِ
الرَّابِع أَن يتألفه بالحلم ويتفضل عَلَيْهِ بِهِ
[ ٣٤٢ ]
الْخَامِس الإستحياء من الله تَعَالَى وَمن الْحَاضِرين ان يُجيب السَّفِيه بِسَفَه مثله
وَيَنْبَغِي للْملك ان يعرض على نَفسه هَذِه الْأَسْبَاب عِنْد هيجان الْغَضَب ليجلب إِلَيْهِ الْحلم وَاحِدًا مِنْهَا
وَاعْلَم أَن الْحلم لَيْسَ بمحمود فِي كل المواطن لِأَنَّهُ قد يطْرَأ على الْملك من الْأُمُور مايكون الْحلم مَعهَا مفْسدَة والتراخي عَنْهَا مضرَّة لِأَن الرّعية على قسمَيْنِ قسم لَا يخْشَى فسادهم وَلَا يضرّهُ مَا صدر عَنْهُم فإطراح الْملك لَهُم والترفع عَن مجازاتهم أليق والاستهانة بهم أصون وَقسم لَا يُمكن للْملك إهمال أَمرهم وإطراح جانبهم إِمَّا لخوف شرهم أَو للُزُوم أَمرهم فردعهم بالأفعال الزاجرة أولى للْملك من الْحلم عَنْهُم حَتَّى لَا يزدادون بالحلم شرا وتمردا
[ ٣٤٣ ]
وَقد سَأَلَ يزِيد بن مُعَاوِيَة أَبَاهُ فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ هَل ذممت عَاقِبَة حلم قطّ أَو حمدت عَاقِبَة إقدام قطّ فَقَالَ مَا حلمت من لئيم قطّ وَإِن كَانَ وليا إِلَّا أعقبني ندما وَلَا أقدمت على عُقُوبَة كريم قطّ وَإِن كَانَ عدوا إِلَّا وأعقبني أسفا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن الْحلم يفْسد من اللَّئِيم بِقدر إِصْلَاحه من الْكَرِيم
وَقَالَ بعض أهل الْعلم لَيْسَ الْحلم بمحمود فِي كل المواطن كَمَا أَن الْجَهْل لَيْسَ بمذموم فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأنْشد
(لَئِن كَانَ حلم الْمَرْء عون عَدو عَلَيْهِ فَإِن الْجَهْل أعنى وأروح)
(وَفِي الْحلم ضعف والعقوبة قُوَّة إِذا كنت تخشى كيد من عَنهُ تصفح)
[ ٣٤٤ ]
وَقَالَ لَهُم بن الْمهْدي
(إِذا كنت بَين الْحلم وَالْجهل ماثلا وخيرت أَنِّي شِئْت فالحلم افضل)
(وَلَكِن إِذا أنصفت من لَيْسَ منصفا وَلم يرض مِنْك الْحلم فالجهل أمثل)
وَيَنْبَغِي للْملك ان يتلطف فِي تَدْبِير من هَذِه صفته على وَجه يحصل بِهِ الردع والزجر من غير مُبَالغَة فِي النكاية على مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة فِي تَدْبِير السياسة
[ ٣٤٥ ]
العفاف