إعلم أَن المزاح شاغل عَن الْأُمُور المهمة مذهل عَن النوائب الملمة يذهب الهيبة وَالْوَقار وَلَيْسَ لمن وسم بِهِ مِقْدَار يزيح عَن الْحُقُوق ويفضي إِلَى العقوق ويوغر صُدُور الْأَصْحَاب ويجانب محَاسِن الْآدَاب وَيذْهب الْبَهَاء ويجرئ السُّفَهَاء أَوله حلاوة وَآخره عَدَاوَة وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ اتَّقوا المزاح فَإِنَّهُ حمقة تورث الضغينة
وَقَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي
[ ٤٤٤ ]
يذهب بالبهاء والمهابة فَاحْذَرُوهُ
وَأوصى مُسلم بن قُتَيْبَة أَوْلَاده فَقَالَ لَا تمازحوا فيستخف بكم نظراؤكم ويجترئ عَلَيْكُم أكفاوكم وَهُوَ مسْلبَةٌ للهيبة مقطعَة للصحبة أَوله فَرح وَآخره ترح
وَقيل إِذا مازح السُّلْطَان هان عِنْد رَعيته وَإِذا سفه ذهبت حرمته
وَقيل فِي منثور الْحِكْمَة من قل عقله كثر هزله
[ ٤٤٥ ]
وَقيل المزاح معضل الدَّاء عَزِيز الدَّوَاء
وَقيل خير المزاح لَا ينَال وشره لَا يُقَال
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ من كثر من شَيْء عرف بِهِ وَمن مزح استخف بِهِ وَمن كثر ضحكه ذهبت هيبته وَمن عرض نَفسه إِلَى التُّهْمَة فَلَا يَلُومن من أَسَاءَ بِهِ الظَّن
وَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ لِابْنِهِ يَا بني لَا تمازح الشريف فيحقد عَلَيْك وَلَا الدنيء فيجترىء عَلَيْك
وَكَانَ يُقَال لكل شَيْء بذر وبذر الْعَدَاوَة المزاح أَنْشدني بَعضهم
[ ٤٤٦ ]
(اترك مزاح الرِّجَال إِن مزحوا وَلم أر قوما تمازحوا سلمُوا)
(يفنى مزاح الْفَتى مرؤته وَرب قَول يسيل مِنْهُ دم)
وَقَالَ آخر
(فإياك إياك المزاح فَإِنَّهُ يجْرِي عَلَيْك الطِّفْل والدنس النذلا)
(وَيفْسد مَاء الْوَجْه بعد حيائه ويعقبه من بعد عزته ذلا)
وَقَالَ آخر
(وَلَقَد حبوتك يَا بني وصيتي فاسمع مقَال أَب عَلَيْك شفيق)
(أما المزاحة والمراء فدعهما خلقان لَا أرضاهما لصديق)
[ ٤٤٧ ]
(إِنِّي بلوتهما فَلم أحمدهما لمجاور جَار وَلَا لرفيق)
(وَالْجهل قد يضع الْفَتى فِي قومه وعروقه فِي النَّاس أَي عروق)
(مَتى رَآهُ مجانبا ذَا بغضة فِي الْحَيّ غير مجنب وموق)
وَاعْلَم أَن النُّفُوس مَتى سلك بهَا الْجد والتزمت بِهِ سئمت مِنْهُ وضجرت واستثقلت حمل الْحق وَرُبمَا أفْضى بهَا ذَلِك إِلَى ضيق العطن وَسُوء الْخلق فَيَنْبَغِي أَن يريحها بِقَلِيل المزاح ويسير الرِّعَايَة وَليكن كَمَا قَالَ أَبُو الْفَتْح البستي
(أفد طبعك المكدود بالجد رَاحَة ترحه وَعلله بِشَيْء من المزح)
(وَلَكِن إِذا أَعْطيته المزح فَلْيَكُن بِمِقْدَار مَا تُعْطِي الطَّعَام من الْملح)
[ ٤٤٨ ]
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأمزح وَلَا أَقُول إِلَّا حَقًا
وَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ لِابْنِهِ يَا بني اقتصد فِي مزاحك فَإِن الإفراط فِيهِ يذهب الْبَهَاء ويجريء عَلَيْك السُّفَهَاء والاقتصاد مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ يبغضك إِلَى أَصْحَابك ومؤنسيك فامزح مَعَهم وَليكن بِمِقْدَار مَا يحصل لَهُم بِهِ الْأنس مِنْك من غير إفراط وليحذر مَعَ هَذِه الشريطة أَن يمازح عدوه فَيصير ذَلِك طَرِيقا لَهُ إِلَى إعلان المساوىء فقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا مازحت عَدوك ظَهرت عيوبك
[ ٤٤٩ ]