إعلم أَن الرأفة حلية كَرِيمَة تقتضيها حَال الْمُلُوك لِأَنَّهَا تبعثهم على حراسة الْأمة وَكَمَال الشَّفَقَة على الرّعية والتحنن على ضعفائهم واصطناع الْمَعْرُوف إِلَيْهِم وكف الأذية عَنْهُم وَقد قَالَ رَسُول الله ص = اطْلُبُوا الْمَعْرُوف عِنْد الرُّحَمَاء من امتي وعيشوا فِي أَكْنَافهم
[ ٣٠٠ ]
وَقَالَ ص = إِن الله رَحِيم وَلَا يرحم من عباده إِلَّا الرُّحَمَاء إرحموا من فِي الارض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وروى مَالك أَن عمر بن الْخطاب ﵁ دَعَا رجلا يَسْتَعْمِلهُ على بعض
[ ٣٠١ ]
مَدَائِن الشَّام فجَاء ولد صَغِير لعمر ﵁ فَأَخذه عمر إِلَى صَدره ثمَّ قبله فَقَالَ ذَلِك الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتقبله قَالَ نعم فَقَالَ وَالله إِن لي أَوْلَادًا مَا قبلت وَاحِدًا مِنْهُم قطّ فَقَالَ لَهُ عمر أَنْت لَا ترحم أولادك وَلَا تتحنن عَلَيْهِم فَأَنت للنَّاس أقل رَحْمَة وتحننا ثمَّ صرفه وَلم يَسْتَعْمِلهُ ثمَّ قَالَ لَا يصلح وَال لَا رَحْمَة عِنْده لرعيته
وروى مَالك أَن عمر بن الْخطاب ﵁ مر بطرِيق مَكَّة فأبصر رَاعيا يرْعَى غنمه فِي مَكَان جَدب فناداه وَقَالَ انْظُر مَكَانا خصبا
[ ٣٠٢ ]
فَالْحق بِهِ ثمَّ قَالَ على إِثْر ذَلِك كل رَاع مسؤول عَن رَعيته وروى أسلم مولى عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ طَاف عمر لَيْلَة فِي الْمَدِينَة وَأَنا مَعَه فَإِذا هُوَ بِامْرَأَة فِي جَوف دارها وحولها صبية يَبْكُونَ وَهِي توقد تَحت قدر لَهَا فَأَتَاهَا من الْبَاب وَقَالَ يَا أمة الله مِم بكاء هَؤُلَاءِ الصّبيان فَقَالَت من الْجُوع قَالَ فَمَا فِي هَذَا الْقدر قَالَت إِنِّي جعلت فِيهِ مَاء أوهمهم أَن فِيهَا طَعَاما وأعللهم حَتَّى يَنَامُوا
[ ٣٠٣ ]
قَالَ فَجَلَسَ عمر ﵁ وَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ قَامَ وَجَاء إِلَى بَيت الصَّدَقَة فَأخذ غرارة وَجعل فِيهَا دَقِيقًا وشحما وَسمنًا وَتَمْرًا وثيابا ودراهم حَتَّى مَلأ الغرارة ثمَّ قَالَ يَا أسلم إحمل على ظَهْري قَالَ فَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا أحملهُ عَنْك فَقَالَ لَا أم لَك يَا أسلم احْمِلْ عَليّ فَأَنا المطالب عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فَحمل الغرارة على صلبه حَتَّى أَتَى بهَا منزل الْمَرْأَة فَأخذ الْقدر وَجعل فِيهَا شَيْئا من دَقِيق وشحم وتمر وَجعل يحركه وينفخ تَحت الْقدر قَالَ أسلم وَكَانَت لَهُ لحية عَظِيمَة فَلَقَد رَأَيْت الدُّخان يخرج من خلالها حَتَّى طبخ لَهُم ثمَّ جعل يغْرف لَهُم بِيَدِهِ ويطعمهم حَتَّى شَبِعُوا قَالَ ثمَّ خرج وربض بحذائهم على الْبَاب كَأَنَّهُ سبع فَخفت مِنْهُ أَن ُأكَلِّمهُ فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى لعب الصّبيان وَضَحِكُوا ثمَّ قَامَ وَقَالَ يَا أسلم هَل تَدْرِي لم ربضت بحذائهم قلت لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ كنت رَأَيْتهمْ يَبْكُونَ فَكرِهت أَن أذهب حَتَّى أَرَاهُم يَضْحَكُونَ فَلَمَّا ضحكوا طابت نَفسِي
وَحكى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لما ولى الْخلَافَة
[ ٣٠٤ ]
أحضر عِنْده مُحَمَّد بن كَعْب القرضي وَقَالَ لَهُ دلَّنِي عَن النجَاة فِي سياسة الرّعية فَقَالَ لَهُ إِن أردْت النجَاة من عَذَاب الله فَلْيَكُن كَبِير الْمُسلمين لَك أَبَا وأوسطهم عنْدك أَخا وأصغرهم ولدا فوقر أَبَاك وَارْحَمْ أَخَاك وتحنن على ولدك
وَقَالَ نصر بن سيار الْكِنَانِي كَانَ عُظَمَاء التّرْك يَقُولُونَ يَنْبَغِي للْملك
[ ٣٠٥ ]
الْعَظِيم أَن يكون فِيهِ عشر خِصَال أَربع من خِصَال الطير وست من خِصَال الْوَحْش وَهِي سماحة الديك وتحنن الدَّجَاجَة وحراسة الكركي وحذر الْغُرَاب وَحَملَة الْخِنْزِير وقلب الْأسد وغارة الذِّئْب وروغان الثَّعْلَب وصبر الْكَلْب وشقاء الضَّب
[ ٣٠٦ ]
وَقد نظم هَذَا بعض الشُّعَرَاء فَقَالَ
(أَبى الطير لَا يتركن آثَار خَيْلنَا لأكل لُحُوم من أعَاد سواغب)
(وَمَا ذَاك من حب لنا غير عَادَة لَهُنَّ علينا فِي الْبَقَاء الْكَتَائِب)
(أرى الْملك الْمِقْدَام من تمّ أمره بِعشر خِصَال هن خير المناقب)
(سماحة ديك ثمَّ رأف دجَاجَة وحراسة كركي وحذرة ناعب)
(وَحَملَة خِنْزِير وقلب غضنفر وغارة ذِئْب ثمَّ روغ الثعالب)
(وصبر بَصِير حِين يقرع بالعصا وشقوة ضَب فِي بِلَاد سباسب)
(فَمن كَانَ هَذَا وَصفه فَهُوَ كَامِل عَظِيم وَإِلَّا فَهُوَ أخيب خائب)
وَقَالَ بعض الْعلمَاء خير الْمُلُوك من أشْرب قُلُوب رَعيته محبته كَمَا أشعرها هيبته وَلنْ ينَال ذَلِك مِنْهَا حَتَّى يكون عَاملا بِخمْس خِصَال إكرام شريفها وَرَحْمَة ضعيفها وإغاثة لهيفها وكف عدوان
[ ٣٠٧ ]
عاديها وتأمين السبل لرائحها وغاديها وَمَتى أعدم الرّعية شَيْئا من ذَلِك فقد أحقدها بِقدر مَا أفقدها
[ ٣٠٨ ]