إعلم أَن الْغَضَب وصف طبعي رَكبه الله فِي الْحَيَوَان ليَكُون لَهُ بِهِ الانتقام من المؤذي لَهُ وَسَببه هجوم مَا تكرههُ النَّفس مِمَّن هُوَ دونهَا والحادث عَن الْغَضَب السطوة والإنتقام
فَإِذا أفرط وَجَاوَزَ حَده سلب الْعقل وحجب عَن صَوَاب الرَّأْي فَيصير
[ ٤٠١ ]
صَاحبه مَقْطُوع الْحجَّة قَلِيل الْحِيلَة وَرُبمَا عَاد ضَرَر الْغَضَب على الغضبان دون المغضوب عَلَيْهِ
وَقد يظْهر ذَلِك فِي نَفسه وَجَسَده والعاقل فِي حَال شدَّة غَضَبه لَيْسَ بَينه وَبَين الْمَجْنُون فرق ولهذه الْأَوْصَاف صَار قبيحا مذموما
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل
[ ٤٠٢ ]
قَالَ ﵊ لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد من ملك نَفسه عِنْد الْغَضَب
وَقَالَ ﵊ من كظم غيظا وَهُوَ قَادر على إِنْفَاذه مَلأ الله قلبه أمنا وإيمانا
[ ٤٠٣ ]
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْغَضَب أَوله جُنُون وَآخره نَدم
وَقَالَ آخر الْغَصْب على من لَا تملك عجز وعَلى من تملك لؤم
وَكَانَ يُقَال مَا كثر من كثره الْبَغي إياك وَعزة الْغَضَب فَإِنَّهَا تُفْضِي بك إِلَى ذل الْعذر
وَكَانَ يُقَال لَيْسَ للْملك أَن يغْضب مَا كثر من كثره الْبَغي وَلَا قوي من قواه الظُّلم وَلَا ملك من ملكه الْغَضَب
[ ٤٠٤ ]
وَكَانَ يُقَال لَيْسَ للْملك أَن يغْضب لِأَن الْقُدْرَة من وَرَاء حَاجته وَلَيْسَ لَهُ أَن يكذب لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد على استكراهه على غير مَا يُرِيد وَلَيْسَ لَهُ أَن يكون حقودا لِأَن خطره عَظِيم عَن المجازاة
وَاعْلَم أَن الَّذين كَانَ مِنْهُم الْفِعْل الْقَبِيح لشدَّة الإنتقام فِي وَقت غيظهم إِنَّمَا كَانَ ذَلِك مِنْهُم لفقد عُقُولهمْ فِي ذَلِك الْوَقْت فَيَنْبَغِي لمن ثار بِهِ عِنْد هجوم مَا يغْضب أَن يكف صورته بحزمه ويطفىء ناره بحلمه ليسلم من النَّدَم فِي العواقب وَالَّذِي يسكن الْغَضَب عِنْد هيجانه خَمْسَة أَسبَاب
أَحدهمَا أَن يذكر الله تَعَالَى عِنْد غَضَبه فَإِن ذَلِك يَدعُوهُ إِلَى الْخَوْف مِنْهُ وَالْخَوْف يَبْعَثهُ على الطَّاعَة أَو بِالْعَفو فيزول عَنهُ الْغَضَب فقد ذكر
[ ٤٠٥ ]
أَنه مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة يَا بن آدم أذكرني حِين تغْضب أذكرك حِين أغضب
وَقيل إِن ملكا من مُلُوك الْفرس كتب كتابا وناوله لوزيره وَقَالَ لَهُ إِذا رَأَيْتنِي قد غضِبت فَاتْرُكْهُ بَين يَدي وَكَانَ فِيهِ مَكْتُوب مَا لَك وَالْغَضَب إِنَّمَا أَنْت شَرّ إرحم من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء
[ ٤٠٦ ]
قَالَ فَكَانَ إِذا غضب ذَلِك الْملك نَاوَلَهُ الْوَزير الْكتاب فيسكن غَضَبه
وَقيل إِن ملكا من مُلُوك الرّوم أَخذ جمجمة ملك كَانَ قبله فوضعها فِي طشت وناولها بعض حجابه وَقَالَ لَهُ إِذا رَأَيْتنِي قد غضِبت على إِنْسَان فضعها بَين يَدي قَالَ فَكَانَ إِذا غضب وَضعهَا الْحَاجِب بَين يَدَيْهِ فيسكن غَضَبه
السَّبَب الثَّانِي أَن يتَذَكَّر عِنْد الْغَضَب ثَوَاب الْعَفو وَحسن جَزَاء الصفح فيقهر نَفسه على ردع الْغَضَب رَغْبَة فِي الثَّوَاب وَمَا وعد الله بِهِ العافين عَن النَّاس فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة من لَهُ أجر على الله تَعَالَى فَليقمْ فَيقوم الْعَافُونَ عَن النَّاس
[ ٤١١ ]
ثمَّ تلى فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله
الثَّالِث أَن يتَذَكَّر إنعطاف الْقُلُوب عَلَيْهِ وميل النُّفُوس إِلَيْهِ عِنْد الْعَفو وكظم الغيظ فيمنعه التألف وَجَمِيل الثَّنَاء من إِنْفَاذ الْغَضَب
الرَّابِع أَن ينْتَقل من الْحَالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا إِلَى حَالَة أُخْرَى فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك زَالَ عَنهُ الْغَضَب وَقد كَانَ شعار الْمَأْمُون إِذا غضب
الْخَامِس أَن يتَذَكَّر مَا يؤول إِلَيْهِ الْغَضَب من النَّدَم ومذمة الانتقام لَا سِيمَا إِنْفَاذه فِيمَن لَا يَسْتَطِيع الدّفع عَن نَفسه
فَهَذِهِ الْأَسْبَاب الْخَمْسَة إِذا تدبرها الْملك وتذكرها فِي أَوْقَات الرِّضَا كَانَ أَحْرَى أَن يتذكرها فِي أَوْقَات الْغَضَب فتصده عَن إِنْفَاذ الْفِعْل والإفراط فِي النكال والانتقام
[ ٤١٢ ]