إعلم أَن الْعقل وصف شرِيف وَخلق عَظِيم لايبطل حَقًا ولايحق بَاطِلا وَهُوَ عبارَة عَمَّا يُسْتَفَاد من التجارب بمجاري الْأَحْوَال وَقيل هُوَ الْعلم بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَمن نتائجه
[ ٢٥٦ ]
الفكرة السليمة وَالنَّظَر الثاقب فِي حقائق الْأُمُور ومصالح التَّدْبِير وَسُئِلَ بعض الْحُكَمَاء عَن الْعقل فَقَالَ الْإِصَابَة بِالنّظرِ وَمَعْرِفَة مَا لم يكن بِمَا كَانَ وَقَالَ ابْن المعتز الْعقل غريزة تربَتهَا النوائب
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء خير مواهب الْملك الْعقل وَشر مصائبه الْجَهْل وَكَانَ يُقَال الْجَاهِل يعْتَمد على أمله والعاقل يعْتَمد على عمله
[ ٢٥٧ ]
وَقيل نظر الْعَاقِل بِقَلْبِه وخاطره وَنظر الْجَاهِل بِعَيْنِه وناظره وَقَالَ ابْن المعتز بأيدي الْعُقُول تمسك أَعِنَّة النُّفُوس عَن اتِّبَاع الْهوى وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعَاقِل من نَفسه فِي تَعب وَالنَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة والأحمق من نَفسه فِي رَاحَة وَالنَّاس مِنْهُ فِي تَعب
أَنْشدني بعض أهل الْعَام
[ ٢٥٨ ]
(وَأفضل قسم الله للمرء عقله وَلَيْسَ من الْأَشْيَاء شَيْء يقادبه)
(إِذا أكمل الرَّحْمَن للمرء عقله فقد كملت أخلاقه ومناقبه)
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعلم قَائِد وَالْعقل سائق وَالنَّفس حرون فَإِذا كَانَ قَائِد بِلَا سائق أحجمت النَّفس وَإِذا كَانَ سائق بِلَا قَائِد عدلت يَمِينا وَشمَالًا فَإِذا اجْتمع الْقَائِد والسائق سَارَتْ طَوْعًا أَو كرها
وَقَالَ بَعضهم شعرًا
(تَأمل بِعَيْنَيْك هَذَا الْأَنَام وَكن مثل من صانه عقله)
(فحلية كل فَتى فَضله وَقِيمَة كل امرىء نبله)
(وَلَا تتكل فِي طلاب الْعلَا على نسب ثَابت أَصله)
(فَهَل من فَتى زانه قَوْله بِشَيْء يُخَالِفهُ فعله)
[ ٢٥٩ ]
وَقَالَ بَعضهم يعرف الْعَاقِل بِحسن سمته وَطول صمته وَصِحَّة تصرفه
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَيْسَ للمرء أَن يتبجج بِحَالَة جليلة نالها بِغَيْر عقل أَو منزلَة رفيعة حلهَا بِغَيْر فضل فالجهل ينزله مِنْهَا ويزيله عَنْهَا ويحطه إِلَى رتبته وَيَردهُ إِلَى قِيمَته بعد أَن تظهر عيوبه وتكثر ذنُوبه وَيصير مادحه هاجيا ووليه معاديا
وَكَانَ يُقَال النَّاس ثَلَاثَة عَاقل واحمق وَفَاجِر فَأَما الْعَاقِل فَإِن الدّين شَرِيعَته والحلم طَبِيعَته والرأي الْحسن سجيته إِن كلم أجَاب وَإِن نطق أصَاب وَإِن سمع الْعلم وعى وَإِن حدث الْفِقْه روى
[ ٢٦٠ ]
وَأما الأحمق فَإِن تكلم عجل وَإِن حدث وَهل وَإِن استنزل عَن رَأْيه نزل
وَأما الْفَاجِر فَإِن أمنته خانك وَإِن حدثته شانك وَإِن استكتم أمرا لم يكتم وَإِن علم علما لم يعلم
وَكَانَ يُقَال لَا عَطِيَّة أعظم من عقل وَلَا دَاء أدوى من جهل
وَقَالَ الْمُبَارك الطَّبَرِيّ لَيْسَ الْعَاقِل
[ ٢٦١ ]
الَّذِي يحتال لِلْأَمْرِ الَّذِي غشيه حَتَّى لَا يَقع فِيهِ بل الْعَاقِل الَّذِي يتحذر الشدائد قبل الْوُقُوع فِيهَا حَتَّى لَا يَقع
وَقَالَ فَيْرُوز حُصَيْن إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يزِيل عَن عبد نعْمَة كَانَ أول مَا يُغير مِنْهُ عقله
أَنْشدني بَعضهم
(يعد رفيع الْقَوْم من كَانَ عَاقِلا وَإِن لم يكن فِي قومه بحسيب)
(إِذا حل أَرضًا عَاشَ فِيهَا بعقله وَمَا عَاقل فِي بَلْدَة بغريب)
[ ٢٦٢ ]