إعلم أَن الأناة من أَحْمد أَوْصَاف الْملك وأكمل أخلاقه وعلامة توفيقه لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بهَا صَوَاب الرَّأْي فِي التَّدْبِير واتضاح الْأُمُور فِي السياسة وَلَا يقْتَرن بهَا زلل وَلَا يعقبها ندامة وَلَا فشل فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ التوءدة من الرَّحْمَن والعجلة من الشَّيْطَان
[ ٣٣٣ ]
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء على الْملك أَن يعْمل بخصال ثَلَاث تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب وتعجيل مُكَافَأَة المحسن وَالْعَمَل بالأناة فِيمَا يحدث من الْأُمُور فَإِن لَهُ فِي تَأْخِير الْعقُوبَة إِمْكَان الْعَفو وَفِي تَعْجِيل الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ المسارعة إِلَى الطَّاعَة من الرّعية وَفِي الأناة اتضاح الرَّأْي وانفساح الصَّوَاب
وَسَأَلَ ملك من الْمُلُوك حكيما فَقَالَ أَي خلائق الْملك أَحْمد العواقب قَالَ الأناة قَالَ فأيها أجلب لمودة الرّعية قَالَ الْكَرم قَالَ فَأَي الْمُلُوك أخرق
[ ٣٣٤ ]
قَالَ أنهكهم عُقُوبَة للرعية قَالَ فَأَي الْخلال أجمع للمكارم والمناقب قَالَ الْعدْل قَالَ أوصني وَصِيَّة أنتفع بهَا فِي ملكي قَالَ قد فعلت
ويحكى أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ سَأَلَ كَبِيرا من كبراء فَارس فَقَالَ أَي ملوككم كَانَ أَحْمد عنْدكُمْ سيرة قَالَ إِن أردشير لَهُ فَضِيلَة السَّبق فِي المملكة غير أَن أحمدهم سيرة أنوشروان قَالَ فَأَي خلاله كَانَ أغلب عَلَيْهِ قَالَ الْحلم والأناة
وَقَالَ عَليّ ﵁ إِن الأناة والحلم توأمان ينتجهما علو الهمة وَالله ﷾ أعلم
[ ٣٣٥ ]