= الشُّكْر =
إعلم أَن الشُّكْر يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام عقد بالجنان وثناء بِاللِّسَانِ
[ ٣٢٧ ]
ومكافاة بالأفعال الحسان
أما العقد بالجنان فَهُوَ ان يضمر إعظام الْمُنعم واجلاله والخشية لَهُ والإقبال عَلَيْهِ وَالْعجز عَن الْقيام بحقيقه شكره واستكثار النِّعْمَة مِنْهُ وَإِن قلت واستقلالها فِي غَيره وَإِن جلت
وَأما الثَّنَاء بِاللِّسَانِ فَهُوَ إِظْهَار الْحَمد للمنعم وَالثنَاء عَلَيْهِ والتحدث بِمَا خوله من تَوَاتر النعم وبلوغ الْمَقَاصِد وَحُصُول الْأَغْرَاض وَغير ذَلِك مِمَّا خصّه بِهِ الْمُنعم دون كثير من النَّاس
واما الْمُكَافَأَة بالأفعال فَهِيَ الإقبال على طَاعَته وَالْوُقُوف عِنْد حُدُوده ومنهياته وان يواسي الضُّعَفَاء من نعْمَته ويعمهم بعدله ويخصهم ببذله سِيمَا لمن نَاصح فِي دولته وأخلص فِي خدمته وَصدق فِي ولائه من أعوانه وخاصته أَو لمن أظهر نكاية فِي عداته أَو لمن
[ ٣٢٨ ]
سارع فِي مرضاته وَغير ذَلِك مِمَّا يجلب بِهِ المسرة اَوْ يدْفع عَنهُ بِهِ الْمضرَّة فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك من نِيَّة وَقَول وَعمل سمي شاكرا على الْحَقِيقَة وَكَانَ لمزيد النِّعْمَة مُسْتَحقّا ولتتابع الْإِحْسَان مستوجبا لقَوْله ﷿ ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا يكون الْملك شاكرا للنعمة حَتَّى يجْتَمع فِيهِ أَرْبَعَة أَشْيَاء الْمُوَاسَاة فِيهَا والاستعانة بهَا على طَاعَة مَوْلَاهَا والإشادة بذكرها وتيقن الْعَجز عَن الْقيام بِحَقِيقَة شكرها
[ ٣٢٩ ]
وَكَانَ يُقَال لَا زَوَال للنعمة مَعَ الشُّكْر وَلَا بَقَاء لَهَا مَعَ الْكفْر
وَقيل الشُّكْر قيد النِّعْمَة
وَقيل الشُّكْر مثمر النعم وعصمة من النقم
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من لم يشْكر على الإنعام فاعدده من الْأَنْعَام
وَقَالَ بعض مُلُوك الْهِنْد خير الْمُلُوك الشكُور على حسن الْأَعْمَال والصبور على تحمل الأثقال
[ ٣٣٠ ]
وَكَانَ يُقَال من كفر النِّعْمَة اسْتوْجبَ حرمَان الْمَزِيد
وَقَالَ عَليّ بن طَالب ﵁
(من جاور النِّعْمَة بالشكر لم يخْش على النِّعْمَة مَا اغتالها)
(لَو شكروا النِّعْمَة زادتهم مقَالَة الله الَّتِي قَالَهَا)
(لَئِن شكرتم لأزيدنكم لكنما كفرهم غالها)
(وَالْكفْر بِالنعْمَةِ يَدْعُو إِلَى زَوَالهَا وَالشُّكْر ابقى لَهَا)
وَقَالَ بعض البلغاء الشُّكْر وَإِن قل ثمن كل نوال وَإِن جلّ وَأنْشد
[ ٣٣١ ]
(لَو كنت أعرف فَوق الشُّكْر منزلَة أَعلَى من الشُّكْر عِنْد الله فِي الثّمن)
(إِذا منحتكما مني مهذبة حذوا على حَذْو مَا واليت من حسن)
وَقَالَ آخر
(فَلَو كَانَ يَسْتَغْنِي عَن الشُّكْر ماجد لرفعة حَال أَو علو مَكَان)
(لما أَمر الرَّحْمَن بالشكر خلقه فَقَالَ اشكروني أَيهَا الثَّقَلَان)
[ ٣٣٢ ]