إعلم أَن الرِّفْق من أفضل أَوْصَاف الْملك وَأحمد خلائقه فِي التَّدْبِير لِأَنَّهُ يبلغ بِهِ جباية الْأَمْوَال من الرّعية مَا لَا يبلغ بالخرق
[ ٢٨١ ]
فَإِن الرّعية قد تعامل بالرفق فتزول أحقادها ويذل مقادها وَقد تعامل بالخرق فتكاشف بِمَا أضمرت وَتقدم على مَا نهيت ثمَّ إِن غلبت كَانَ غلبها دمارا وَإِن غلبت لم يحصل بغلبها افتخار وَقد قَالَ رَسُول الله ص = لَو أَن الرِّفْق رجلا لَكَانَ حسنا وَلَو كَانَ الْخرق رجلا لَكَانَ قبيحا
وَقد يبلغ الْملك برفقة وَلينه فِي التَّدْبِير مَا لَا يبلغهُ بخرقه أَلا ترى أَن الرّيح العاصف بقوتها وهول صَوتهَا كَيفَ يتداخل الشّجر وَلَا يقْلع الْمُسْتَخْلف مِنْهُ وَالْمَاء بلينه وسلاسته يبلغ فِي أصل الشّجر فيقلع الْمُسْتَخْلف من أُصُوله
[ ٢٨٢ ]
والعلقة تنَال من الدَّم بِغَيْر أَذَى وَلَا سَماع صَوت مَا لَا تنَال الْبَعُوضَة بهول صَوتهَا واليم لسعتها وبالرفق ولين التَّدْبِير يَنْقَلِب الْعَدو صديقا كالسم الْقَاتِل إِذا رفق بِهِ الْمُقدر لَهُ وَأحسن فِي تَقْدِيره ولطف فِي تَدْبيره صَار دَوَاء وانقلب شِفَاء
قَالَ الله ﷾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾
[ ٢٨٣ ]
وبالخرق يَنْقَلِب الصّديق عدوا كالطعام الَّذِي هُوَ غذَاء الْإِنْسَان وقوام جسده إِذا أَسَاءَ الْمُقدر لَهُ فِي تَقْدِيره وأفرط فِي تنَاوله صَار دَاء وانقلب أَذَى
وَحكى أَن كسْرَى أنوشروان سَأَلَ حكيما منى حكمائهم فَقَالَ مَا عز الْملك قَالَ الطَّاعَة قَالَ فَمَا سَبَب الطَّاعَة قَالَ التودد إِلَى الْخَاصَّة وَالْعدْل على الْعَامَّة قَالَ فَمَا صَلَاح الْملك قَالَ الرِّفْق بالرعية وَأخذ الْحق مِنْهُم فِي غير مشقة وأداؤه إِلَيْهِم عِنْد أَوَانه وَحكى شُجَاع للأحمر قَالَ
[ ٢٨٤ ]
دخلت على المتَوَكل وَبَين يَدَيْهِ نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي وَهُوَ يحث المتَوَكل على الرِّفْق بالرعية ويرغبه فِيهِ والمتوكل سَاكِت فَلَمَّا فرغ من كَلَامه الْتفت إِلَيْهِ المتَوَكل وَقَالَ حَدثنِي مؤدبي الْفضل قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي وَرَفعه إِلَى عمر بن الْخطاب
[ ٢٨٥ ]
﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أفضل عباد الله تَعَالَى عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة إِمَام عَادل وَإِن شَرّ عباد الله عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر ثمَّ الْتفت إِلَى يحيى بن أَكْثَم فَقَالَ وَأَنت حَدَّثتنِي حَدِيثا ورفعته إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من يحرم الرِّفْق يحرم الْخَيْر ثمَّ سكت
[ ٢٨٦ ]
سَاعَة وَأنْشد
(الرِّفْق يمن والأناة سَعَادَة فاستأن فِي رفق تلاق نجاحا)
(لَا خير فِي حزم بِغَيْر روية وَالشَّكّ وَهن إِن أردْت سراحا)
وَقَالَ بَعضهم دخلت على المتَوَكل فَسَمعته يمدح الرِّفْق فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْشدني الْأَصْمَعِي
[ ٢٨٧ ]
(لم أر مثل الرِّفْق فِي لينه أخرج للعذراء من خدرها)
(من يستعن بالرفق فِي أمره يسْتَخْرج الْحَيَّة من جحرها)
قَالَ فَدَعَا بداوة وكتبها مني
(فَلَا تقطع أَخا لَك عِنْد ذَنْب فَإِن الذَّنب يغفره الْكَرِيم)
(وَلَا تعجل على أحد بظُلْم فَإِن الظُّلم مرتعه وخيم)
(وَلَا تخرق عَلَيْهِ وَكن رَفِيقًا فقد بالرفق يلتئم الكليم)
(فَإِن الرِّفْق فِيمَا قيل يمن وَإِن الْخرق فِيمَا قيل شُؤْم)
وَاعْلَم أَنه لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يسْتَعْمل الرِّفْق واللين فِي جَمِيع المواطن بل يَجْعَل الرّعية ثَلَاث طَبَقَات ويسوسهم بِثَلَاث سياسات طبقَة
[ ٢٨٨ ]
هم الْخَواص من الْأَبْرَار فيسوسهم بالرفق واللين وطبقة هم خَواص الأشرار فيسوسهم بالعنف والشدة وطبقة هم الْعَامَّة فيسوسهم باللين تَارَة وبالشدة تَارَة أُخْرَى
قَالَ مُسلم بن قُتَيْبَة ملاك السُّلْطَان الشدَّة على الْمُرِيب واللين على المحسن وَسَأَلَ ملك من مُلُوك الْفرس بزرجمهر فَقَالَ مَا أَحْمد سير الْمُلُوك فَقَالَ أَن يعاملوا أَحْرَار النَّاس بمحض الْمَوَدَّة ويعاملوا الْعَامَّة بالرغبة والرهبة ويعاملوا السفلة بالمخافة صراحا أَنْشدني بَعضهم
(إِذا كُنْتُم للنَّاس فِي الأَرْض قادة فسوسوا كرام النَّاس بالحلم وَالْعدْل)
(وسوسوا لئام النَّاس بالذل وَحده صَرِيحًا فَإِن الذل أصلح للنذل)
[ ٢٨٩ ]