اعْلَم أَن الْغدر بعد عقد الْعَهْد حرَام وعاقبته هَلَاك ودمار وَلَا نقض
[ ٤٥٢ ]
حَتَّى يَنْتَهِي أمده وتنفضي مدده
[ ٤٥٣ ]
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا استقاموا لكم فاستقيموا لَهُم﴾
[ ٤٥٤ ]
وروى عَن سُلَيْمَان بن عَامر قَالَ كَانَ بَين مُعَاوِيَة وَبَين الرّوم عهد فَسَار مُعَاوِيَة فِي أَرضهم كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يُغير عَلَيْهِم فَقَالَ عَمْرو بن عبسة سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول من كَانَ بَينه وَبَين
[ ٤٥٥ ]
قوم عهد فَلَا يحل عقده وَلَا يشدها حَتَّى يمْضِي أمدها أَو ينْبذ إِلَيْهِم على سَوَاء قَالَ فَانْصَرف مُعَاوِيَة ذَلِك الْعَام
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْغدر يسْرع إِلَى الهلك ويفضي إِلَى زَوَال الْملك
وَكَانَ يُقَال يَمِين الْغَضَب مهزول ووالي الْغدر مَعْزُول وجيش الْعدوان مفلول وعرنين الطغيان مشلول
وَكَانَ يُقَال لكل عاثر رَاحِم إِلَّا الغادر فَإِن الْقُلُوب مجمعة على الشماتة بمصرعه
وَقَالَ حَكِيم لبَعض مُلُوك زَمَانه أوصيك بِخمْس خِصَال ترضي بِهن رَبك وَتصْلح بِهن رعيتك لَا يغرنك ارتقاء السهل إِذا كَانَ المنحدر وعرا وَلَا تعدن وَعدا لَيْسَ فِي يدك وفاؤه وَاعْلَم أَن الْأُمُور بغتات فَكُن على حذر وَاعْلَم أَن للأمور جَزَاء ومكافأة فَاتق العواقب وَإِيَّاك والغدر فَإِنَّهُ أقرب الْأَشْيَاء صرعة
وأوصي أَبُو مُسلم الخرساني قوما بَعثهمْ إِلَى منازلة قوم عَدو
[ ٤٥٦ ]
لَهُم فَقَالَ أشعروا قُلُوبكُمْ الجرأة فَإِنَّهَا سَبَب الظفر وَأَكْثرُوا من ذكر الضغائن فَإِنَّهَا تبْعَث على الْإِقْدَام والزموا الطَّاعَة فَإِنَّهَا حصن الْمُحَارب واحذروا من الْغدر فَإِن الغادر مصروع
ويحكى أَن موبذان قَالَ لفيروز ملك الْعَجم لما عزم على نقض الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينه وَبَين اخشنوار ملك الهياطلة وَخرج إِلَى بِلَاده أَيهَا الْملك إِن الرب تَعَالَى يُمْهل الْمُلُوك على الْجور مالم يشرعوا فِي هدم أَرْكَان الدّين فَإِذا شرعوا فِي ذَلِك لم يمهلهم وَإِن عقد الْمِيثَاق من أَرْكَان الدّين فَلَا تنقضه قَالَ فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ فَيْرُوز وَخرج طَالبا اخشنوار فَهزمَ
[ ٤٥٧ ]
جَيْشه وَقَتله وَاسْتولى على بِلَاده
وَقد أوضحنا فِي هَذَا الْبَاب من الْأَوْصَاف الذميمة والأخلاق اللئيمة مَا احتمله كتَابنَا هَذَا وسنختمه بِذكر عوارض ردية رُبمَا عرضت للملوك أَو بَعْضهَا فأضرت بهم وأخرجتهم عَن حُدُود الِاعْتِدَال
وَهِي ثَلَاثَة اعراض الْعرض الأول وَالثَّانِي الْهم وَالْغَم
وَإِن هذَيْن العرضين إِذا طَرَأَ وَاشْتَدَّ إفراطهما فَإِنَّهُمَا يجلبان من الْأَلَم والأذى على النَّفس والجسم أمرا لَا يُمكن تلافيه ويؤديان إِلَى التَّقْصِير فِي المطالب والقصور فِي التَّدْبِير مَعَ مَا يظْهر فِي الْجِسْم من النحول وَفِي الْعقل من الذهول وَهَذَانِ العرضان لَا مندوحة لأحد عَنْهُمَا وَلَا بُد من طرؤهما فِي مُقَابلَة الْحَوَادِث الملمة والنوائب المهمة فالهم هُوَ مَا تتَوَقَّع النَّفس حُدُوثه وطروءه فِي الزَّمن الْمُسْتَقْبل من الْأُمُور المهمة
[ ٤٥٨ ]
وَالْغَم هُوَ الكمد للنَّفس وحزنها على فَوَات مَا ذهب فِي الزَّمن الْمَاضِي فَيَنْبَغِي للْملك أَن يرِيح نَفسه وَجَسَده عِنْد طروء أَحدهمَا وينال شَيْئا من اللَّذَّة وَالسُّرُور بالأشياء الْمُبَاحَة فِي الشَّرْع بِقدر مَا يبلغ بِهِ مصْلحَته ويحفظ بِهِ صِحَّته
وَيَنْبَغِي أَن يكون مِقْدَار إِصَابَته من ذَلِك مَا يحصل بِهِ الِاعْتِدَال من غير إفراط فِيهِ فَإِن الْإِكْثَار من اللَّهْو يحصل بِهِ من الضَّرَر فَوق مَا يحصل بِهِ من الْهم لِأَنَّهُ يلهيه عَن مصَالح المملكة فَكَانَ الِاعْتِدَال فِي ذَلِك أقسط
وَقد كَانَ الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ إِذا
[ ٤٥٩ ]
طَرَأَ عَلَيْهِ أحد هذَيْن العرضين نزل إِلَى الميدان وَشرع يلْعَب بالكرة والصولجان نَهَاره أجمع فَإِذا جن عَلَيْهِ اللَّيْل بسط رقْعَة الشطرنج وَجعل يلْعَب حَتَّى يغلب عَلَيْهِ النّوم
الْعرض الثَّالِث السكر من الشَّرَاب إعلم أَن السكر حرَام فِي جَمِيع الْأَدْيَان
[ ٤٦٠ ]
وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي عين الْمُسكر
[ ٤٦١ ]
وَقد أجمع أهل الْعقل على قبح السكر مَعَ تَحْرِيم الشَّرَائِع لَهُ
وَهُوَ من الْأَعْرَاض الردية المفضية بصاحبها إِلَى البلايا والأسقام
وَقد ذكر أهل الطِّبّ أَن الإفراط من السكر رُبمَا أحدث فِي وقته
[ ٤٦٢ ]
على صَاحبه عِلّة السكتة والاختناق وامتلاء بطن الْقلب الجالب للْمَوْت فَجْأَة وَرُبمَا حدث مِنْهُ انفجار الشريانات الدموية والصفراوية وتحدث مِنْهُ الرعشة والفالج وَهَذَا كُله مَعَ مَا يجلب على صَاحبه من فقد الْعقل وهتك السّتْر وإفشاء السِّرّ والاشتغال عَن دَرك المطالب وَلَا يكَاد صَاحبه يسمو لَهُ حَال وَلَا يَسْتَقِيم لَهُ أَمر فِي تَدْبِير وَلَا يزَال منحط الرُّتْبَة عِنْد نظرائه مسلوب الْوَقار فِي أعين النَّاس قَالَ الشَّاعِر
(مَتى تبلغ الْخيرَات أَو تستطيعها وَلَو كَانَت الْخيرَات مِنْك على شبر)
(إِذا بت سكرانا وأصبحت مثخنا حمارا وعاودت الشَّرَاب من الْعَصْر)
وَأكْثر مَا تنصب الغوائل والمكائد للملوك فِي حَال سكرهم هَذَا كُله مَعَ مَا يؤول السكر بِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَة من الْعَذَاب المهين والنكال الدَّائِم
[ ٤٦٣ ]
الْبَاب السَّابِع
فِي كَيْفيَّة رُتْبَة الْملك مَعَ أوليائه فِي حَال جُلُوسه وركوبه
إعلم أَن مُلُوك الْأُمَم على اخْتِلَاف أجناسهم كَانَت لَهُم سنَن وآداب تميزوا بهَا وَأَقَامُوا أبهتهم بالمواظبة عَلَيْهَا يضيق كتَابنَا هَذَا عَن شرحها وَلَا فَائِدَة فِي ذكرهَا لِأَن الشَّرْع ورد بِالنَّهْي عَن التَّشَبُّه بهَا بل نقتصر فِي ذَلِك على مِثَال مَا رتبه خلفاء بني الْعَبَّاس إِذْ هم قدوة مُلُوك النَّاس لينسج الْمُلُوك على منوالهم ويحذو حَذْو أمثالهم وَسَنذكر من ذَلِك قدر الْحَاجة على سَبِيل الِاخْتِصَار فَنَقُول
[ ٤٦٤ ]
يَنْبَغِي للْملك أَن يَجْعَل جُلُوس طَبَقَات أَصْحَابه وأعوانه وأوليائه على ثَلَاث مَرَاتِب
الْمرتبَة الأولى يجلس فِيهَا الْجند والغلمان الَّذين لَيست لَهُم مزية على غَيرهم
الْمرتبَة الثَّانِيَة يجلس فِيهَا القواد المتوسطون الَّذين قد ولوا الْأَعْمَال من قبل الْأُمَرَاء وَمن يجْرِي مجراهم من الطواشية وَغَيرهم
الْمرتبَة الثَّالِثَة يجلس فِيهَا القواد والأمراء والأكابر الَّذين يتولون الْأَعْمَال ويخطب لَهُم على المنابر وكبراء الْحجاب وَالْعُلَمَاء وَهَذِه الْمرتبَة تسمى دهليز الْخَاصَّة وَهُوَ الْقَرِيب من السّتْر فَإِذا
[ ٤٦٥ ]
جلس النَّاس لَا يخْتَلط قوم بغيرهم وَلَا يعلوا أحد مِنْهُم فِي الجلسة على من هُوَ فَوْقه وليتطرقهم الْحجاب طول جلوسهم فَإِذا وجدوا أحدا جلس فِي غير مرتبته أقاموه إِلَيْهَا وَيجْلس صَاحب الْحجاب ملاصقا للوزير وَالْبَاب الَّذِي يُوصل مِنْهُ إِلَى الْملك لِأَنَّهُ أول من يصل إِلَيْهِ وَيكون السّتْر مسبلا على الْبَاب يمسِكهُ البوابون الفحول وَلَا يطلقونه لأحد لأجل الِاطِّلَاع مِنْهُ إِلَى صحن الدَّار الَّتِي يجلس فِيهَا الْملك فَإِذا خرج الْملك مَعَ خدمه وَجلسَ على سَرِيره المفروش وقف على رَأسه الْخَادِم صَاحب المذبة وَيكون متميزا لَهُ طلل وَصُورَة حَسَنَة مَقْبُولَة ثمَّ يخرج الْخَادِم الحرمي صَاحب الرسَالَة فيستدعي صَاحب
[ ٤٦٦ ]
الْحجاب فَيدْخل وَحده وَلَا يشال السّتْر لَكِن بعضه حَتَّى يقف فِي صحن الدَّار بَين يَدي الْملك ثمَّ يَسْتَدْعِي الْوَزير فيتقدم الْحَاجِب يمشي مَعَه حَتَّى يقرب من السرير فيتقدم وَحده وَيرجع عَنهُ الْحَاجِب إفرادا لَهُ عَمَّا يُعَامل بِهِ سَائِر النَّاس من التَّقْدِير فيخدم الْملك ثمَّ يقف على يمنة السرير على نَحْو خَمْسَة أَذْرع مِنْهُ ثمَّ يدْخل أَمِير الْجَيْش بعده فَيَمْشِي مَعَه الْحَاجِب كَمَا فعل بالوزير فيخدم الْملك ثمَّ يقف على يسرة السرير ثمَّ يدعى بالحجاب فَيدْخلُونَ وبالخدم الرؤساء الأستاذين فَيدْخلُونَ ثمَّ يدعى بالأمراء القواد فيوصلهم الْحجاب ويقفون على مَرَاتِبهمْ يمنة ويسرة على حسب محلهم وموقعهم من الِاخْتِصَاص وَلَا يتَقَدَّم أحد على غَيره ثمَّ يدعى بالعلماء وَالْفُقَهَاء والقضاة فَيَجْلِسُونَ دون الْوَزير على يمنة السرير ثمَّ يَسْتَدْعِي رُؤَسَاء الْأَطِبَّاء فيقفون بارزين فَإِذا احْتِيجَ إِلَى مسائلتهم عَن شَيْء تقدمُوا إِلَى الْملك عِنْد خُرُوج النَّاس ثمَّ يَدعِي بالغلمان والجند وَمن حضر الدَّار ويقفون بارزين صفا
[ ٤٦٧ ]
مُفردا خلف النَّاس ثمَّ يخرج النَّاس عَن طبقاتهم بعد وقوفهم سَاعَة وَبعد أَن يلحظهم الْملك ويشاهد حضورهم وَيعرف من تخلف من وُجُوههم وليحذر كل من وقف بَين يَدي الْملك أَن يتسار إثنان أَو يتحدثا مَعَ أحد ثمَّ يتَخَلَّف الْوَزير سَاعَة طَوِيلَة وَقد تنحى صَاحب المذبة الْكَبِيرَة من مَوْضِعه إِلَى أَن يفرغ مَا يحْتَاج إِلَى ذكره وَيَأْخُذ الْوَزير المذبة الصَّغِيرَة فيذب بهَا وَيكون صَاحب الْحجاب وَاقِفًا بالبعد من السرير بِحَيْثُ يَسْتَدْعِي إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ ثمَّ يخرج بعد ذَلِك الْوَزير وَمَعَهُ الْحَاجِب فيجلسان فِي الدهليز
وَينْظرَانِ فِي أَعمال الْملك المهمة وحوائج دَاره وَيرجع النَّاس إِلَى مَرَاتِبهمْ وأعمالهم وَإِذا قدم الْحَاجِب أحدا من الاولياء لتقبيل
[ ٤٦٨ ]
الْيَد والخدمة مَشى مِمَّا يَلِي سَيّده وَقدمه بعضده الْأَيْسَر وَتَكون يَد الْحَاجِب الْيُسْرَى على سيف الْمُقدم فَإِذا قبل يَد الْملك أَخّرهُ الْحَاجِب وتسلمه مِنْهُ الْحجاب الْأَقْرَب مِنْهُ فَالْأَقْرَب إِلَى أَن يقيموه فِي مرتبته
وَإِذا أَرَادَ الْملك أَن يركب فِي موكبه فسبيل جَمِيع النَّاس أَن يمشوا
[ ٤٦٩ ]
بَين يَدَيْهِ وأسلحتهم مَشْهُورَة إِلَى أَن يصلوا إِلَى مَوَاضِع الرّكُوب
فيركبون وَقد تقدمهم قِطْعَة من الْحجاب قُدَّام الموكب يطوفون وَيمْنَعُونَ أحدا من سلوك الطرقات وَتَكون الجنائب الْخَاصَّة قُدَّام الموكب ليحضر مِنْهَا مَا أَرَادَ وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الْجَوَارِح وكلاب الصَّيْد والفهود يتقدمون الموكب ثمَّ يسير خلفاء الْحجاب ونوابهم يتصفحون الموكب ويترددون فِيهِ فيمنعون أحدا من الْعَامَّة الْمُرُور فِي خلاله ثمَّ يسير صَاحب الْحجاب قُدَّام الْملك وَبَينه وَبَين الْملك مِقْدَار مَا إِذا ناداه أَو استدعاه سَمعه ويتبعه الْملك وَيكون الْوَزير وَرَاءه فَإِذا استدعى سَار زَائِدا على موكب الْملك ليخاطبه وَلَا يُكَلف الْملك أَن يلْتَفت إِلَيْهِ بعنقه فَإِذا استتم كَلَامه رجعُوا إِلَى وَرَائه وَيكون خلف الْوَزير وُجُوه الخدم والرؤساء وَسَائِر طَبَقَات الْأَوْلِيَاء ثمَّ يتبع ذَلِك بغال الشَّرَاب وَالْمَاء
[ ٤٧٠ ]
المزمل وَتَكون بارزة بِحَيْثُ ترى وَلَا يزحمها الموكب وَيكون مَعهَا بغال الْكسْوَة وفيهَا خلع معدة وَيكون مَعهَا بغل عَلَيْهِ صندوقان يعد فيهمَا مَا خف من الْأَطْعِمَة مثل أوساط ولفات وأقراص وَغير ذَلِك وَيكون خلف الخدم خَادِم الجوائز وَالصَّدقَات وَمَعَهُ عليمة فِيهَا صرار من خَمْسَة دَرَاهِم إِلَى مائَة إِلَى ألف دِرْهَم فَإِذا أَمر الْملك بمبلغ عرفه وأرسله إِلَى صَاحبه وَيكون فِي الموكب الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء والقضاة والمؤذنون لتحصل بهم الرَّحْمَة ويسيرون فِي وسط الموكب لِئَلَّا تلحقهم الزحمة وَإِذا وصل الْملك
[ ٤٧١ ]
إِلَى بَاب من أَبْوَاب قصيره أَو منتزهاته الَّتِي يسلكها نزل الْحَاجِب والخدم وَمن فِي الموكب من أَمِير الْجَيْش وَصَاحب الشرطة ووجوه الْحجاب وَمَشوا بَين يَدَيْهِ إِلَى أَن يخرج من ذَلِك الْبَاب ثمَّ يركبون فَإِذا عَاد إِلَى قصره ترجل النَّاس أجمع وَمَشوا إِلَى أَن يصلوا الْموضع الَّذِي يقف فِيهِ الْحجاب وَتَكون البوقات التركية والطبول تضرب عِنْد ركُوبه ونزوله وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يكثر من الرّكُوب والظهور من قصره فَإِن هَيْبَة الْأسد فِي قُلُوب أهل الْبلدَانِ الَّذين لم يتَكَرَّر مِنْهُم الرُّؤْيَة لَهُ أعظم من هيبته فِي قُلُوب رُعَاة االظأن الَّذين يرونه كل وَقت وَلَا يُطِيل اللّبْث والاحتباس فِي قصره فَإِن السبَاع الضارية إِذا لم تشاهد الرَّاعِي بلغت مرادها من الظأن
[ ٤٧٢ ]
الْبَاب الثَّامِن
فِي بَيَان فضل المشورة والحث عَلَيْهَا
اعْلَم أَن المشورة عين الْهِدَايَة وسبيل الرشاد إِلَى الْأَمر وإيضاح الْمُبْهم من الرَّأْي ومفتاح المغلق من الصَّوَاب وَقد حث الشَّارِع عَلَيْهَا وَندب الْخلق إِلَيْهَا وَقد قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه مُحَمَّد ص = فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر
[ ٤٧٥ ]
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ أمره بالمشاورة ليستقر لَهُ
[ ٤٧٧ ]
الرَّأْي الصَّحِيح فَيعْمل بِهِ
وَقَالَ الضَّحَّاك أمره بالمشاورة لما علم مَا فِيهَا من الْفضل وَمَا يعود بهَا من النَّفْع
وَلِأَن إرْسَال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة لَا يكَاد يخرج عَنْهَا مُمكن وَلَا يخفى جَائِز والمستبد بِرَأْيهِ بعيد من الصَّوَاب قريب من الزلل وَقد قَالَ رَسُول الله ص =
[ ٤٧٨ ]
رَأس الْعقل بعد الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى التودد إِلَى النَّاس وَمَا اسْتغنى مستبد بِرَأْيهِ وَمَا هلك أحد عَن مشورة وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد هلكة كَانَ أول مَا يهلكه رَأْيه
وَقَالَ رَسُول الله ص = لقحوا عقولكم بالمذاكرة وَاسْتَعِينُوا على أُمُوركُم بالمشاورة
وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الاستشارة عين الْهِدَايَة وَقد خاطر من اسْتغنى بِرَأْيهِ
وَقَالَ بعض البلغاء الْخَطَأ مَعَ الاسترشاد أَحْمد من الصَّوَاب مَعَ الاستبداد وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء نصف رَأْيك مَعَ أَخِيك فشاوره ليكمل لَك الرَّأْي
[ ٤٧٩ ]
وَكَانَ يُقَال إِذا أشكلت عَلَيْك الْأُمُور فَارْجِع إِلَى رَأْي الْعُقَلَاء وَلَا تأنف من الاسترشاد وَلَا تستنكف من الاستمداد فَإِن تسْأَل وتسلم خير لَك من أَن تستبد وتندم وَقَالَ حكماء اليونان أَضْعَف الْحِيَل خير من أقوى الشدَّة وَأَقل التؤدة خير من أَكثر العجلة والزلة رَسُول الْقَضَاء المبرم وَإِذا استبد الْملك بِرَأْيهِ عميت عَلَيْهِ المراشد
وَقَالَ حَكِيم من الْفرس النّظر فِي الْأُمُور من الْعَزْم والعزم فِي الرَّأْي سَلامَة من التَّفْرِيط وداعية إِلَى الظفر وَالتَّدْبِير والفكر يبحثان عَن الفطنة ويكشفان عَن الحزم ومشاورة الْحُكَمَاء ثبات
[ ٤٨٠ ]
فِي الْيَقِين وَقُوَّة فِي البصيرة ففكر قبل أَن تعزم واعزم قبل أَن تصرم وتدبر قبل أَن تهجم وشاور قبل أَن تقدم
وَكَانَ يُقَال مَا استنبط الصَّوَاب بِمثل الْمُشَاورَة وَلَا حصنت النعم بِمثل الْمُوَاسَاة وَلَا اكْتسبت البغضة بِمثل الْكبر
وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لِأَن أخطىء وَقد استشرت أحب إِلَيّ من أَن أُصِيب وَقد استبددت بِرَأْي وأمضيته من غير مشورة لِأَن على رَأْيه يزرى بِهِ أَمْرَانِ تَصْدِيقه رَأْيه الْوَاجِب عَلَيْهِ تَكْذِيبه وَتَركه من المشورة مَا يزْدَاد بِهِ بَصِيرَة أَنْشدني بَعضهم ٤٨٢
(إِذا الْأَمر أشكل إنقاذه وَلم تَرَ مِنْهُ سَبِيلا فسيحا)
(فَشَاور بِأَمْرك فِي ستْرَة أَخَاك أَخَاك اللبيب النصيحا)
(فَرُبمَا فرج الناصحون وأبدوا من الرَّأْي رايا صَحِيحا)
(وَلَا يلبث المستشير الرِّجَال إِذا هُوَ شاور أَن يستريحا)
وَقَالَ مَحْمُود الْوراق فِي الْمَعْنى
(إِن البيب إِذا تفرق أمره فتق الْأُمُور مناظرا ومشاورا)
(وأخو الْجَهَالَة يستبد بِرَأْيهِ فتراه يعتسف الْأُمُور مخاطرا)
وَقَالَ آخر
(شاور صديقك فِي الخفى الْمُشكل وَاقْبَلْ نصيحة صَاحب متفضل)
(فَالله قد أوصى بذالك نبيه فِي قَوْله شاورهم وتوكل)
[ ٤٨١ ]
(إِذا الْأَمر أشكل إِنْفَاذه وَلم تَرَ مِنْهُ سَبِيلا فسيحا)
(فَشَاور بِأَمْرك فِي ستْرَة أَخَاك أَخَاك اللبيب النصيحا)
(فَرُبمَا فرج الناصحون وأبدوا من الرَّأْي رَأيا صَحِيحا)
(وَلَا يلبث المستشير الرِّجَال إِذا هُوَ شاور أَن يستريحا)
قَالَ مَحْمُود الْوراق فِي الْمَعْنى
(إِن اللبيب إِذا تفرق أمره فتق الْأُمُور مناظرا ومشاورا)
(وأخو الْجَهَالَة يستبد بِرَأْيهِ فتراه يعتسف الْأُمُور مخاطرا)
وَقَالَ آخر
(شاور صديقك فِي الخفى الْمُشكل وَاقْبَلْ نصيحة صَاحب متفضل)
(فَالله قد أوصى بذالك نبيه فِي قَوْله شاورهم وتوكل)
[ ٤٨٢ ]
الْبَاب التَّاسِع فِي بَيَان أَوْصَاف أهل الشورى وحكايات لائقة
اخْتلف النَّاس فِي أهل الشورى هَل الأولى أَن يجمعهُمْ الْملك على الرَّأْي أَو ينْفَرد بِكُل وَاحِد مِنْهُم فِي المشورة فَذَهَبت الْعَرَب وَالْفرس وملوك الْهِنْد إِلَى أَن الأولى اجْتِمَاعهم فِي ارتياء الرَّأْي وإجالة الْفِكر ليذكر كل وَاحِد مَا قدحه خاطره وينتجه فكره حَتَّى إِذا كَانَ هُنَاكَ قدح فِي الرَّأْي ذَكرُوهُ وَإِن توجه عَلَيْهِ نقض نقضوه فَإِنَّهُ لَا يبْقى فِي الرَّأْي مَعَ اجْتِمَاع القرائح عَلَيْهِ خلل إِلَّا ظهر واشتهر
[ ٤٨٣ ]
وَذَهَبت الرّوم وملوك القبط إِلَى أَن الأولى انْفِرَاد كل وَاحِد مِنْهُم بالمشورة ليجيل فكره ويشحذ خاطره طَمَعا فِي الحظوة بصواب الرَّأْي فَإِن القرائح إِذا انْفَرَدت استكدها الْفِكر واستفرغها الْجهد وَإِذا اجْتمعت فَإِن أول من بدا بِالرَّأْيِ متبوع
وَيَنْبَغِي أَن يجْتَمع فِي أهل الشورى سَبْعَة شُرُوط عَلَيْهَا مدَار المشورة وَبهَا يَنْتَظِم شَمل الصَّوَاب
[ ٤٨٤ ]
أَحدهَا الفطنة والذكاء لِئَلَّا تشتبه عَلَيْهِم الْأُمُور فتلتبس فَلَا يَصح مَعَ اشتباهها عزم وَلَا يتم مَعَ التباسها حزم
وَالثَّانِي الْأَمَانَة لِئَلَّا يخونوا فِيمَا ائتمنوا عَلَيْهِ وَلَا يغشوا فِيمَا استنصحوا فِيهِ
الثَّالِث صدق اللهجة ليثق الْملك بخبرهم فِيمَا ينهونه إِلَيْهِ
[ ٤٨٥ ]
وَيعْمل برأيهم فِيمَا أشاروا بِهِ عَلَيْهِ
الرَّابِع أَن يسلمُوا فِيمَا بَينهم من التحاسد والتنافس فَإِن ذَلِك يمنعهُم من الْكَشْف عَن صَوَاب الرَّأْي
الْخَامِس أَن يسلمُوا فِيمَا بَينهم وَبَين النَّاس من الْعَدَاوَة والشحناء فَإِن الْعَدَاوَة تصد عَن التناصف وتحجب عَن صَوَاب الرَّأْي
السَّادِس أَن لَا يَكُونُوا من أهل الْأَهْوَاء فيخرجهم الْهوى من الْحق إِلَى الْبَاطِل فَإِن الْهوى خَادع الْأَلْبَاب وصارف عَن الصَّوَاب
السَّابِع أَن يَكُونُوا من كبار الدولة ومشايخ الأعوان لِأَن
[ ٤٨٦ ]
الْمَشَايِخ قد حنكتهم التجارب وعركتهم النوائب وَقد شاهدوا من اخْتِلَاف الدول مَا أوضح لعقولهم صَوَاب الرَّأْي وَقد كَانَت الْعَرَب تَقول الْمَشَايِخ أَشجَار الْوَقار ومنابع الْأَخْبَار لَا يطيش لَهُم فهم وَإِلَّا يسْقط لَهُم وهم وَقد كَانَ يُقَال عَلَيْك بآراء الْمَشَايِخ فَإِنَّهُم إِن فقدوا ذكاء الطَّبْع فقد مرت على عيونهم وُجُوه العبر
[ ٤٨٧ ]
وتصدت لأسماعهم آثَار الْغَيْر
وَحكى أَن الْمَأْمُون قَالَ لأولاده يَا بني ارْجعُوا فِيمَا اشْتبهَ عَلَيْكُم إِلَى آراء أهل الحزم من أعوانكم المجربين والمشايخ المشفقين فَإِنَّهُم يرونكم مَا لَا ترَوْنَ ويكشفون لكم أغطية مَا لَا تعلمُونَ
[ ٤٨٨ ]
فقد صحبوا لكم الدهور ومارسوا لكم الْأُمُور وَعرفُوا حوادث الْأَزْمِنَة وأعراضها وإقبالها وإدبارها فروضوا أَنفسكُم لَهُم وتجرعوا مراراتهم فقد قيل من جرعك مرا لتبرأ أشْفق عَلَيْك من جرعك حلوا لتسقم وَيَنْبَغِي أَن لَا يدْخل فِي مشورته بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا حَرِيصًا وَلَا معجبا وَلَا كذابا لِأَن الْبَخِيل يقصر بعقلك والجبان يخوفك مَالا تخَاف والحريص يعدك مَالا يُرْجَى وَقد كَانَ يُقَال الْجُبْن وَالْبخل والحرص طبيعة وَاحِدَة يجمعها سوء الظَّن وَقَالَ عبد الْملك بن
[ ٤٨٩ ]
مَرْوَان لبَعض عماله لَا تستعن فِي أَمر دهمك بِرَأْي كَذَّاب وَلَا معجب فَإِن الْكذَّاب يقرب لَك الْبعيد وَيبعد عَنْك الْقَرِيب وَأما المعجب فَلَيْسَ لَهُ رَأْي صَحِيح وَلَا روية تسلم
وَيَنْبَغِي للْملك ذَا أَتَى كل وَاحِد بِمَا عِنْده من الرَّأْي أَن يتصفح أَقْوَالهم ويكشف عَن أُصُولهَا وأسبابها ويبحث عَن نتائجها وعواقبها مَعَ مشاركتهم جَمِيعًا فِي الارتياء وَالِاجْتِهَاد ويتوقف فِي ذَلِك وليحذر مبادرة الْعَمَل بِالرَّأْيِ قبل إمعان النّظر فِيهِ فقد قيل أَضْعَف الرَّأْي مَا سنح للبديهة ابْتِدَاء
وَقيل أصوب الرَّأْي مَا تَكَرَّرت الفكرة بعده وأحكمت الروية عقدَة وَكَانَ يُقَال كل رَأْي لم تتمحص بِهِ الفكرة لَيْلَة كَامِلَة
[ ٤٩٠ ]
فَهُوَ مَوْلُود لغير تَمام
قَالَ عبد الله بن وهب دعوا الرَّأْي ثَلَاثًا فَإِن عيوبه تكشف لكم عَن محضه وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة وَهُوَ يُؤَدب وَلَده لَا تكونن أول مشير وَإِيَّاك والرأي الفطير وَلَا نشر على مستبد بِرَأْيهِ وتجنب ارتجال الْكَلَام أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(وَإِذا الخطوب عَلَيْك يَوْمًا أشكلت فاعمد لرأي أَخ حَكِيم مرشد)
[ ٤٩١ ]
(فَإِذا استشرت فَكُن لنَفسك رائدا متثبتا تَجِد الرشاد وتهتدي)
قَالَ فَإِذا تقرر الرَّأْي الصَّحِيح بعد الفكرة والروية شرع فِي إمضائه وَالْعَمَل بِهِ وينتهز فِيهِ الفرصة وليحذر مُخَالفَة النصحاء والاستهانة بنصائحهم فقد قيل من عصى ناصحا فقد اسْتَفَادَ عدوه وَكَانَ يُقَال يسْتَدلّ على إدبار أَمر الْملك بِخَمْسَة أَشْيَاء أَحدهمَا أَن يستكفي الْأَحْدَاث الَّذين لَا خبْرَة لَهُم بموارد الْأُمُور ومصادرها الثَّانِي أَن يقْصد أهل مودته بالأذى الثَّالِث أَن ينقص خراجه عَن قدر مُؤنَة ملكه الرَّابِع أَن يكون تقريبه وإبعاده للهوى لَا للرأي الْخَامِس استهانته بنصائح الْعُقَلَاء وآراء ذِي الحفلة
قَالَ كسْرَى أنو شرْوَان حزم ذِي الرَّأْي وَمن لَا رَأْي لَهُ أَن يستشير عَالما ويطيعه قَالَ الشَّاعِر
[ ٤٩٢ ]
(إِذا مَا أُمُور أعوزت فِي اعتيادها فَلَا تعص ذَا لب وَقل مثل قَوْله)
وَقَالَ آخر
(إِذا الْأُمُور عَلَيْك التوت فَشَاور لبيبا وَلَا تعصه)
(وَإِن كنت فِي حَاجَة مرسة فَأرْسل حكيما وَلَا توصه)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح البستي
[ ٤٩٣ ]
(لَا تستشر غير ندب حَازِم يقظ قد اسْتَوَى فِيهِ أسرار وإعلان)
(فللتدابير فرسَان إِذا ركضوا فِيهَا أبروا كَمَا للحرب فرسَان)
(وللأمور مَوَاقِيت مقدرَة وكل أَمر لَهُ حد وميزان)
(فَلَا تكن عجلا فِي الْأَمر تطلبه فَلَيْسَ يحمد قبل النضج بحران)
وسنختم هَذَا الْبَاب بِثَلَاث حكايات مُوضحَة لما شرحناه
الْحِكَايَة الأولى قيل إِن كسْرَى أنوشروان وصفت لَهُ أَرض من التخوم الْهِنْدِيَّة تقَارب أقْصَى بِلَاده بِحسن المنظر وَطيب الْهَوَاء وَالْمَاء وَكَثْرَة العمائر وحصانة المعاقل وَوصف لَهُ أهل تِلْكَ الأَرْض بِعظم الجسوم وبلاده الفهوم وشجاعة النُّفُوس وَقُوَّة الْأَبدَان وَالصَّبْر على مُلَازمَة الطَّاعَة لملكهم ولين الانقياد فشرهت نفس كسْرَى إِلَى
[ ٤٩٤ ]
تملك تِلْكَ الأَرْض فَسَأَلَ عَن ملكهَا فَأخْبر أَنه عَظِيم الأراكنة وَأَنه شَاب منقاد لشهوته مقبل على لذته غير أَن رَعيته قد أشربت قلوبها وده وانصرفت آمالها إِلَى مَا عِنْده قَالَ فَجمع كسْرَى وزراءه وأعلمهم أَن نَفسه تائقة إِلَى تملك تِلْكَ الأَرْض وعرفهم صِفَات الأركن وإقبال رَعيته على طَاعَته ومحبته فَاجْتمع رَأْيهمْ على أَن ينتدب لاستفساد رعية ذَلِك الأركن رجَالًا يحسنون نصب الدَّعْوَات وقلب الدول قَالَ فَاحْضُرْ رجَالًا من دهاة الْفرس ونساكهم وأمدهم بالأموال وَنصب لَهُم مِثَالا يحذون عَلَيْهِ فنفذوا لما أَمرهم بِهِ وَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ المملكة وأعمل كل مِنْهُم قوته فِيمَا انتدب فأحكموا أَمرهم عي عَاميْنِ وبثوا الدعْوَة فِي مَدِينَة الأركن وَغَيرهَا من قراه ورساتيقه ومعاقله وثغوره واستمالوا قُلُوب الرّعية ثمَّ كتبُوا بذلك
[ ٤٩٥ ]
إِلَى كسْرَى فأحضر الْمَرْزُبَان الَّذِي يَلِي تِلْكَ الأَرْض وَأمره بالتجهيز إِلَيْهَا ثمَّ أَخذ ذَلِك المرزبات فِي الإعداد والحشد وَكَانَ عسكره خمسين ألف فَارس سوى أتباعها فَكتب إِلَى الأركن عيونه يخبرونه بِخُرُوج الْمَرْزُبَان إِلَيْهِ ثمَّ ظهر النِّفَاق ببلاده وهمس النَّاس فِيهِ فانتبه الأركن من غفلته وَبحث عَن الْأَمر فَوقف على حَقِيقَته وَكَانَ امْر مَمْلَكَته يقوم على خَمْسَة رجال أَرْبَعَة مِنْهُم وزراؤه وجلساؤه وسماره وَالْخَامِس رَئِيس الزمارمة الَّذين يَأْخُذُونَ عَنهُ الدّين وَكَانَ حكيما عَالما قَالَ فَجَمعهُمْ الأركن وأطلعهم على مَا انْتهى إِلَيْهِ من فَسَاد الرّعية وتجهيز جيوش أنو شرْوَان إِلَى جهتهم وَأمرهمْ فِي النّظر فِي ذَلِك وإمعان الْفِكر فِيهِ
فجلسوا لإدارة الرَّأْي فَقَالَ أحد الوزراء الْأَرْبَعَة الرَّأْي أَن
[ ٤٩٦ ]
يستصلح الْملك رَعيته فَيمْلَأ أيديها رغبات وقلوبها آمالا فَإِن الْعَدو إِذا علم كَانَ ذَلِك جَريا عَن الْإِقْدَام وَإِن أقدم لقيناه كلنا بِكَلِمَة مجتمعة وَقُلُوب سليمَة فَقَالَ لَهُ رَئِيس الزمارمة هَذَا لَو كَانَ فَسَاد الرّعية أوجبه جور وعسف سيره فيزال حكم الْفساد بإزاحة علته وَأما فَسَاد هَؤُلَاءِ فَإِنَّمَا أوردهُ عَلَيْهِم الْجَهْل بمواقع الصَّوَاب وَالنَّظَر لترادف النعم وَقد قيل أَرْبَعَة إِذا أفسدهم البطر لم تزدهم التكرمة إِلَّا فَسَادًا الْوَلَد وَالزَّوْجَة وَالْخَادِم والرعية فغن هَذِه الربعة إِذا هاجمت لم تزدهم المداراة والرفق إِلَّا هيجانا وطغيانا وَإِنَّمَا تعان بحسم موادها قَالَ الْملك صدق الْحَكِيم
قَالَ الْوَزير الثَّانِي الرَّأْي أَن تضرب بِمن صلح من الرّعية من فسد مِنْهَا حَتَّى ترجع راغمة منقادة ثمَّ نلقي عدونا بِمن لَا نَخَاف
[ ٤٩٧ ]
دغله فَقَالَ رَئِيس الزمارمة هَذَا أَنْفَع لعدوك من جَيْشه وأدعى إِلَى طَاعَته من دعاته لأَنا نعلم أَن رعيتنا لَا تَخْلُو من عَاقل محروم لم يمنعهُ من سل سَيْفه إِلَّا الْخَوْف وَإِذا فعل الْملك مَا أَشرت بِهِ فقد أَبَاحَهُ سل سَيْفه وَإِذا سَله لم يَسلهُ لنا بل إِنَّمَا يَسلهُ علينا ويتبعه الْجُمْهُور لما قد طبعوا عَلَيْهِ من حسد الْمُلُوك والتعصب للضعفاء وَقد قيل أَرْبَعَة من اسْتَقْبلهَا بالعنف والردع فِي أَرْبَعَة أَحْوَال هلك بهَا وَهِي الْملك فِي حَال غَضَبه والسيل فِي حَال هجومه والفيل فِي حَال غلمته والرعية فِي حَال هيجها
وَقَالَت الْحُكَمَاء أشبه شَيْء يردع الْعَامَّة عِنْد هيجها معاناة الجدري فِي حَال إنبعاثه إِلَى سطح الْجَسَد بالأطلية الرادعة فَقَالَ الْملك صدق الْحَكِيم
[ ٤٩٨ ]
وَقَالَ الْوَزير الثَّالِث الراي ان يطْلب الْملك تعْيين من فَسدتْ طَاعَته بالأمناء الثِّقَات من الجواسيس فَإِذا تعينُوا عوملوا بِمَا تَقْتَضِيه أَحْوَالهم من قلَّة أَو كَثْرَة فَقَالَ رَئِيس الزمارمة إِن الْبَحْث الان عَن هَذَا خطر لِأَنَّهُ لابد أَن يفْطن لَهُ وَإِذا فطن لَهُ خَافَ الْمُرِيب فحذر ثمَّ لايخلو أمره بعد ذَلِك من حَالين أما أَن يَتَحَرَّك إِلَى جِهَة عدونا فيعتمده بالنصائح وَالدّلَالَة على العورات ثمَّ يُقَاتل مَعَه بَصِيرَة لَيست لِلْعَدو لِأَنَّهُ يطْلب العودة إِلَى وَطنه وَأَهله وَمَاله وَأما أَن لَا ينْفَصل وَلَا يرهبنا بل يكاشفنا فِي الْعَدَاوَة ويتكثر علينا بإشكاله من الرّعية فينصرونه علينا وَإِن لم يَكُونُوا على مثل رَأْيه إِلَّا أَن فِي الرّعية من أعقده الحرمان وَمن أحقده التَّأْدِيب وَجُمْهُور الرّعية يتعصبون على الأجناد لأَنهم لن يعدموا مِنْهُم أَذَى واستطالة فَإِن سومحوا أفسدوا المملكة وَإِن قصد الْمُسِيء بالعقوبة خَافَ البريء أَن تتعدى الْعقُوبَة إِلَيْهِ فانحاز إِلَى الْمُسِيء لَعَلَّه المشاكلة لَهُ وَلَو كَانَ عدوا لَهُ كَمَا أَن الكلبين إِذا تهارشا
[ ٤٩٩ ]
فرأيا ذئبا فَإِنَّهُمَا يتركان تهارشهما ويجتمعان على الذِّئْب وَإِن كَانَ مثلهمَا فِي الْخلقَة لكنهما يعاديانه فيصطلحان عِنْد التعاون عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْعَاميّ لاينظر الى الْملك من حَيْثُ تحَققه فِي الْخلق الإنساني بل ينظر إِلَيْهِ من حَيْثُ تفرده وأنفته وعلو همته وجرأته وشجاعته وَكَثْرَة مَاله فينافره ويألف بالعامي الَّذِي هُوَ يشاكله فِي جَهله وطبعه وَغير ذَلِك من أخلاقه وَلَا تَخْلُو الرّعية من ناسك أَحمَق يظنّ أَنه يغْضب للدّين فيحمله حمقه وجهله على الْخُرُوج من وَاجِب الطَّاعَة فَيكون أمره فِي الرّعية أنفذ من أَمر الْملك فِي الْجند وَقد قيل ثَلَاثَة إِن كاشفتهم فِي امتحان مَا عنْدك فِي ثَلَاثَة أَحْوَال خسرتهم أحدهم الْمُؤَدب لَك إِذا امتحنت ماعنده من الْعلم فِي حَال تأدبك
[ ٥٠٠ ]
الثَّانِي صديقك إِذا امتحنت مَا عِنْده من الْبَذْل فِي حَال فاقتك الثَّالِث زَوجتك إِذا امتحنت مَا عِنْدهَا من محبتك فِي حَال كهولتك وامتحان الرّعية فِي هَذِه الْحَال أشبه شَيْء بِمَا ذَكرْنَاهُ وَقد قَالَ الْحُكَمَاء إِن للدولة أمراضا يخَاف أَن تَمُوت بهَا أخطرها أَرْبَعَة أَشْيَاء مايعرض للْملك من الْكبر وَمَا يعرض من لَهُ من الْغَضَب فَإِن دولته فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ تضطرب لِخُرُوجِهِ عَن حد الِاعْتِدَال فِي السياسة وَالثَّالِث مَا يعرض لَهُ من الْحِرْص فَإِنَّهُ إِذا حرص عسف وظلم وَالرَّابِع هيج الرّعية فَقَالَ الْملك صدق الْحَكِيم
قَالَ الْوَزير الرَّابِع وَكَانَ أوسعهم علما وأفضلهم رَأيا إِنِّي وأصحابي كأصابع الرَّاحَة فِي حَاجَة بَعْضهَا إِلَى بَعْضهَا وَقوم بَعْضهَا بِبَعْض وكل منا يستمد من نور عقل الْملك ينظره إِلَيْنَا استمداد النُّجُوم الدراري من نور الشَّمْس وَإِنِّي أرى غير رَأْي أَصْحَابِي لَا مترفعا عَلَيْهِم
[ ٥٠١ ]
وَلَا عائبا لآرائهم لِأَن الْقبُول وَالرَّدّ إِلَى الْملك لَا إِلَى غَيره فَإِن أذن الْملك ذكرته فَقَالَ الْملك قل أَيهَا الْوَزير الناصح فلك ولأصحابك عندنَا الثِّقَة بكم والكرامة لأنكم من المناصحة لنا وَالْأَدَاء إِلَيْنَا كالحواس الْخمس للقلب فسجدوا لَهُ ثمَّ رفعوا رؤوسهم فَقَالَ الْوَزير إِن الرّعية قَليلَة النّظر فِي العواقب غير متحفظة من المعاطب وَقد دب فِيهَا اسْم الْفساد ومكاشفتها الْآن خطر وَالظفر بهَا وَهن فِي الْملك والعدو قوي الطمع شَدِيد الْحِرْص مستشعر بالظفر وَلَا يرضيه إِلَّا الغلب فَإِن رأى الْملك أَن يصرف همته أَولا إِلَى الِاسْتِظْهَار باتخاذ معقل حَرِير يَأْمَن فِيهِ على أَهله وخواصه وذخائره وَمن خلصت نِيَّته من رَعيته فَإِنِّي أعرف فِي مَمْلَكَته عقلا شاهقا يطلّ على أهل الأَرْض إطلال زحل على الْكَوَاكِب وَهُوَ مَعَ ذَلِك لذيذ الْهَوَاء فرات المَاء وَقد كَانَ بعض أسلاف الْملك أثر فِيهِ آثارا محكمَة فَإِن رأى الْملك أَن يتم بِهِ سعى سلفه ثمَّ يودعه ذخائره ويجعله للإقامة استظهارا ثمَّ يلق عدوه إِن أقدم على بِلَاده فَإِن ظَهرت
[ ٥٠٢ ]
خِيَانَة أنصاره انجاز بأوليائه إِلَى ذَلِك المعقل وألزم نَفسه الصَّبْر وانتظار الْفرج قَالَ فسر الْملك بِرَأْي الْوَزير وَوَقع إِجْمَاعهم على تَرْجِيحه ثمَّ ركب فِي خاصته وحماته حَتَّى أَتَى ذَلِك المعقل فحشد إِلَيْهِ الأعوان وألزمهم الْإِسْرَاع فِي إِكْمَال بنائِهِ وبادر من فوره فَنقل إِلَيْهِ خَاص بيُوت أَمْوَاله ونفائس ذخائره وخزائن سلاحه وشحنه بالأقوات والأطعمة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يسد الثغور وَأَن الْمَرْزُبَان اقتحم أَطْرَاف بِلَاده بالجيوش المتوافرة ونازل الثغور وَظَهَرت دعاة كسْرَى فِي تِلْكَ النَّاحِيَة فِيمَن استمالوه من أَهلهَا فَظهر الْمَرْزُبَان على من نازله ثمَّ جعل يطوي بِلَاد الأركن لَا يمْتَنع عَلَيْهِ مرام حَتَّى وافته جنود الأركن فدافعته بعض المدافعه فَانْهَزَمَ من فَسدتْ نِيَّته فِي الأركن وَانْهَزَمَ المناصحون بإنهزامهم وَاسْتولى الْمَرْزُبَان على تِلْكَ الأَرْض وإنحاز الأركن وَأَتْبَاعه المناصحون إِلَى ذَلِك المعقل فَسَار خَلفه الْمَرْزُبَان حَتَّى أشرف على معقله فَرَآهُ منْظرًا رائعا ومعقلا مَانِعا فَلم يُمكنهُ النُّزُول بساحته فَرجع من فوره إِلَى الْبِلَاد فولي فِيهَا الْوُلَاة والعمال واستقامت المملكة للمرزبان
[ ٥٠٣ ]
ثمَّ إِن اغتام الْفرس جعلُوا يعاملون أهل الْهِنْد بالقسوة والفظاظة ويعبثون بهم ويسخرون مِنْهُم فبدت الشحناء فِي النُّفُوس وَرَأى أهل الْهِنْد خراج بِلَادهمْ يحمل وَيصرف إِلَى غَيرهم وَقد دخلُوا تَحت حكم الْأَعَاجِم فداخلتهم الْغيرَة وَالْحمية فعرفوا فضل مَا كَانُوا فِيهِ ومشقة مَا صَارُوا إِلَيْهِ فبسطوا ألسنتهم بالتسخط وَتوقف الْمَرْزُبَان عَن ردعهم لِئَلَّا يوحشهم فَكَانَ أَمرهم إِلَى زِيَادَة وَأما الأركن فَإِن وزرائه أشاروا عَلَيْهِ بِالصبرِ وكف الْأَذَى وَبسط الْعدْل وَالْإِحْسَان وبذل المَال والصفح عَن المجرم وتألف المستوحش فَكَانَت سمعته تزداد حسنا والنفوس إِلَيْهِ ميلًا والألسنة لَهُ شكرا والمرزبان بعكس ذَلِك وَاتفقَ أَن غُلَاما من عُمَّال الْمَرْزُبَان على بعض الثغور أَسَاءَ السِّيرَة فَقَامَ إِلَيْهِ ناسك من نساك الْهِنْد يعظه فَغَضب عَلَيْهِ وَأمر بقتْله فثار أهل الْبَلَد على الْعَامِل فَقَتَلُوهُ فَبلغ الْخَبَر إِلَى الْمَرْزُبَان فَجَاءَهُ بجُنُوده فانحاز أهل تِلْكَ النَّاحِيَة إِلَى حصن الأركن ثمَّ ثارت الهنود فِي الْبِلَاد وَسَار الْمَرْزُبَان رَاجعا إِلَى بِلَاده لما قَامَت الرّعية وَخرج من تِلْكَ المملكة وَعَاد الأركن إِلَى دَار ملكه فَجرى على سنَن الْعدْل قامعا للشهوات باذلا للراحات مُسْتَعْملا مَا أفادته التجارب من الأداب حَتَّى بلغ أَجله
[ ٥٠٤ ]
الْحِكَايَة الثَّانِيَة
قيل لما عزم الْأمين على انتزاع الْعَهْد بالخلافة عَن أَخِيه الْمَأْمُون وَكَانَ الْمَأْمُون أَمِيرا بخراسان كتب إِلَيْهِ الْأمين يستدعيه
[ ٥٠٥ ]
وَيذكر حَاجته إِلَيْهِ وَأَنه يُريدهُ لأمر مُهِمّ تضيق عَنهُ الْكتب وَإِن جواسيس الْمَأْمُون وعيونه بِبَغْدَاد كتبُوا إِلَيْهِ يعرفونه أَن أَخَاهُ الْأمين يُرِيد تَحْويل الْخلَافَة عَنهُ إِلَى وَلَده مُوسَى النَّاطِق فَاطلع الْمَأْمُون خاصته على الْخَبَر واستشارهم فِي أمره فأشاروا عَلَيْهِ أَن يثبت مَكَانَهُ وينتظر الْفرج وَيكْتب إِلَى أَخِيه يعْتَذر إِلَيْهِ ويتعلل بأعلال فَفعل ذَلِك فَعلم الْأمين أَنه قد فطن
[ ٥٠٦ ]
لما يُرَاد بِهِ وأيس من نجح مكيدته
فَحِينَئِذٍ دَعَا النَّاس إِلَى خلع الْمَأْمُون من عهد الْخلَافَة ثمَّ الْتفت إِلَى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان وشاوره فِي أَمر خُرَاسَان وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى قد ولى خُرَاسَان قبل ذَلِك واصطنع إِلَى أَهلهَا جلائل الصَّنَائِع وغمرهم بِالْإِحْسَانِ وَالْعدْل
[ ٥٠٧ ]
فضمن لَهُ مَا يُريدهُ مِنْهَا فجهزه الْأمين بِأَحْسَن جهاز وولاه خُرَاسَان وجهز مَعَه جُمْهُور جُنُوده فَخرج عَليّ بن عِيسَى بالجيوش طَالبا خُرَاسَان فَبلغ ذَلِك إِلَى الْمَأْمُون فاضطرب أمره وَعلم أَنه يعجز عَن مقاومة عَليّ بن عِيسَى لميل أهل خُرَاسَان إِلَيْهِ ومحبتهم لَهُ فَركب إِلَى متنزه لَهُ ليشاور وزراءه فِي تَدْبِير أمره فعارضه فِي الطَّرِيق شيخ مَجُوسِيّ قد احدودب من هرمه وَكبره فناداه بِالْفَارِسِيَّةِ مستعينا بِهِ من مظْلمَة نالته فَلَمَّا نظر الْمَأْمُون إِلَى هرمه وَكبر سنه رق لَهُ وَأمر أَن يحمل على دَابَّة إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ قاصده وَيدخل عَلَيْهِ بِغَيْر اسْتِئْذَان وَلما اسْتَقر الْمَأْمُون ووزراءه
[ ٥٠٨ ]
فِي ذَلِك الْموضع أَدخل عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْخ الْمَجُوسِيّ فَأمره بِالْجُلُوسِ فِي حَاشِيَة الْمجْلس ثمَّ أقبل على خاصته وَأخْبرهمْ بِمَا انْتهى إِلَيْهِ من أَمر عَليّ بن عِيسَى وَأمرهمْ بإدارة الْفِكر فِي الرَّأْي فِي ذَلِك وَهُوَ يظنّ أَن ذَلِك الشَّيْخ لَا يحسن الْعَرَبيَّة إِلَى أَن قَالَ أحد الوزراء الرَّأْي اصطناع أجناد من الأغنام الَّذين لَا يعْرفُونَ عَليّ بن عِيسَى فنلقاه بهم قبل دُخُوله أَرض خُرَاسَان
فَقَالَ الْوَزير الثَّانِي الرَّأْي أَن تبادر بِالْإِرْسَال إِلَى أَخِيك معتذرا ومنقادا لما يُريدهُ مِنْك الْيَوْم ومنتظرا نصر الله تَعَالَى فِي غَد فَإنَّك مكره على الْخُرُوج
[ ٥٠٩ ]
من عهد الْخلَافَة إِكْرَاها لم يخف على أحد من النَّاس فَهُوَ حق لَك مَتى أمكنك طلبه وَكنت فِيهِ على حجَّة ظَاهِرَة
قَالَ الْوَزير الثَّالِث الرَّأْي أَن تجمع من تثق بموالاته من ذِي النجدة والشجاعة فتزيح عللهم وتقصد بهم بعض هَذِه الممالك الْكَافِرَة الْمُجَاورَة لنا فتصدقهم الْقِتَال فَلَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يظفرنا بهم فنصير إِلَى مَمْلَكَته منيعة قَوِيَّة ويفزع إِلَيْنَا من كَانَ على مِثَال أمرنَا ونجاهد حَتَّى يقْضِي الله أمره
قَالَ الْوَزير الرَّابِع الرَّأْي أَن تنحاز إِلَى ملك
[ ٥١٠ ]
التّرْك مستجيرا بِهِ ومستيعنا على اخيك الغادر فَهَذَا أَمر لم تزل الْمُلُوك تَفْعَلهُ إِذا دهمها مَالا قبل لَهَا بِهِ فَلَمَّا سمع الْمَأْمُون كَلَامهم جَمِيعًا قَالَ لَهُم قومُوا عني حَتَّى أنظر فِيمَا ذكره كل وَاحِد مِنْكُم ثمَّ إِنَّه الْتفت إِلَى الشَّيْخ فناداه ورفق بِهِ وَسَأَلَهُ عَن حَاجته فَقَالَ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ جِئْت لحَاجَة فَعرض لي مَا هُوَ أوكد مِنْهَا فَقَالَ لَهُ المامون تكلم بِمَا فِي نَفسك قَالَ أَيهَا الْأَمِير لَا تصدنك حقارة قدري فَإِن الدرة النفسية لَا يزري بهَا حقارة الغواص
[ ٥١١ ]
فَقَالَ الْمَأْمُون مَا بِنَا عَنْك أَيهَا الشَّيْخ رَغْبَة فَتكلم بِمَا عنْدك قَالَ إِنِّي سَمِعت مَا أَشَارَ بِهِ الْقَوْم عَلَيْك وكل مِنْهُم متجهد فِي الْإِصَابَة وَإِنِّي لست أرضي شَيْئا مِمَّا قَالُوهُ وَإِنِّي وجدت فِي الحكم الَّتِي أَخذهَا آبَائِي عَن آبَائِهِم أَنه يَنْبَغِي للعاقل إِذا دهمه مَا لَا قبل لَهُ بِهِ أَن يلْتَزم نَفسه التَّسْلِيم لأحكام الْحَكِيم واهب الْعقل وقاسم الحظوظ وَلَا يتْرك بذلك الدفاع بِحَسب طاقته فَإِنَّهُ إِن لم يحصل على الظفر حصل على الْعذر فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون إِن هَذَا الرجل الَّذِي هُوَ قاصدنا أملك منا بالبلاد وَلَا يمكننا مقاومته قَالَ الشَّيْخ يَنْبَغِي أَن تمحو هَذَا من نَفسك وَلَا تصغي إِلَى من ينْطق بِهِ فَإِنَّهُ مَا كثر من كَثْرَة الْبَغي وَلَا قوي من قواه الظُّلم وَإِن أَخَاك ظَالِم بَاغ عَلَيْك فَهُوَ هَالك لَا محَالة وَأَنت مَنْصُور عَلَيْهِ ظافر بِهِ
[ ٥١٢ ]
وسأحدثك حَدِيثا إِن حذوت مِثَاله نلْت مناله فَقَالَ الْمَأْمُون هَات يَا شيخ قَالَ إِن اخشنوار ملك الهياطلة لما أسر فَيْرُوز بن يزدجرد ملك الْفرس وَأَرَادَ إِطْلَاقه أَخذ عَلَيْهِ عهدا أَن لَا يَغْزُو بِلَاده وَلَا يَقْصِدهُ بمكروه وَلَا يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِسوء وَوضع فِي أقْصَى تخوم أَرض الهياطلة صَخْرَة وواثق فَيْرُوز أَن لَا يتَجَاوَز أحد مِنْهُمَا تِلْكَ الصَّخْرَة بِجَيْش وَلَا مَكْرُوه لصَاحبه ثمَّ أطلقهُ بَعْدَمَا استوثق مِنْهُ الخشنوار بالعهود فَلَمَّا وصل فَيْرُوز إِلَى دَار ملكه داخلته الحمية والأنفة وعزم على غَزْو الخشنوار وعَلى أَخذ بِلَاده وَاسْتِيفَاء ثَأْره فَجمع وزراءه وشاورهم فِي ذَلِك فحذروه النكث وخوفوه عَاقِبَة الْبَغي والغدر فَمَا ردعه ذَلِك عَمَّا عزم عَلَيْهِ فاذكروه أيمانه الَّتِي حَلفهَا لَا خشنوار والصخرة الَّتِي بَين المملكتين فَقَالَ لَهُم إِنِّي عاهدته بِأَن لَا أتجاوزها بجيوشي وَإِذا أَنا بلغتهَا حملتها على
[ ٥١٣ ]
فيل بَين يَدي جيوشي فَلَا يتجاوزها أحد مِنْهُم وَإِذا فعلت ذَلِك فَلَا أكون نَاكِثًا وَلَا غادرا فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك مِنْهُ علمُوا أَن الْهوى قد وقف بِهِ على حد الرِّضَا بِهَذَا القَوْل والتأويل فامسكوا عَنهُ ثمَّ إِن فَيْرُوز جمع مرازبته وهم أَرْبَعَة مَعَ كل مرزبان مِنْهُم خَمْسُونَ ألف فَارس وامرهم بالتجهز لِحَرْب الهياطلة فَلَمَّا فعلوا ذَلِك سَار بهم فَيْرُوز وَظن أَن جيوشه لَا غَالب لَهَا لكثرتها وَشدَّة شوكتها فعارضه موبذان موبذ فِي طَريقَة فَقَالَ أَيهَا الْملك لَا تفعل فَإِن رب الْعِزَّة وخالق الْعَالم يُمْهل الْمُلُوك على الْجور وَلَا يمهلهم إِذا أخذُوا فِي هدم أَرْكَان الدّين وَإِن العهود من أَرْكَان الدّين فَلَا تعرض لَهُ بِسوء فتهلك فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامه وَسَار رَاكِبًا هَوَاهُ فِي مَعْصِيَته ومخالف نصحائه حَتَّى انْتهى إِلَى الصَّخْرَة الَّتِي جعلهَا حاجزا بَين أرضه وَأَرْض اخشنوار فحملها على فيل وسيرها بَين يَدي عسكره وَإِن الخشنوار لما بلغه مسير فَيْرُوز إِلَيْهِ حمل نَفسه على التثبت وفوض أمره إِلَى الرب الْأَعْلَى وَسَأَلَهُ أَن يغْضب لعهوده
[ ٥١٤ ]
ومواثيقه الَّتِي لم يرع حَقّهَا فَيْرُوز وَلَا خَافَ تبعه نكثها وَأخذ فِي ذَلِك بالحزم فِي سد ثغوره وَجمع جنده ثمَّ خرج إِلَى فَيْرُوز بَعْدَمَا توَسط أرضه وعاث فِي بِلَاده ففاجأه الخشنوار وَصدقه الحملة فانكشف فَيْرُوز مُنْهَزِمًا وَأسلم مَا كَانَ بِيَدِهِ فَقتل اخشنوار رِجَاله وغنم أَمْوَاله وأمعن فِي طلب فَيْرُوز فظفر بِهِ وَقَتله وَأسر أهل بَيته وحماة أَصْحَابه وَاسْتولى على بِلَاده كل ذَلِك بِسَبَب الْغدر وَنقص الْمِيثَاق وَكَذَلِكَ سَبَب أَخِيك لغدره بك وَنقض مِيثَاق أَبِيك وَأَنت ظافر بِهِ لَا محَالة فَلَمَّا سمع الْمَأْمُون كَلَام الشَّيْخ تهلل وَجهه وَطَابَتْ نَفسه وَقَالَ قد سَمِعت مَقَالَتك فصادفت منا قبولا وشكرا عَلَيْهَا وسرورا ثمَّ حَيَاة وأكرمه وَعمل بِرَأْيهِ فأنجح الله عمله وبلغه من الْخلَافَة أمله
الْحِكَايَة الثَّالِثَة قيل إِن عبد الْملك بن مَرْوَان لما ندب
[ ٥١٥ ]
النَّاس لقِتَال عبد الله بن الزبير وَخرج بالجيش مُتَوَجها إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وعظمها وَكَانَ قد استصحب مَعَه عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ
[ ٥١٦ ]
وَكَانَ عَمْرو قد اطوى على دغل نِيَّة وَفَسَاد طوية وطماعية فِي نيل الْخلَافَة فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطّرق تمارض عَمْرو بن سعيد وَاسْتَأْذَنَ عبد الْملك بن مَرْوَان فِي الْعود إِلَى دمشق فَأذن لَهُ فَلَمَّا دخل دمشق صعد الْمِنْبَر فَخَطب النَّاس خطْبَة نَالَ فِيهَا من عبد الْملك ودعا النَّاس إِلَى خلعه من الْخلَافَة فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وَبَايَعُوهُ
[ ٥١٧ ]
وَاسْتولى على دمشق وحصن سورها وَحمى ثغورها وبذل الرغائب
ثمَّ اتَّصل الْخَبَر إِلَى النُّعْمَان بن بشير أميرحمص فَنزع يَده من الطَّاعَة أَيْضا وَكَذَلِكَ صنع زفر بن الْحَارِث أَمِير
[ ٥١٨ ]
قنسرين وَكَذَلِكَ نائل بن قيس أَمِير فلسطين ثمَّ تشوف أهل الثغور للْخلاف فَبلغ ذَلِك عبد الْملك بن مَرْوَان فَخرج على وزرائه وَأهل خاصته فا طلعهم على مَا بلغه وَقَالَ هَذِه دمشق دَار ملكنا قد استولى عَلَيْهَا عَمْرو بن سعيد وَهَذَا عبد الله بن الزبير قد استولى على الْحجاز وَالْعراق واليمن وَهَذَا النُّعْمَان بن بشير أميرحمص وَزفر أَمِير قنسرين ونائل بن قيس أَمِير فلسطين قد نزعوا أَيْديهم من الطَّاعَة وَبَايع النَّاس لِابْنِ سعيد وَقد تشوف أهل الثغور للْخلاف فَمَا عنْدكُمْ من الرَّأْي
[ ٥١٩ ]
قَالَ فَلَمَّا سمعُوا مقَالَته ذهلت عُقُولهمْ ونكسوا رؤوسهم فَقَالَ لَهُم مالكم لَا تنطقون فَهَذَا وَقت الْحَاجة إِلَيْكُم هَل ترَوْنَ الرُّجُوع إِلَى دمشق أصوب أم التَّوَجُّه إِلَى ماخرجنا إِلَيْهِ أحزم أم اللحاق بفلسطين أَجود أم النُّزُول على حمص واستنزال النُّعْمَان مِنْهَا آكِد أم الانحياز فِي هَذَا الْوَقْت إِلَى مصر أغنم كَيفَ ترَوْنَ الرَّأْي فَقَالَ لَهُ أفضلهم لَا أرى عندنَا فِي هَذَا وَالله لقد وددت أَن أكون حرباء
[ ٥٢٠ ]
على عود من أَشجَار تهَامَة حَتَّى تَنْقَضِي هَذِه الْفِتْنَة قَالَ فَلَمَّا سمع عبد الْملك كَلَامه علم أَنه لَا غنى لَهُ عِنْدهم فَقَامَ عَنْهُم وَأمرهمْ بِلُزُوم مواضعهم وَركب من فوره مُنْفَردا وَهُوَ يَقُول
(تكاثرت الظباء على خرَاش فَمَا يدْرِي خرَاش من يصيد)
وَأمر جمَاعَة من أَصْحَابه أَن يركبُوا متباعدين مِنْهُ بِحَيْثُ يرَوْنَ إِشَارَته إِذا أَشَارَ إِلَيْهِم وَسَار ثمَّ تبعه الْقَوْم فَلم يزل سائرا مُنْفَردا حَتَّى أَتَى إِلَى شيخ كَبِير السن ضَعِيف الْجِسْم يجتني العفص من الْأَشْجَار
[ ٥٢١ ]
فَسلم عَلَيْهِ عبد الْملك ثمَّ قَالَ لَهُ أَيهَا الشَّيْخ أَلَك علم بمنزل هَذَا الْعَسْكَر فَقَالَ بَلغنِي أَنهم نزلُوا بِأَرْض كَذَا وَكَذَا قَالَ فَهَل بلغك شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس فِي أَمر الْخَلِيفَة قَالَ فَمَا سؤالك عَن ذَلِك قَالَ لِأَنِّي أُرِيد اللحاق بِهِ وَالدُّخُول عَلَيْهِ وَقد سَمِعت أَن عَمْرو بن سعيد قد خَالفه إِلَى دمشق وَاسْتولى عَلَيْهَا فَقَالَ الشَّيْخ إِنِّي أَرَاك أديبا وأحسبك حسيبا فَهَل تحب أَن أنصح لَك قَالَ نعم أَيهَا الشَّيْخ قَالَ يَنْبَغِي لَك أَن تصرف نَفسك عَن هَذَا الْأَمر الَّذِي ترغب إِلَيْهِ فَإِن الْأَمِير الَّذِي أَنْت قاصده قد انْحَلَّت عرى ملكه وَقد نابذه أَتْبَاعه واضطربت أُمُوره
وَإِن السُّلْطَان فِي حَال اضْطِرَاب أُمُوره كالبحر فِي حَال هيجه لاينبغي أَن يقرب أحد مِنْهُ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك إِن الحنكة لم تبلغ بِي فِي مغالبة نَفسِي فِي كل مَا نزعت إِلَيْهِ وَإِنِّي أَجدهَا تنْزع إِلَى صُحْبَة
[ ٥٢٢ ]
هَذَا الْأَمِير نزاعا شَدِيدا وَلَا بُد لي من ذَلِك فَهَل لَك أَن تُخبرنِي بِمَا ترَاهُ من الرَّأْي فِي تَدْبيره لهَذِهِ الخطوب الَّتِي دهمته حَتَّى أعرض ذَلِك الرَّأْي عَلَيْهِ وأتنفق بِهِ عِنْده فَلَعَلَّهُ أَن يكون سَببا لقربي مِنْهُ فَقَالَ الشَّيْخ إِن حِكْمَة الله تَعَالَى وعزته لتقضيان بحجب الْعُقُول والأراء عَن النّفُوذ فِي بعض النَّوَازِل وَإِنِّي لأَظُن أَن هَذِه النَّازِلَة الَّتِي نزلت بالخليفة من النَّوَازِل الَّتِي لَا ينفذ فِيهَا الرَّأْي وَإِنِّي أكره مَعَ ذَلِك أَن أرد مسألتك بالخيبة فها أَنا أَقُول لَك فِيمَا سَأَلتنِي عَنهُ قولا أَقْْضِي بِهِ حَقك وَإِن كَانَ الْخطب عَظِيما قَالَ عبد الْملك إِنِّي لأرجوا أَن يرشدك الله ويرشدني بك فَقَالَ الشَّيْخ إِن عبد الْملك خرج لمحاربة عبد الله بن الزبير فَظهر من مَشِيئَة الله تَعَالَى مَا صده عَن ذَلِك وَإِنِّي مشير عَلَيْك أَن تتفقد حَال عبد الْملك فَإِن رَأَيْته قد قصد عبد الله بن الزبير فَاعْلَم أَنه مخذول لامحالة لِأَنَّهُ لج فِي طلب مَا منع مِنْهُ وَإِن رَأَيْته رَجَعَ من حَيْثُ
[ ٥٢٣ ]
جَاءَ فارجوا لَهُ السَّلامَة والنصر لِأَنَّهُ مستقيل فَقَالَ لَهُ عبد الْملك أَيهَا الشَّيْخ أوضح لي مَا ذكرت لينطبع فِي فهمي صورته قَالَ الشَّيْخ إِن عبد الْملك إِذا قصد عبد الله بن الزبير كَانَ فِي صُورَة ظَالِم لَهُ لِأَن ابْن الزبير لم يُعْطه قطّ طَاعَة وَلَا وثب لَهُ على مملكة فَأَما إِذا قصد عَمْرو بن سعيد بِدِمَشْق فَإِنَّهُ يكون فِي صُورَة مظلوم لِأَن عمرا رجل من رَعيته طلب الْخلَافَة لنَفسِهِ واغتصب دَار ملك لم تكن لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ بل كَانَت لعبد الْملك ولأبيه ثمَّ إِن عمروا بن سعيد ظَالِم لَهُ من وَجه آخر وَذَلِكَ أَنه ابْن عَم عبد الْملك وَعز عبد الْملك عز لَهُ وَقد كَانَ محسنا إِلَيْهِ فَلَمَّا خرج عبد الْملك لتشييد عز نصب عمروا بن سعيد مِنْهُ أوفر حَظّ غدر بِهِ ونكث عَهده فخذله ثمَّ سعى فِي اجتثاثه من
[ ٥٢٤ ]
أَصله وأشمت بِهِ عدوهما فرجوع عبد الْملك إِلَى دمشق استقالة وَهُوَ أشبه بالتفويض وَالتَّسْلِيم لأمر الله تَعَالَى وَلَا شكّ أَنه يظفر بِمن خانه وبغى عَلَيْهِ وَنقض عَهده فَإِن الْبَاغِي مصروع وَإِذا ظفر بِهِ استقال النُّعْمَان وَزفر وَمن عَداهَا من أهل الثغور وَرَجَعُوا إِلَى الطَّاعَة عِنْد مُعَاينَة الظفر بِعَمْرو بن سعيد
قَالَ فسر عبد الْملك بمقاله الشَّيْخ وعزم على اتِّبَاع رَأْيه وَقَالَ لَهُ جَزَاك الله خيرا يَا شيخ فقد أَحْسَنت فِيمَا أَشرت فاخبرني بِاسْمِك وَأَيْنَ مَنْزِلك فَقَالَ الشَّيْخ وَمَا تُرِيدُ من ذَلِك قَالَ لأقضي حَقك
[ ٥٢٥ ]
فارفع إِلَيّ حوائجك فَإِنِّي أَنا عبد الْملك فَقَالَ الشَّيْخ وَأَنا أَيْضا عبد الْملك فَهَلُمَّ بِنَا نرفع حوائجنا جَمِيعًا إِلَى من أَنا وَأَنت لَهُ عَبْدَانِ ثمَّ تَركه الشَّيْخ وَانْصَرف قَالَ فَذهب عبد الْملك وَعمل بِرَأْي الشَّيْخ فأنجح وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٥٢٦ ]
الْبَاب الْعَاشِر فِي معرفَة أصُول السياسة وَالتَّدْبِير
إعلم أَن الْملك الْعَظِيم يحسن بِهِ أَن يكون فِي تصاريف تَدْبيره وسياسة أُمُوره متشبها بطباع ثَمَانِيَة وَهِي الْغَيْث وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالرِّيح وَالنَّار وَالْمَاء وَالْأَرْض وَالْمَوْت
أما الْغَيْث فَإِنَّهُ ينزل متواترا فِي أَرْبَعَة أشهر من السّنة فيساوي بَين كل أكمة مشرفة وَمَوْضِع منخفض فتخزن تِلْكَ الْبِقَاع مَا تغذي مِنْهُ نباتها فِي الثَّمَانِية الْأَشْهر الْبَاقِيَة من السّنة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي
[ ٥٢٧ ]
للْملك أَن يُعْطي جنده وعماله فِي أَرْبَعَة أشهر للثمانية أشهر الْبَاقِي حسب مَا يرَاهُ من الْمصلحَة فَيجْعَل رفيعهم ووضيعهم فِي الْحق الَّذِي يستوجبه فِي الْقِسْمَة بَينهم على قدر مَرَاتِبهمْ كَمَا يُسَوِّي الْغَيْث بَين بقاع الأَرْض
[ ٥٢٨ ]
وَأما الشَّمْس فَإِنَّهَا تستقض بحرها وحدة وقعها فِي الثَّمَانِية أشهر الْبَاقِيَة من السّنة نداوة الْغَيْث الَّذِي تَوَاتر فِي أَرْبَعَة أشهر كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يستقضي قبض مَا حل من خراجه فِي الثَّمَانِية أشهر
[ ٥٣٠ ]
الْبَاقِيَة من السّنة وَاسْتِيفَاء جَمِيع حُقُوقه من رَعيته من ثمن غلاتهم وَمَا شيتهم وَغير ذَلِك من الْحُقُوق الْوَاجِبَة لَهُ عَلَيْهِم كَمَا تستقض الشَّمْس نداوة الْغَيْث من الأَرْض
وَأما الْقَمَر فَإِنَّهُ إِذا طلع لتمامه انْتَشَر نوره على الْخلق وَأنس النَّاس لضوئة وإشراقه واستوى فِي ذَلِك الْقَرِيب والبعيد وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون فِي بهجته ورتبته وإشراقه فِي مَجْلِسه وإيناس الرّعية بِهِ وعدله مثل الْقَمَر فِي طلوعه وإشراقه فَلَا يخص شريفا دون وضيع بعدله وإيناسه وَلَا يحتجب عَنْهُم فتظلم أَحْوَالهم وَيَزُول أنسهم
[ ٥٣١ ]
ويقل انتعاشهم كَمَا إِذا احتجب الْقَمَر فِي اللَّيَالِي السود
وَأما الرّيح فَإِنَّهَا بلطفها مُحِيطَة بالعالم السفلي وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون بِلُطْفِهِ وحذق جواسيسه وعيونه محيطا بِمَعْرِفَة أَحْوَال رَعيته وقواده وولاه ثغوره وأعماله وحاشيته وجنده عَارِفًا بأخبار أعدائه
[ ٥٣٢ ]
ونظرائه عَالما بِمَا يعْملُونَ وَمَا يأتمرون بالعيون الثقاب والجواسيس المنتقاة
[ ٥٣٣ ]
وَأما النَّار فَيكون مثلهَا فِي الحدة على أهل الدعارة وَالْفساد
[ ٥٣٦ ]
وَأَصْحَاب الشَّرّ لايبقى أحدا مِنْهُم وَلَا يذر وَلَا يتْرك لَهُم عينا وَلَا أثرا
وَأما المَاء فَإِنَّهُ مَعَ لينه وسلاسته يقْلع الْأَشْجَار الْعَظِيمَة ويقهر من قاومه بالسباحة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون لينًا لمن لاينه شَدِيدا على من خَالفه ينصب لأعدائه الغوائل مَعَ لينه ورفقه حَتَّى يقلعهم
[ ٥٣٧ ]
كَمَا يفعل المَاء
وَأما الأَرْض فَإِنَّهَا تُوصَف بكتمان السِّرّ وَاحْتِمَال الْأَذَى وَالصَّبْر على المكاره وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون مثلهَا فِي جَمِيع ذَلِك
وَأما الْمَوْت فَإِنَّهُ يَأْتِي بَغْتَة ويعافص أهل اللَّذَّات على مَا هم عَلَيْهِ وَلَا يقبل مِمَّن نزل بِهِ رشوة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يبغت
[ ٥٣٨ ]
عدوة من حَيْثُ لَا يشْعر بِهِ ويعافص أهل الْعَدَاوَة والدعارة فِي غفلاتهم كَمَا يفعل الْمَوْت
وَاعْلَم أَن المملكة مثلهَا مثل الْبُسْتَان فَيَنْبَغِي أَن يسوسها الْملك فِي غَالب الْأَحْوَال كَمَا يسوس صَاحب الْبُسْتَان بستانه فَمن ذَلِك أَنه ينتخب أهل الشكيمة من جنده وَذَوي الشَّوْكَة من أعوانه فيجعلهم فِي
[ ٥٣٩ ]
أقاصي بِلَاده وأطرف مَمْلَكَته ليحفظ بهم الرّعية كَمَا يفعل صَاحب الْبُسْتَان فَإِنَّهُ يخرج الشّجر ذَوَات الشوك وَمَا فضل من العيدان فيحيط بهَا على الشَّجَرَة المثمرة والزرائع الطّيبَة لقيها من أهل الْفساد وَالدَّوَاب المؤدية ثمَّ يطهر رَعيته من أهل الْفساد والدعارة ويخرجهم من بَينهم أَو يصلحهم بِإِقَامَة الْحُدُود وَإِظْهَار السياسة فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك صلحت أَحْوَال الرّعية وانتعشوا وَكثر خَيرهمْ كَمَا يفعل صَاحب الْبُسْتَان فَإِنَّهُ ينقي بستانه من الْحَشِيش الَّذِي لَا فَائِدَة فِيهِ وَيخرج مَا فِيهَا من الشوك والنبات الْخَبيث فينتعش زَرعهَا وينموا شَجَرهَا ويطيب ثَمَرهَا وَمَتى حل خراج الْملك أَو تعين لَهُ حق على رَعيته من أَمْوَال الثِّمَار والغلات فَلَا يُؤَخر قَبضه عَن وَقت مَحَله فَيكون معرضًا للهلاك بآفات الزَّمَان كَمَا يفعل صَاحب الْبُسْتَان فَإِنَّهُ لَا يُؤَخر اجتناء مَا نضج من ثمره وَمَا طلع من ورده لِأَنَّهُ إِن لم يُبَادر ألى الْتِقَاطه سقط على الأَرْض
[ ٥٤٠ ]
وأحاطت بِهِ الْآفَات وَيَنْبَغِي أَن يتَعَاهَد أَبنَاء جنده وأعوانهم الَّذين مَاتُوا فِي خدمته وطاعته ويرضخ لَهُم من بَيت مَاله رزقا يقوم بكفايتهم فَإِنَّهُم أَرْجَى للْملك عِنْد بلوغهم وَأَشد نصحا فِي خدمته من غَيرهم كَمَا يتَعَاهَد صَاحب الْبُسْتَان خوالف شَجَرَة الهالكة بالسقي والتربية
[ ٥٤١ ]
لما يرجوه من خَيرهَا واستطابة ثَمَرهَا وَمَتى تباغض قائدان من قواده وَكَانَا متجاورين فِي مَوضِع فَيَنْبَغِي أَن يفرق بَينهمَا لِأَن خيرهما لَا يُرْجَى مَا داما متجاورين وَرُبمَا نتج مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا مَا لَا يُمكن تلافيه كَمَا يفرق صَاحب الْبُسْتَان بَين الشجرتين إِذا تداخلت أغصانهما لعلمه أَن خيرهما لَا يُرْجَى مَا دامتا كَذَلِك وَاعْلَم أَن الرّعية وَإِن كَانَت ثمارا مجتناة وذخائر مقتناة وسيوفا منتقاة وأحراسا مرتضاة فَإِن لَهَا نفارا كنفار الوحوش وطغيانا كطغيان السُّيُول وَمَتى قدرت على أَن تَقول قدرت على أَن تصول
[ ٥٤٢ ]
وهم ثَلَاثَة أَصْنَاف يَنْبَغِي للْملك أَن يسوسهم بِثَلَاث سياسات
صنف من أهل الْعقل والديانة وَالْفضل يعلمُونَ فضل الْملك وَطول عنائه ويرثون لَهُ من ثقل أعبائه فسياسة هَؤُلَاءِ تحصل بالبشر عِنْد لقائهم واستماع أَحَادِيثهم وَحسن الإصغاء إِلَيْهِم
وصنف فيهم خير وَشر فسياسة هَؤُلَاءِ تحصل بالترغيب والترهيب
[ ٥٤٣ ]
وصنف هم السفلة الرعاع أَتبَاع كل دَاع فسياسة هَؤُلَاءِ بإخافة غير مقنطعة وعقوبة غير مفرطة وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك مِنْهُ إِلَّا أَن يكون أغلب أَوْصَافه عَلَيْهِ الرَّحْمَة للرعية لِأَن الْملك إِنَّمَا يتَمَيَّز عَن السوقة بفضيلتين فَضِيلَة ذَاته وفضيلة آلاته
أما فَضِيلَة ذَاته فَخمس خِصَال رَحْمَة تشد رَعيته ويقظة تحوطهم وصولة تذب عَنْهُم وفطنة يكيد بهَا الْأَعْدَاء وحزامه ينتهز بهَا الفرص إِذا أمكنته وَأما فَضِيلَة آلاته فستة وَهِي وفور أَمْوَاله وَكَثْرَة
[ ٥٤٤ ]
أجناده وحصانه معاقله واتخاذ المباني الْوَثِيقَة وإعداد الملابس السّنيَّة وَتَحْصِيل الذَّخَائِر النفيسة وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يعْتَمد على فطنته وَقُوَّة حيلته وَكَثْرَة مَاله وجنده وحصانه معاقلة فَيتْرك الاستعداد للنوازل وَلكُل مَا يجوز وُقُوعه من الْحَوَادِث فَيكون مثله كَمثل خطيب اعْتمد على فصاحة لِسَانه وَقُوَّة بديهته فَترك تزوير القَوْل وترتيبه ثمَّ صعد فيوشك أَن يستولي عَلَيْهِ العي عِنْد الْحَاجة
بل يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم فِي الْحِيلَة لِلْأَمْرِ قبل نُزُوله فَإِن الْأُمُور إِذا
[ ٥٤٥ ]
نزلت ضَاقَتْ عَنْهَا الْحِيَل فَهُوَ فِي الْمثل كالسكر الَّذِي يسكر على الأَرْض الَّتِي يخَاف غرقها فَإِنَّهُ إِن عمل قبل وُصُول المَاء إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يثبت وَيمْنَع الضَّرَر عَنْهَا وَإِن وصل المَاء إِلَيْهَا فَلَا حِيلَة فِيهِ بالسكر أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(أقدر بغيرك أَمر نَفسك وَاعْتبر وَانْظُر وَأَنت من الْأُمُور بمنظر)
(وَإِذا هَمَمْت بورد أَمر فالتمس من قبل مورده طَرِيق الْمصدر)
وَإِذا عرف الْملك وَجه الكيد الَّذِي يكيد بِهِ عدوه فَيَنْبَغِي أَن
[ ٥٤٦ ]
يحترس من مثلهَا لِأَنَّهُ إِذا لم يحترس من مثلهَا كَانَ بِمَنْزِلَة الرَّامِي
[ ٥٤٧ ]
الخاسر فِي الْحَرْب الَّذِي لَا تصير مَعَه فَهُوَ إِن أصَاب برمية فَهُوَ مستهدف رمية غَيره وَكَذَلِكَ الْملك إِذا احتال على عدوه بضروب الْحِيَل ثمَّ لم يتحفظ من كل مايظن أَن يبلغهُ من عدوه كَانَ عمله مَعُونَة عَلَيْهِ غير نَافِع لَهُ فِي الْعَاقِبَة وَقد كَانَ يُقَال احترس من تدبيرك على عَدوك كَا حتراسك من تَدْبيره عَلَيْك
فَرب هَالك بِمَا دبر وساقط فِي الْبِئْر الَّذِي حفر وجريح بِالسِّلَاحِ الَّذِي شهر وَيَنْبَغِي للْملك أَن يَأْخُذ فِي سَائِر أُمُوره بالحزم وَصدق الْعَزْم وَلَا يتْرك الاحتراس
[ ٥٤٨ ]
والحذر فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الحزم سوء الظَّن وَلَا يكون ظَنّه حَقِيقَة بل للحذر وَالِاحْتِيَاط
وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء مَا الحزم قَالَ أَن تحذر من كل مَا يُمكن وُقُوعه قيل فَمَا الْعَجز قَالَ أَن تأمن مِمَّا يُمكن وُقُوعه
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(لاتترك الحزم فِي شَيْء تحاذره فَإِن سلمت فَمَا فِي الحزم من بَأْس)
(العجزذل وَترك الحزم منقصه واحزم الحزم سوء الظَّن بِالنَّاسِ)
وَإِذا حاول الْملك أمرا عرض لَهُ فليشمر فِي طلبه عِنْد إِمْكَان
[ ٥٤٩ ]
الفرصة وَلَا يتراخ عَنهُ لصغره فَإِن وثبه الْأسد على الأرنب هِيَ الَّتِي يثب بهَا على الْفِيل وَمَتى استهان الْملك بِالْأَمر الصَّغِير عَاد كَبِيرا فَإِن القروح الَّتِي تظهر فِي الْجَسَد إِذا استهان بهَا الْإِنْسَان لصغرها صَارَت إِلَى أعظم العلاج وأكبر المداواة أَنْشدني بَعضهم
[ ٥٥٠ ]
(لَا تحقرن عدوا رما ك وَإِن كَانَ فِي ساعديه قصر)
(فَإِن السيوف تحز الرقا ب وتعجز عَمَّا تنَال الابر)
وَإِذا وَقع الْملك فِي أَمر من عدوه يخَاف فِيهِ على نَفسه وسلطانه فَيَنْبَغِي أَن يُعْطي بِلِسَانِهِ كل مَا يُرْضِي عدوه مظْهرا للرقة والانقباض وَهُوَ مَعَ ذَلِك يكون متيقظا محترسا مستعدا للوثبة عَلَيْهِ إِذا أمكنته الفرصة كالصقر الَّذِي يظْهر الذلة والانقباض عِنْد صَيْده ثمَّ ينْقض انقضاضة إِذا أمكنته الفرصة ينَال فِيهَا حَاجته وَقد كَانَ يُقَال الحزم الْتِزَام مداجات الْعَدو مَا دَامَت لَهُ ريح هابة ودولة مقبلة كَمَا أَن الْعَجز إِضَاعَة الفرصة فِيهِ إِذا ركدت وأدبرت دولته وأنشدني بَعضهم
[ ٥٥١ ]
فِي هَذَا الْمَعْنى
(وَإِذا عجزت عَن الْعَدو فداره وامزح لَهُ إِن المزاح وفَاق)
(فَالنَّار بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ ضدها تُعْطِي النضاج وطبعها الإحراق)
فَإِن دهمه أَمر لَا طَاقَة لَهُ بِهِ فِي أَمر من أُمُور مَمْلَكَته وأشرف مِنْهُ على أَن يذهب كُله وَرَأى أَن يتلطف بالحيلة فِي أَن يرجع إِلَيْهِ بعضه فَلْيفْعَل ذَلِك وَيكون رابحا وَلَا يذهب بِهِ الأسف والأنفة والتمادي حَتَّى يذهب كُله فَيكون مغبونا فَإِن الْعَاقِل إِذا أشرف لَهُ ابْنَانِ على الهلكة وطمع فِي نجاة أَحدهمَا بِمَوْت الآخر فَإِن نَفسه تسمح مَوته لنجاة أَخِيه وَلَا يداخله الإشفاق عَلَيْهِمَا والجزع فيهلكا جَمِيعًا
وَإِذا عادى الْملك رجلا فَلَا يعادي كل جنسه فَإِنَّهُ رُبمَا انْتفع
[ ٥٥٢ ]
ببعضهم انتفاعه بِأَهْل مودته فَإِن السَّيْف الَّذِي يقتل بحده وَيقطع بمضاوته هُوَ من جنس الدرْع الَّذِي يتحصن بِهِ عَن مضاوة حد السَّيْف
وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يشْتَد جزعه على مَا فَاتَهُ وَذهب عَنهُ فَإِن فعل ذَلِك تعجلت لَهُ المساءة بِمَا لَا يقدر على ارتجاعه ويستسلف الْحَسْرَة على مَا لَا يقدر على استدراكه ثمَّ يشْغلهُ ذَلِك عَن تَدْبِير مُسْتَأْنف أمره وَإِصْلَاح بَاقِي شَأْنه وَرُبمَا أفْضى بِهِ الْحَال إِلَى الْهَلَاك فَإِن شدَّة الْجزع مهلك فقد حُكيَ أَن ملكا من مُلُوك الْفرس جلس على سَرِيره فِي يَوْم نيروز وَجعل النَّاس يهْدُونَ لَهُ أَصْنَاف الْهَدَايَا فَدخل عَلَيْهِ
[ ٥٥٣ ]
الموبذ وَمَعَهُ ظرف مغطى فأهداه إِلَيْهِ فَلَمَّا كشف عَنهُ رأى فِيهِ فحمتين فَقَالَ الْملك مَا هَذَا فَقَالَ أَيهَا الْملك إِن إِحْدَاهمَا بازي وَالْآخر دراجة وَإِنِّي رَأَيْت الْبَازِي أرسل على الدراجة فَلم يزل يتبعهَا وَهِي تطير بَين يَدَيْهِ إِلَى أَن أَتَيَا أجمة قد وَقعت فِيهَا نَار فَحمل الْجزع الدراجة على اقتحامها وَحمل الْبَازِي الْحِرْص على إتباعها فاحترقا جَمِيعًا فَرَأَيْت أَن خير الْهَدَايَا هَذِه الموعظة فأهديتها لَك فاجتنب أَيهَا الْملك الإفراط فِي الْجزع والحرص فَإِنَّهُمَا
[ ٥٥٤ ]
سائقان إِلَى الهلكة فَقَالَ الْملك مَا أهديت لي هَدِيَّة أَنْفَع من هَذِه الْهَدِيَّة
وَمَتى صنع الْملك بخطأ الرَّأْي شَيْئا فَأصَاب فِيهِ فَلَا يعاودنه ثَانِيًا طَمَعا فِيمَا ناله أَولا فَإِن من وطىء حَيَّة فنجا مِنْهَا جدير أَن لَا يتَعَرَّض لَهَا بِالْوَطْءِ مرّة أُخْرَى
وَاعْلَم أَن كبار أعوان الْملك مَشَايِخ دولته الَّذين صحبوا أسلافه من الْمُلُوك لأَنهم وَإِن برأهم الزَّمَان بحده فقد بَقِي كرم جوهرهم ومحض مَوَدَّتهمْ فهم يزدادون فِي النصح اجْتِهَادًا وَفِي الْبُؤْس صبرا وجلادا وَمثلهمْ كَمثل دعائم الساج للبيت فَإِنَّهَا كلما مر عَلَيْهَا الزَّمَان ازدادت قُوَّة وصلابة حَتَّى أَن الأرضة لَو حاولت نقب عودهَا لم ينفذ عَملهَا فِيهَا فَيكون الْبَيْت بهَا أقوم وَأثبت
وَيَنْبَغِي للْملك أَن لَا يصحب فِي أعوانه كذابا وَلَا مطبوعا على شَرّ لِأَن الْكذَّاب إِذا حدث كذب وَإِذا حَدثهُ الْملك لم يصدقهُ لما يظنّ فِي
[ ٥٥٥ ]
نَفسه والمطبوع على الشَّرّ غير تَارِك لطباعه لِأَنَّهَا أملك بِهِ فَيكون الْملك مَعَه على خطر وَلَا يطْمع الْملك فِي استصلاحهما ونقلهما عَن طباعهما فَإِنَّهُمَا بِمَنْزِلَة القرد الَّذِي يطعم الدسم والحلاوة ليسمن جِسْمه وَيحسن وَجهه فَهُوَ وَإِن سمن جِسْمه لَا يزْدَاد وَجهه إِلَّا قبحا
وَمَتى كَانَ الْملك يضْبط أُمُوره ويصول على عدوه بِقوم لَيْسَ مِنْهُم على ثِقَة من رأى وَلَا حفاظ فَهُوَ مِنْهُم على أعظم خطر حَتَّى يحملهم إِن اسْتَطَاعَ على الرَّأْي وَالْأَدب الَّذِي بِمثلِهِ تكون الثِّقَة أَو يسْتَبْدل بهم وَلَا يغرنه مِنْهُم قوته بهم على غَيرهم فَإِنَّمَا هُوَ كراكب الْأسد الَّذِي يهابه من ينظر إِلَيْهِ وَهُوَ لمركبه أهيب
وَمَتى أسرف الْملك فِي توسعة الأرزاق على جنده أبطرهم وَمَتى ضيق عَلَيْهِم أحقدهم فَيكون فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ معرضًا للهلاك
[ ٥٥٦ ]
فَإِن الْأَسْبَاب الَّتِي تجر الهلك إِلَى الْملك ثَلَاثَة أَسبَاب أَحدهَا من جِهَة الْملك وَهُوَ أَن تغلب شهواته على عقله فَلَا تسنح لَهُ لَذَّة إِلَّا افتضها وَلَا رَاحَة إِلَّا افترضها الثَّانِي الوزراء وَهُوَ تحاسدهم الْمُقْتَضِي لتعارض الآراء فَلَا يسْبق أحدهم إِلَى حق إِلَّا فندوه وعارضوه الثَّالِث من جِهَة الْجند وخواص الأعوان وَهُوَ النّكُول عَن الجلاد وَترك المناصحة فِي الْجِهَاد وهم صنفان
الصِّنْف الأول وسع الْملك عَلَيْهِم الأرزاق فأبطرهم الترف والتنعم وافتراص اللَّذَّات فضنوا بنفوسهم وخافوا عَلَيْهَا عِنْد لِقَاء الْأَعْدَاء فَمَنعهُمْ ذَلِك من الْإِقْدَام
الصِّنْف الثَّانِي قتر الْملك عَلَيْهِم الأرزاق فانطووا مِنْهُ على حقد ونفاق فنصبوا لَهُ الغوائل وأسلموه عِنْد النَّوَازِل
وَيَنْبَغِي للْملك أَن يتعرف أَسبَاب الْفِتَن ونتائجها المفضية إِلَى
[ ٥٥٧ ]
اخْتِلَاف الْكَلِمَة وَالْخُرُوج عَن الطَّاعَة ليحسم موادها وَيقطع أَسبَابهَا
فقد قيل إِن ملكا من مُلُوك الْعَجم كتب إِلَى حَكِيم من حكمائهم يَقُول إِن الْحُكَمَاء قد أَكْثرُوا من وصف أَسبَاب الْفِتَن فَاكْتُبْ إِلَيّ بِمَا ينشئها وَبِمَا يميتها فَكتب إِلَيْهِ يَقُول ينشئها ضغائن وينتجها أطماع لم يقمعها هَيْبَة وجرأة عَامَّة يولدها استخفاف بالخاصة وآكدها انبساط الألسن بضمائر الْقُلُوب وغفلة أَمِير ملتذ ويقظة قوى
[ ٥٥٨ ]
محروم ويميتها عز السالب وذل المسلوب ودرك البغية وَمَوْت الأمل وَتمكن الرعب فَكتب إِلَيْهِ إِن الَّذِي وصفت كَمَا وصف فَأَي الْأُمُور أدفَع لما ذكرت فَكتب إِلَيْهِ الْحَكِيم أَخذ الْعدة لكل مَا يخَاف وُقُوعه وإيثار الْجد على الْهزْل وَالْعَمَل بِالْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَالْغَضَب
وَكتب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف أَن صف لي الْفِتْنَة حَتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا فَكتب إِلَيْهِ الْحجَّاج إِن الْفِتْنَة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى وَيقوم بهَا الخطباء وحصارها بِالسَّيْفِ
وَحكي أَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁
[ ٥٥٩ ]
قَالَ يَوْمًا لجلسائه وَهُوَ مَحْصُور وددت لَو أَن رجلا صَدُوقًا أَخْبرنِي عَن نَفسِي وَعَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم يَعْنِي الَّذين يحاصرونه فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ أَنا أخْبرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك تطأطأت لَهُم فركبوك وتغافلت عَنْهُم فصلبوك وَمَا جرأهم على ظلمك إِلَّا إفراط حلمك قَالَ صدقت إجلس ثمَّ قَالَ لَهُ هَل تعلم مَا سَبَب ثيران الْفِتْنَة قَالَ نعم
[ ٥٦٠ ]
سَأَلت عَن ذَلِك شَيخا باعقة فِي الْعلم فَقَالَ لي إِن الْفِتْنَة يثيرها أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَثَرَة تضغن الْخَاصَّة
الثَّانِي حلم يجرىء الْعَامَّة
قَالَ فَهَل سَأَلته عَمَّا يخمدها قَالَ نعم إِن الَّذِي يخمدها فِي ابتدائها استقالة العثرة وتعميم الْخَاصَّة بالاثرة دون غَيرهم فَأَما إِذا استحكمت الْفِتْنَة فَلَا يخمدها غير الصَّبْر فَقَالَ عُثْمَان ﵁ هُوَ ذَاك حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَهُوَ خير الْحَاكِمين
[ ٥٦١ ]
الْبَاب الْحَادِي عشر
فِي الْجُلُوس لكشف الْمَظَالِم
اعْلَم أَن جُلُوس الْملك لكشف قصَص المظلومين والفصل بَين المتنازعين من أعظم قوانين الْعدْل الَّذِي لَا يعم الصّلاح إِلَّا
[ ٥٦٢ ]
بمراعاته وَلَا يتم التناصف إِلَّا بِهِ وَقد كَانَت مُلُوك الْفرس يرَوْنَ ذَلِك من قَوَاعِد الْملك
[ ٥٦٣ ]
وَأول من أفرد للظلامات يَوْمًا مَعْلُوما يتصفح فِيهِ قصَص المتظلمين من غير مُبَاشرَة للنَّظَر عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ إِذا وقف مِنْهَا على مُشكل رده إِلَى قاضية أبي إِدْرِيس الأودي فَينفذ فِيهِ الحكم
وَكَانَ أَبُو إِدْرِيس الْمُبَاشر وَعبد الْملك هُوَ الْآمِر ثمَّ زَاد ظلم الْوُلَاة وجور النواب بعد ذَلِك فافتقرت الحاله إِلَى الْمُبَاشرَة فَجَلَسَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ فكشف الْمَظَالِم وَهُوَ أول من بَاشر ذَلِك بِنَفسِهِ وَجعل يُرَاعِي السّنَن العادلة ورد مظالم بني أُميَّة على أَهلهَا
[ ٥٦٤ ]
حَتَّى قيل لَهُ وَقد شدد عَلَيْهِم إِنَّا نَخَاف عَلَيْك العواقب من ردهَا فَقَالَ كل يَوْم أخافه وأتقيه غير يَوْم الْقِيَامَة لَا وقيته
ثمَّ جلس لكشف الْمَظَالِم من خلفاء بني الْعَبَّاس الْمهْدي حَتَّى عَادَتْ الْأَمْلَاك إِلَى مستحقيها ثمَّ جلس لَهَا من بعده الْهَادِي ثمَّ
[ ٥٦٥ ]
الرشيد ثمَّ الْمَأْمُون وَأخر من جلس لَهَا الْمُهْتَدي
ثمَّ احتجب الْخُلَفَاء لتظاهر التّرْك وَغَيرهم عَلَيْهِم ودفعوا أَمر الْمَظَالِم إِلَى وزرائهم وَلما أفْضى ملك الشَّام إِلَى الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ ابنتى لَهُ دَارا فِي قلعة دمشق وسماها دَار الْعدْل فَكَانَ يجلس فِيهَا يتصفح قصَص المظلومين ويفصل بَين المتنازعين ولديه الْفُقَهَاء وأئمة الدّين فَيرجع إِلَيْهِم عَمَّا أشكل عَلَيْهِ من أُمُور الشَّرْع ويبت القضايا ويفصل كلما انْتهى إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْيَوْم
[ ٥٦٦ ]
وَجعل هَذَا سنة فِي جَمِيع مَدَائِن الشَّام
حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو طَاهِر إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الحصني الْحَمَوِيّ قَالَ كنت عِنْد الْملك الْعَادِل مَحْمُود بن زنكي فِي دَار الْعدْل بِدِمَشْق وَقد أخرج أَمْلَاك أهل الشَّام فَجعل ينظر فِيهَا فَلَمَّا انْتهى إِلَى ذكر خراج معرة النُّعْمَان قَالَ إِنِّي قد عزمت على انتزاع
[ ٥٦٧ ]
أَمْلَاك أهل المعرة من أَيْديهم فقد رفع إِلَيّ أهل الْخَيْر من الثِّقَات أَن جَمِيع أهل المعرة يتقارضون الشَّهَادَة فَيشْهد أحدهم لصَاحبه فِي دَعْوَى ملك حَتَّى يشْهد ذَلِك مَعَه فِي دَعْوَى أُخْرَى وَأَن الْملك الَّذِي فِي أَيْديهم إِنَّمَا حصل لَهُم بِهَذِهِ الطَّرِيقَة قَالَ فَقلت لَهُ أَيهَا الْملك إِن الله تَعَالَى أوجب عَلَيْك الْعدْل فِي رعيتك فَانْظُر واكشف وَتوقف فِي الْأُمُور إِذا رفعت إِلَيْك فَإِن أهل المعرة خلق كثير يَسْتَحِيل تواطؤهم على شَهَادَة الزُّور وانتزاع الْأَمْلَاك من أَرْبَابهَا بِمُجَرَّد هَذَا القَوْل لَا يجوز قَالَ فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ إِنِّي أمْسكهَا عَلَيْهِم ثمَّ أكشف عَنْهَا بعد ذَلِك والتفت إِلَى كَاتبه وَقَالَ اكْتُبْ كتابا إِلَى الْوَالِي فِي المعرة وليمسك جَمِيع الْملك الَّذِي فِي أَيدي أَهلهَا حَتَّى يَسْتَدْعِي الْبَيِّنَة
[ ٥٦٨ ]
فِي ذَلِك فَكَتبهُ وَوَضعه بَين يَدَيْهِ ليضع علامته عَلَيْهِ وَإِذا صبي على شاطىء بردى يُغني وَيَقُول
(اعدلوا مَا دَامَ أَمركُم نَافِذا فِي النَّفْع وَالضَّرَر)
(واحفظوا أَيَّام دولتكم إِنَّكُم مِنْهَا على خطر)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا وَزينتهَا طيب مَا يبْقى من الْأَثر)
[ ٥٦٩ ]
فَلَمَّا سَمعه الْملك الْعَادِل تغير لَونه عَيناهُ بالدموع ثمَّ نظر إِلَيّ وَقَالَ ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى فَلهُ مَا سلف وَأمره إِلَى الله﴾ ثمَّ اسْتَدَارَ نَحْو الْقبْلَة وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي استغفرك وَأَتُوب إِلَيْك مِمَّا عزمت عَلَيْهِ الْآن ثمَّ تنَاول الْكتاب فمزقه وَجعل يسْتَغْفر الله تَعَالَى جَمِيع ذَلِك الْيَوْم
وَيَنْبَغِي للْملك إِذا جلس لكشف الْمَظَالِم أَن يستكمل مَجْلِسه بِحُضُور خَمْسَة أَصْنَاف من النَّاس لَا غنى لَهُ عَن حضورهم وَلَا يَنْتَظِم أُمُور نظره إِلَّا بهم الصِّنْف الأول الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء أَصْحَاب الْفَتْوَى ليرْجع إِلَيْهِم فِيمَا أشكل ويسألهم عَمَّا أشتبه عَلَيْهِ وأعضل
[ ٥٧٠ ]
الصِّنْف الثَّانِي الْقُضَاة والحكام لاستعلام مَا يثبت من الْحُقُوق وَمَعْرِفَة مَا يجْرِي فِي مجَالِسهمْ بَين الْخُصُوم وتنفيذ القضايا وَالْأَحْكَام
الصِّنْف الثَّالِث الْعُدُول ومشايخ الْبَلدة ليشهدهم على مَا أوجبه من الْحُقُوق وأمضاه من الحكم
الصِّنْف الرَّابِع الْكتاب ليثبتوا مَا يجْرِي بَين الْخُصُوم وَمَا يُوجِبهُ الشَّرْع المطهر لَهُم أَو عَلَيْهِم من الْحُقُوق
الصِّنْف الْخَامِس الْكِبَار من حَملَة دولته وأعوانه وخاصته لتظهر بهم الرهبة وَتحصل بهم الهيبة فيخاف المعتدي فينزجر ويشتد أزر الْمَظْلُوم فينتصر
[ ٥٧١ ]
فَإِذا اسْتكْمل مجْلِس نظره بِمن ذَكرْنَاهُ شرع حِينَئِذٍ فِي تصفح الْقَصَص وتنفيذ الْأُمُور وَالنَّظَر فِي أُمُور الرّعية والولاة والعمال على مَا قدمْنَاهُ
[ ٥٧٢ ]
فِي وصف الْعدْل فِي الْبَاب الْخَامِس وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
[ ٥٧٤ ]
الْبَاب الثَّانِي عشر
فِي آدَاب صُحْبَة الْمُلُوك
إِذا أخلصك الْأَمِير لخاصته وجعلك من أهل مُجَالَسَته فَالْزَمْ الصمت وَاسْتعْمل الْوَقار وَلَا تحدثه باديا وَلَا تعد حَدِيثك عَلَيْهِ ثَانِيًا وَلَا تصل حَدِيثا بِحَدِيث وَلَا تعَارض أحدا فِي حَدِيث واخفض من
[ ٥٧٥ ]
صَوْتك وَاخْتصرَ فِي لفظك وَلَا تَعب أحدا عِنْده وَإِن كثرت عيوبه وعظمت ذنُوبه
وَإِذا جالست الْملك فغض عَيْنَيْك وَضم شفتيك وَلَا تقولن فِي غيبته مَا لَا تَقوله فِي حَضرته وَلَا تأمن أَن يكون لَهُ عَلَيْك عُيُون ترفع إِلَيْهِ أخبارك وتورد عَلَيْهِ أسرارك
وأنشدني بَعضهم فِي الْمَعْنى يَقُول شعرًا
[ ٥٧٦ ]
(إِذا صَحِبت الْمُلُوك فالبس من التواقي أجل ملبس)
(وادخل إِذا مَا دخلت أعمى واخرج إِذا مَا خرجت أخرس)
وَإِذا كَانَ لَك إِلَى الْملك حَاجَة فَلَا ترفعها إِلَيْهِ مَا لم يكن وَجهه بسيطا وَقَلبه نشيطا وَليكن على مِقْدَار حَقك لَا على مِقْدَار عزمك وَإِذا طلبتها مِنْهُ فقصر الْمقَال وتوق الملال وَلَا يحملك فرط ميله إِلَيْك على التبسط عَلَيْهِ فِي السُّؤَال فتنحط رتبتك وَتذهب حرمتك وَإِذا تحدث الْملك فاقبل عَلَيْهِ بِوَجْهِك واصغ إِلَيْهِ بسمعك واشغل بحَديثه خاطرك وبمنظره ناظرك واسمعه اسْتِمَاع مستظرف لَهُ مُسْتَبْشِرٍ بِهِ وَاحْذَرْ أَن تعاقب الْملك على تَقْصِير أَو تلومه فِي تَدْبِير فَإِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى مَقَتك وبعدك مِنْهُ بعد قربك وَلَا تكاشفه بِالنَّصِيحَةِ فِي الْخلْوَة وَلَا تنبسط عَلَيْهِ فَإِن النصح فِي الْمَلأ تقريع والتبسط عَلَيْهِ تَضْييع
[ ٥٧٧ ]
أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(تعمدني بنصح فِي انْفِرَاد وجنبني النَّصِيحَة فِي الْجَمَاعَة)
(فَإِن خالفتني لتريد نقصي فَلَا تغْضب إِذا لم تعط طَاعَة)
(فَإِن النصح بَين النَّاس ضرب من التوبيخ لَا أرْضى استماعه)
وَإِذا قربك بأنسه وأدناك من مَجْلِسه فَالْزَمْ الاحترام وقابله بالإعظام وَلَا يخْرجك مَا ترَاهُ من أنسه إِلَى الصياح ومكروه المزاح وَإِيَّاك وَإِزَالَة الحشمة وإضاعة الْحُرْمَة والهزل فِي الْكَلَام والشره فِي أكل الطَّعَام فَإِن هَذِه الْأَحْوَال تَدْعُو الْملك إِلَى الملال وَلَا تسارر فِي مَجْلِسه إنْسَانا وَلَا تحدق إِلَى أحد من الغلمان وَإِذا دخلت على الْملك فحيه بِأَحْسَن تَحِيَّة وتواضع لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا تكْثر من الدُّعَاء لَهُ بِحَضْرَتِهِ وَلَا تسأله عَن حَالَته وَلَا عَن مبيته فِي ليلته وَلَا تكْثر مدحه وَتظهر نصحه فِي
[ ٥٧٨ ]
حَضرته فَجَمِيع ذَلِك من مساوىء الْأَخْلَاق والتملق والنفاق وَإِذا جَلَست على مَوَائِد الْمُلُوك فَلَا تكن فِي الطَّعَام شَرها وَلَا فِي الْأكل نهما وكل مِمَّا يليك وأطل المضغ فِي فِيك وَاجعَل نظرك إِلَى الطَّعَام الَّذِي بَين يَديك وَلَا تنظر إِلَى من حواليك وَلَا تَأْكُل بِكُل الْأَصَابِع وقم عَن الْمَائِدَة وَأَنت جَائِع وَلَا تحذف ببصرك إِلَى الطَّعَام وَلَا إِلَى مَا حضر من طرائف الألوان بل يكون نظرك إِلَى الْملك عِنْد كَلَامه والإطراق عِنْد مضغه لطعامه وَلَا تنقل من الصحفة إِلَى الرَّغِيف شَيْئا من اللَّحْم وَلَا تتعرض لمشمشة الْعظم وَلَا تحول لقمتك من جَانب فِيك إِلَى الْجَانِب الآخر وَلَا يسمع لمضغك وبلعك صَوت ظَاهر لِأَن الْمَقْصُود من طَعَام الْملك الشّرف بمواكلته والتجمل بلطف كرامته وَمن قَامَ عَن الطَّعَام لغسل يَده فسبيله أَن يبعد عَن حَضرته إِلَى الْموضع الَّذِي خص بمرتبته وَلَا يبصق
[ ٥٧٩ ]
فِي الطشت بصاقا يَعْلُو صَوته وَلَا يسْتَعْمل بيدَيْهِ التفرقع وَلَا بِفِيهِ التنخع وَلَا يدلك بالمنديل يَدَيْهِ بل يمسح بِهِ فَمه وشفتيه وَلَا يظْهر فِي يَدَيْهِ شَيْئا من الْخلال على حَال من الْأَحْوَال وسبيل من ساير الْملك أَن لَا يُسَاوِيه فِي محجته وَلَا يدني رَأس دَابَّته من دَابَّته وَلَا يَأْخُذ عَلَيْهِ مهب الرّيح فِي مسايرته وَلَا يركب فرسا شغبا وَلَا حرونا فيقف عَنهُ وَلَا كثير الصهيل وَلَا مَا فِيهِ عيب يضْحك مِنْهُ
[ ٥٨٠ ]
وَيَنْبَغِي أَن يكون عَارِفًا بالمنازل والمناهل داريا بِكُل مَا يَقع عَلَيْهِ عين الْملك وَيسْأل عَنهُ من الْمِيَاه والأنهار والنبات وَالْأَشْجَار وَمضى سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار عَارِفًا بالكواكب وانتقالاتها ومنازل الْقَمَر وهيآتها وَأَن لَا يظْهر التَّعَب والكلال وَإِن يخفي العطا والسعال وَليكن متفقد النُّكْتَة ظريفا فِي محادثته صبورا على السهر غير متشاغل بالفكر حَافِظًا للأسرار وَمَا يطلع عَلَيْهِ من الْأَخْبَار ومعتمدا على الصيانة مُؤديا للأمانة فَإِذا لاعب الْملك بالشطرنج فَلَا يظْهر فِي لعبه التحاذق عَلَيْهِ فَأَما فِي حَال الفروسية وَلعب الصولجان
[ ٥٨١ ]
فقد أطلق الْمُلُوك التحاذق عَلَيْهِم فِي الميدان وَالله ﷾ اعْلَم بِالصَّوَابِ
[ ٥٨٢ ]
الْبَاب الثَّالِث عشر
فِي معرفَة مَا تكَاد بِهِ الْمُلُوك فِي غَالب الْأَحْوَال
اعْلَم أَن مَكَائِد الْأَعْدَاء وغوائل الحساد وطرق المضار وَأَسْبَاب الدَّوَاهِي كَثِيرَة وَلَا يُحِيط بطرقها علم الْبشر وَلَا يحصرها مَعْقُول ذَوي الْفِكر فَيجب على الْملك الِاحْتِرَاز والتحفظ من كل مَا يتَصَوَّر عمله من المكائد وَيُمكن فعله من نصب الغوائل وَيعْتَبر بِمن سلفه من أَرْبَاب الممالك وَمَا نصب لَهُم من المكائد والمهالك فيحسم عَنهُ موادها وَيقطع أَسبَابهَا ويحذر من مثلهَا وَقد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّادِس فِي وصف الْحَسَد من حِكَايَة بهْرَام وخاقان وَمَا نصب كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه من المكائد مَا فِيهِ اعْتِبَار لِذَوي البصائر والأفكار وَأكْثر مَا رَأينَا الْمُلُوك ذهبت فِي غَالب الْأَحْوَال من أُمُور نَحن ذاكروها إِن شَاءَ الله فَمن ذَلِك السمُوم القاتلة الَّتِي يتلطف بهَا الْأَعْدَاء فِي الْحِيلَة بوصولها إِلَى الْمُلُوك على يَد النسوان والغلمان
[ ٥٨٣ ]
وَهِي تصنع غَالِبا فِي عشرَة أَشْيَاء فِي السرج والسرير والكرسي
[ ٥٨٤ ]
والحلي والآنية وَالطَّعَام وَالشرَاب والفاكهة وَالثيَاب والفراش الَّذِي ينَام عَلَيْهِ
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يكون متيقظا لذَلِك محترسا مِنْهُ وَسَنذكر من العلامات الْوَاضِحَة على مصير السم فِي هَذِه الْأَشْيَاء مَا فِيهِ كِفَايَة للفطن بِحَيْثُ إِذا رَآهَا علم أَن ذَلِك الشَّيْء مَسْمُوم
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يتفقد ثِيَابه فِي كل يَوْم وفراشه أَيْضا وغاشيته الَّذِي على سرج الحصان وكرسيه الَّذِي يجلس عَلَيْهِ فَإِن عَلامَة ذَلِك إِن كَانَ مسموما أَن يظْهر فِي صفاء ألوانها لمع كالوسخ يضْرب إِلَى سَواد من غير وسخ وَيكون هدبها وحواشيها فِي نظر الْعين كَأَنَّهَا بالية وَأما عود السرج والسرير والكرسي إِذا كَانَ
[ ٥٨٥ ]
ملطوخا بالسم فَإِنَّهُ يكمد لَونه ويعلوه كالغبرة
وَأما الحلى والآنية وَمَا يسْتَخْرج من معادن الأَرْض كالذهب وَالْفِضَّة والنحاس والرصاص وَالْحَدِيد والجواهر فَإِن ذَلِك كُله إِذا كَانَ مسموما يعلوه كالوسخ وَأما أواني الخزف والفخار فَإِنَّهَا إِذا كَانَت مَسْمُومَة تحدث دسومة وزهومة وَرُبمَا أفرط صفاء لَوْنهَا حَتَّى يظْهر فِيهَا بريق لَيْسَ من ذَاتهَا وَرُبمَا ذهب بريقها الَّذِي هُوَ من ذَاتهَا وَأما الطَّعَام المسموم فيستدل عَلَيْهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا بالنَّار فَإِن الطَّعَام المسموم إِذا وضعت مِنْهُ شَيْئا فِي النَّار لم يصعد دخانه مستطيلا إِلَى الْهَوَاء بل يَدُور على ذَلِك الطَّعَام يسمع لَهُ صَوت شرار وَأَيْضًا يكون طرف
[ ٥٨٦ ]
مَا ينبعث من النَّار كَأَنَّهُ عنق الطاووس وَأَيْضًا رُبمَا ظهر مِنْهُ إِذا احْتَرَقَ رَائِحَة مُنْتِنَة
الْوَجْه الثَّانِي أَن يعرض الطَّعَام على الطير وَالدَّوَاب الَّتِي هِيَ معدة فِي دَار الْملك لمعْرِفَة الطَّعَام المسموم وَأما الطير فَمِنْهَا الْغُرَاب فَإِنَّهُ إِذا أكل من الطَّعَام المسموم انْكَسَرَ صَوته وَمِنْهَا الصرد والقفعا فَإِنَّهُمَا إِذا شما رَائِحَة الطَّعَام المسموم صَوتا بأعلا صوتيهما وَمِنْهَا طَائِر من جنس
[ ٥٨٧ ]
الأوز الصيني يُقَال لَهُ الهيس فَإِنَّهُ إِذا رأى الطَّعَام المسموم أَو شم رَائِحَته هرب مِنْهُ وَجعل يعثر فِي مشيته وَمِنْهَا الكركي فَإِنَّهُ إِذا شم رَائِحَة الطَّعَام المسموم وَأكله فَإِنَّهُ يَدُور حَتَّى يظنّ أَنه مغشي عَلَيْهِ وَمِنْهَا الفواخت والعقعق فَإِنَّهُمَا يموتان بِأَكْل الطَّعَام المسموم وَكَذَلِكَ إِذا شما رَائِحَته
[ ٥٨٨ ]
أَيْضا وَمِنْهَا الطاووس فَإِنَّهُ إِذا رأى الطَّعَام المسموم تشوف إِلَيْهِ وطفق يَأْكُلهُ ويهواه وَمِنْهَا طَائِر من طيور المَاء أَحْمَر الْعَينَيْنِ يُقَال لَهُ حسون فَإِنَّهُ إِذا نظر إِلَى الطَّعَام المسموم أَو شم رَائِحَته ذهب حمرَة عَيْنَيْهِ وَمِنْهَا طَائِر من طيور المَاء أَيْضا يُقَال لَهُ حوصل فَإِنَّهُ إِذا رأى الطَّعَام المسموم خر إِلَى الأَرْض مغشيا عَلَيْهِ
والذباب إِذا سقط على الطَّعَام المسموم مَاتَ من سَاعَته وَأما
[ ٥٨٩ ]
الدَّوَابّ الْمعدة لذَلِك فَمِنْهَا السنور فَإِنَّهُ إِذا أكل من الطَّعَام المسموم أَو شم رَائِحَته نفر من مَوْضِعه وَلم يسْتَقرّ فِيهِ وَمِنْهَا القرد فَإِنَّهُ إِذا قدم إِلَيْهِ الطَّعَام المسموم أَيْضا لم يَتَمَالَك حَتَّى يهرب مِنْهُ ويصعد فِي الْأَشْجَار والحيطان فَهَذَا كُله يسْتَدلّ بِهِ على الطَّعَام المسموم فَيَنْبَغِي للخادم الْمُقدم للطعام أَن يمْتَحن بالنَّار ويعرضه على الطير وَالدَّوَاب الَّتِي ذَكرنَاهَا قبل إِحْضَاره بَين يَدي الْملك وَإِذا كَانَ الطباخ بَصيرًا حاذقا عرف السم إِذا طرح فِي الْقدر بالأمارات الدَّالَّة عَلَيْهِ فَإِن قدر الْأرز إِذا وضع فِيهَا السم أَبْطَأَ نضجها وَإِذا أنزل عَن النَّار انْعَقَد فِيهَا سَرِيعا
[ ٥٩٠ ]
وصلب حبها ويفور من الْقدر بخار كلون عنق الطاووس وقدور المرق إِذا وضع فِيهَا السم فَإِن تلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى ينشف المرقة مِنْهَا وَيبقى اللَّحْم يَابسا لَا مرقة عَلَيْهِ وَمهما بَقِي مِنْهُ تغير لَونه وكدر
وَأما دَلِيل معرفَة الشَّرَاب المسموم فَإِن كل شراب حُلْو إِذا طرح فِيهِ السم يظْهر فِيهِ خطّ مستطيل كلون النّحاس وَيظْهر فِي المخيض خطوط من الخضرة والصفرة والسمرة وَيظْهر فِي مَاء الْعَسَل خطّ كلون شُعَاع الشَّمْس وَيظْهر فِي المَاء والنبيذ خطّ أسود
وَأما معرفَة الفواكة المسمومة فَإِن الَّذِي لم يدْرك مِنْهَا يظْهر للعين كَأَنَّهَا مدركة وَالَّتِي قد أدْركْت مِنْهَا تظهر كَأَنَّهَا لم تدْرك لتغيرها وانقباضها وكل رطب مِنْهَا ترَاهُ كَأَنَّهُ منهري وكل يَابِس ترَاهُ منقبضا متسيسا
[ ٥٩١ ]
وَجَمِيع الْفَاكِهَة يذهب صفاء لَوْنهَا ويعلوها غبرة وكدرة
واللين مِنْهَا يصلب والصلب مِنْهَا يلين
وَاعْلَم أَن من وضع السم فِي بعض هَذِه الْأَشْيَاء أَو صنع مكيدة من مَكَائِد الْأَعْدَاء من النسوان والغلمان والخدام وَغَيرهم لَا بُد أَن يظْهر عَلَيْهِ من الرِّيبَة أَمَارَات لَا يخفى بهَا عَن الفطن اللبيب فَيَنْبَغِي للْملك أَن يتصفح وُجُوه خدمه وغلمانه وجواريه ونسائه فِي كل وَقت فَإِن الْمُرِيب لَا يملك نَفسه أَن يصفر لَونه أَو يخضر أَو يبتلع رِيقه أَو يخْفق فُؤَاده أَو يعَض على شفته السُّفْلى أَو يُدِير عَلَيْهَا لِسَانه أَو يكثر تلفته وترعد فرائصه أَو يعثر فِي مشيته أَو يكثر تثاؤبه ويعرق جَبينه أَو يفتل هدب ثِيَابه وَيبْعَث بهَا أَو ينكش الأَرْض بأبهام رجله أَو يَنْقَطِع عَمَّا يُرِيد أَن يتَكَلَّم بِهِ أَو يكثر الْقيام من الَّذِي بِعِلْمِهِ مثله وَلم يتمه بِغَيْر عذر فَجَمِيع هَذِه أَمَارَات تدل على الرِّيبَة فليراعها الْملك من مُتَوَلِّي
[ ٥٩٢ ]
طَعَامه وَشَرَابه ومتولي خزانَة ثِيَابه وفراشه وسورج دوابه وَغَيرهم من خدم دَاره وَأما الاحوال الَّتِي يترصدها أهل المكائد فِي الْغَالِب فَمِنْهَا الْمَوَاضِع الضيقة والطرقات المجهولة فَلَا يَنْبَغِي أَن يسلكها حَتَّى يكون أَمَامه دَلِيل خَبِير بذلك الْموضع ويتقدمه فِي حَال سلوكه جمَاعَة من أعوانه وَمِنْهَا ازدحام الموكب عَلَيْهِ فِي الْمَوَاضِع الضيقة أَو فِي الأعياد والمحافل فَلَا يَأْمَن أَن يلج بَين خواصه من يُرِيد بِهِ شرا وَمِنْهَا الإمعاء فِي طلب الصَّيْد والانفراد فِيهِ عَن الْخَاصَّة وثقات الأعوان فَلَا يَأْمَن أَن يدس عَلَيْهِ أهل الْعَدَاوَة من يُوقع بِهِ الْفِعْل أَو يكمن لَهُ الاعداء على الْخُيُول السريعة فِي الْمَوَاضِع الوعرة أَو يعرض لَهُ أحد السبَاع الضارية عِنْد انْفِرَاده
وَمِنْهَا الْوُرُود إِلَى الْأَنْهَار فَإِن اغتيال الْمَرْء صَاحبه فِي المَاء الْجَارِي من أيسر الْحِيَل وأسهلها على المغتال لِأَن المَاء معِين لَهُ على هربه لَا سِيمَا إِذا كَانَ رجال الْملك من وَرَاء ظَهره فَيَنْبَغِي أَن لَا يردهَا حَتَّى يتقدمه من أعوانه من يختبر شطوطها ومشارعها وَمِنْهَا حَالَة شدَّة الْمَطَر وَحَال شدَّة الْحر وَحَال ظلام اللَّيْل لِأَن فِي هَذِه الْأَحْوَال تقل الْحفظَة ويشتغل كل وَاحِد مِنْهُم بمصلحة نَفسه وَمِنْهَا حَال سروره ولهوه وطربه فِي
[ ٥٩٣ ]
مَجْلِسه وسكره من شرابه فَإِن الْحفظَة أَيْضا يسكرون أَو ينامون فيتمكن مِنْهُ المغتال وَمِنْهَا الثِّقَة إِلَى النسوان والركون إلَيْهِنَّ فَإِن مكر النِّسَاء وحيلهن أَكثر من أَن تسطر مَعَ ضعفهن ونقصان عقولهن فَلَا يَأْمَن مكرهن وغيرتهن وجرأتهن فقد يقدمن من الْأَهْوَال على مَا يكنع مِنْهُ الرِّجَال فليراعي الْملك جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ وَمَا يخْطر بِبَالِهِ من أشباه ذَلِك أَو أَمْثَاله مَعَ تَسْلِيمه لأمر الله سُبْحَانَهُ وقضائه وَقدره
[ ٥٩٤ ]
الْبَاب الرَّابِع عشر فِيمَا يَنْبَغِي للْملك من سياسة الْجَيْش وتدبير الْجنُود
إِذا فصل الْملك بجُنُوده مُتَوَجها إِلَى أعدائه فَيَنْبَغِي لَهُ ان يضع فِي تدبيرهم وسياسة أُمُورهم سَبْعَة عشر حَقًا ليتم بذلك مصلحتهم
[ ٥٩٥ ]
وينتظم بِهِ الْفَهم
أَحدهَا استعراضهم قبل السّير بهم فيتفقد خيلهم الَّتِي يجاهدون عَلَيْهَا فَلَا يدْخل عَلَيْهِم كَبِيرا وَلَا كسيرا وَلَا صَغِيرا وَلَا حطيما كسيرا لِأَن ذَلِك كُله وَهنا فِي الْمُجَاهدين وَإِنَّمَا يستعد للأعداء الْقُوَّة وَمَا يظْهر بِهِ الهيبه والرهبة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم﴾
[ ٥٩٦ ]
﴿مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾
وَقَالَ رَسُول الله ص = أرتبطوا الْخَيل فَإِن ظُهُورهَا لكم عز
[ ٥٩٧ ]
وبطونها لكم كنز ويتفقد جَمِيع أسلحتهم وَسَائِر آلاتهم وأمتعتهم ويامرهم باتخاذ قويها واستبدال ضعيفها
الثَّانِي أَن يرفق بهم فِي السّير الَّذِي يقدر عَلَيْهِ ضعيفهم ويحفظ بِهِ قُوَّة قويهم وَلَا يجد السّير فَيهْلك الضَّعِيف ويستفرغ قُوَّة الْقوي قَالَ رَسُول الله ص = إِن هَذَا الدّين متين فأوغلوا فِيهِ بِرِفْق فَإِن المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى
[ ٥٩٨ ]
الثَّالِث أَن يُرَاعِي من مَعَه من الْمُقَاتلَة وهم صنفان مسترزقه ومتطوعة أما المسترزقة فهم أَصْحَاب الدِّيوَان فيفرض لَهُم من الْعَطاء من بَيت المَال من الْفَيْء بِحَسب الْغَنِيّ والكفاية وَأما المتطوعة فهم الخارجون عَن الدِّيوَان الَّذين خَرجُوا فِي النفير فيعطوا من بَيت المَال من
[ ٥٩٩ ]
الصَّدقَات دون الْفَيْء من سهم رَسُول الله ص = الْمَذْكُور فِي آيَة الصَّدقَات
الرَّابِع أَن يعرف عَلَيْهِم العرفاء وينقلب عَلَيْهِم النُّقَبَاء فَيكون عَارِفًا بِجَمِيعِ أَحْوَالهم من عرفائهم ونقبائهم وَقد فعل ذَلِك رَسُول الله ص =
[ ٦٠٠ ]
الْخَامِس أَن يَجْعَل لكل قَائِد من قواده شعارا يتَمَيَّز بِهِ أَصْحَابه ليصيروا بِهِ عَن غَيرهم متميزين وبالاجتماع فِيهِ متظافرين
[ ٦٠١ ]
السَّادِس أَن يتصفح الْجَيْش عِنْد مسيره فَيخرج مِنْهُم من كَانَ بِهِ تخذيل للمجاهدين وإرجاف بِالْمُسْلِمين وَكَانَ عينا للْمُشْرِكين فقد فعل ذَلِك رَسُول الله ص = ورد عبد الله بن أبي بن سلول الْمُنَافِق فِي بعض غَزَوَاته لتخذيله الْمُسلمين
[ ٦٠٢ ]
السَّابِع أَن يتَعَرَّض عِنْد اللِّقَاء لمن خَالفه فِي العقيدة وَالْمذهب أَو لمن عَلَيْهِ أَمَارَات الْبغضَاء أَو لمن أَسَاءَ أدبه على الْملك أَو قصر فِي خدمته لِأَن
[ ٦٠٣ ]
التَّعَرُّض لهَؤُلَاء فِي مثل هَذَا الْوَقْت يُفْضِي إِلَى افْتِرَاق الْكَلِمَة وَحُصُول الفشل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم﴾ يَعْنِي دولتكم وَقيل مَعْنَاهُ قوتكم
[ ٦٠٤ ]
الثَّامِن حراسة الْجَيْش من غرَّة يظفر بهَا الْعَدو فَيَنْبَغِي أَن ينتقي المكامن ويحفظها عَلَيْهِم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون بِهِ على أنفسهم واموالهم وليسكنوا فِي وَقت الدعة ويأمنوا من وَرَاءَهُمْ فِي وَقت الْمُحَاربَة
[ ٦٠٥ ]
التَّاسِع أَن يتَخَيَّر لَهُم مَوَاضِع نزولهم لمحاربة عدوهم فيقصد أوطأ الأَرْض مَكَانا وأكثرها مرعى وَمَاء واحرسها أطرافا واكنافا وَيكون الْمَوَاضِع قَرِيبا من جبل أَو شجر فَإِن ذَلِك كُله أعون لَهُم على المنازلة واقوى لَهُم على المرابطة
[ ٦٠٦ ]
الْعَاشِر إعداد مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْجَيْش من زَاد وعلوفة ليغدق ذَلِك عَلَيْهِم فِي أَوْقَات الْحَاجة حَتَّى تسكن نُفُوسهم إِلَى مَادَّة بغيتهم على طلب ليكونوا على الْحَرْب أوفر وعَلى منازلة الْعَدو أقدر
الْحَادِي عشر أَن يتعرف أَخْبَار عدوه بالجواسيس الثِّقَات الَّتِي تكون لَهُ عِنْدهم مكانة ليَكُون خَبِيرا بأحوالهم وَيسلم من مَكْرهمْ ويلتمس الْغرَّة فِي الهجوم عَلَيْهِم
[ ٦٠٧ ]
الثَّانِي عشر تَرْتِيب الْجَيْش فِي مصَاف الْحَرْب والتعويل فِي كل جِهَة على من يرَاهُ كفرءا لَهَا ويتفقد الصُّفُوف بِنَفسِهِ من حُصُول خلل يَقع فِيهَا ويراعي كل جِهَة يمِيل الْعَدو إِلَيْهَا بمدد من يكون عونا لَهَا ٦٠٩
الثَّالِث عشر أَن يحرض الْمُجَاهدين على الْقِتَال وَيُقَوِّي نُفُوسهم ويشعرهم الظفر وَيذكر لَهُم أَسبَاب النُّصْرَة ويصفر الْعَدو فِي أَعينهم
[ ٦٠٨ ]
الثَّالِث عشر أَن يحرض الْمُجَاهدين على الْقِتَال وَيُقَوِّي نُفُوسهم ويشعرهم الظفر وَيذكر لَهُم أَسبَاب النُّصْرَة ويصغر الْعَدو فِي أَعينهم
[ ٦٠٩ ]
ويعدهم الإقطاع وَالزِّيَادَة فِي الرزق إِذا ظَهرت مِنْهُم النكاية فِي الْعَدو
الرَّابِع عشر أَن يذكرهم ثَوَاب الله تَعَالَى وَمَا أعد لَهُم فِي الْآخِرَة من
[ ٦١٠ ]
النَّعيم الْمُقِيم وَيذكرهُمْ فضل الشَّهَادَة ويعدهم بإبقاء رزقهم على بعدهمْ
الْخَامِس عشر أَن يشاور ذَوي الرَّأْي وَأهل الْخِبْرَة بِالْقِتَالِ والمشايخ من أعوانه وَأهل دولته وَيرجع فِيمَا أعضل وَيسلم الامر إِلَيْهِم فِيمَا أشكل عَلَيْهِ ليأمن الْخَطَأ وَيسلم من الزلل
[ ٦١١ ]
السَّادِس عشر ان يلْزم جَيْشه بِمَا أوحبه الله تَعَالَى من حُقُوق وَبِمَا أمره الله تَعَالَى من مُرَاعَاة حُدُوده لِأَنَّهُ من جَاهد عَن الدّين كَانَ احق النَّاس بِالْتِزَام أَحْكَامه والفصل بَين حَلَاله وَحَرَامه وَقد قَالَ رَسُول الله ص = انهوا جيوشكم عَن الْفساد فَإِنَّهُ مَا فسد جَيش قطّ إِلَّا قذف الله تَعَالَى فِي قُلُوبهم الرعب وانهوا جيوشكم عَن الْغلُول فَإِنَّهُ مَا غل جَيش قطّ إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم الرجلة وانهوا جيوشكم عَن الزِّنَا فَإِنَّهُ مَا زنى جَيش قطّ إِلَّا سلط اله عَلَيْهِم الموتان
[ ٦١٢ ]
السَّابِع عشر أَن لَا يتْرك أحدا من جَيْشه يتشاغل بِتِجَارَة أَو زراعة لِأَن ذَلِك يصرف الاهتمام عَن مصابرة الْعَدو وَعَن الصدْق فِي الْجِهَاد وَقد رُوِيَ أَن نَبيا من بني إِسْرَائِيل غزا عدوا لَهُم فَقَالَ لَا يغزون معي رجل بنى بِنَاء لم يكمله وَلَا رجل تزوج امْرَأَة لم يدْخل بهَا
[ ٦١٣ ]
وَلَا رجل زرع زرعا لم يحصده فَإِذا سَار الْملك بالجيش وَدخل أَرض الْعَدو فَيَنْبَغِي أَن يكون طلائع عسكره ومقدمة جَيْشه كالنهر الْجَارِي فَإِن النَّهر فِي أول جريه يَتَخَلَّل بِمَا يمر بِهِ من الأَرْض المستوية فَإِذا بلغ نشزا من الأَرْض وقف عِنْده حَتَّى يقوى بالمدد من وَرَائه ثمَّ يعلوا ذَلِك النشز وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يكون طلائع الْجَيْش الَّتِي تتقدم عَلَيْهِ لَا يقتحم عِنْد مَا يرى من الْقُوَّة من الْعَدو أمامها إِلَّا بِأَن تستمد
[ ٦١٤ ]
من وَرَائِهَا فَإِذا أَتَاهَا المدد قويت على من تمر بِهِ وعلته كعلو النَّهر إِذا استمد من وَرَائه وَلَا يَنْبَغِي أَن يُورد مقاتلة النَّاحِيَة المجهولة حَتَّى يقدم إِلَيْهَا من يختبرها من طلائعه فقد كَانَ يُقَال لَا تطَأ أَسْفَل أَرض عَدوك إِلَّا على ترقي احتراس وتوقي افتراس فَإنَّك لَا تأمن أَن يكون قد نصب لَك فِيهَا الِاشْتِرَاك وَدفن الغوائل والشباك
[ ٦١٥ ]
فِيمَا يَنْبَغِي لأهل الْجَيْش ويلزمهم من حُقُوق الْجِهَاد
إِذا توجه الْملك بالجيش إِلَى لِقَاء المشتركين لزم أهل الْجَيْش من الْحُقُوق أَمْرَانِ أَحدهمَا مَا يلْزمهُم من حق الله تَعَالَى وَالثَّانِي مَا يلْزمهُم من حق الْملك
فَأَما مَا يلْزمهُم من حق الله تَعَالَى فَأَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهمَا مصابرة الْعَدو عِنْد التقاء الصفين وَلَا ينهزمون من مثليهم فَمَا دون لآن الله تَعَالَى كَانَ قد فرض على كل مُسلم أَن يُقَاتل عشرَة من الْمُشْركين فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا﴾ ثمَّ إِن الله تَعَالَى بعد ذَلِك خفف
[ ٦١٦ ]
عَنْهُم لما شقّ عَلَيْهِم الْأَمر فَأوجب على كل مُسلم أَن يُقَاتل
[ ٦١٩ ]
رجلَيْنِ من الْمُشْركين فَقَالَ ﷿ ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ بِإِذن الله﴾
ثمَّ إِن الله تَعَالَى حرم على كل مُسلم أَن ينهزم من مثلَيْهِ إِلَّا لأحد أَمريْن إِمَّا متحرفا لقِتَال فيأوي للاستراحة أَو لمكيدة وَيعود إِلَى قِتَالهمْ وَإِمَّا أَن يتحيز إِلَى فِئَة أُخْرَى ليتجمع مَعهَا على قِتَالهمْ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفا لقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من الله﴾
الثَّانِي أَن يقْصد بقتاله نَصره دين الله تَعَالَى وأبطال كلمة من خَالفه من الْأَدْيَان فَيكون بِهَذَا الِاعْتِقَاد حائزا لثواب الله تَعَالَى ومطيعا لَهُ
[ ٦٢٠ ]
فِي أمره وَلَا يقْصد بقتاله فَائِدَة تحصل من الْغَنِيمَة فَيصير من المكتسبين لَا من الْمُجَاهدين
[ ٦٢١ ]
الثَّالِث أَن يُؤَدِّي الْأَمَانَة فِيمَا حازه من الْغَنَائِم وَلَا يغل مِنْهَا شَيْئا بل يحمل جَمِيعه إِلَى الْمغنم ليقسم بَين الْغَانِمين الَّذين حَضَرُوا الْوَقْعَة لِأَن لكل وَاحِد فِيهَا حَقًا
[ ٦٢٢ ]
الرَّابِع أَن لَا يحابي فِي نَصره دين الله ذَا قرَابَة أَو مَوَدَّة فَإِن حق الله تَعَالَى أوجب ونصرة دينه ألزم قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق﴾
[ ٦٢٣ ]
وَأما مَا يلْزم الْجَيْش من حق الْملك فَأَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا الْتِزَام طَاعَته وَالدُّخُول فِي وَلَا يته وَالْقَبُول لنَهْيه وامره مَا لم يَأْمُرهُم بالمعصية فَإِن طاعه الْملك وَاجِبَة فِي غير الْمعْصِيَة لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾
[ ٦٢٤ ]
أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم) قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله
[ ٦٢٥ ]
عَنهُ أولُوا الْأَمر هم الْأُمَرَاء قَالَ رَسُول الله ص = ﴿اسمعوا وَأَطيعُوا وَلَو اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي﴾ فَأَما إِذا أَمر بِمَعْصِيَة
[ ٦٢٦ ]
فَلَا يجوز طَاعَته لقَوْله ص = لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق
الثَّانِي أَن يفوضوا أَمرهم إِلَى رَأْيه ويكلوه إِلَى تَدْبيره حَتَّى لَا تخْتَلف
[ ٦٢٧ ]
آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم فَإِن ظهر لَهُم صَوَاب فِي شَيْء خفى على الْملك فَيَنْبَغِي أَن يبينوه لَهُ سرا ليرْجع بِهِ إِلَى الصَّوَاب
وَالثَّالِث المسارعة إِلَى امْتِثَال أمره وَنَهْيه فِي غير الْمعْصِيَة
الرَّابِع أَن لَا ينازعه فِي شَيْء من قسْمَة الْغَنَائِم إِذا قسمهَا فيهم بل
[ ٦٢٨ ]
يرْضوا بِهِ فِي الْقِسْمَة فَإِنَّهُ يُسَاوِي بَينهم فِيهَا كَمَا سوى الله تَعَالَى فِيهَا بَين الْقوي والضعيف وماثل بَين الدني والشريف وَسَنذكر صفة الْقِسْمَة فِي بَابهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٦٢٩ ]
الْبَاب السَّادِس عشر فِي مصابرة الْمُشْركين
إِذا تقَاتل فريق الْمُؤمنِينَ وفريق الْمُشْركين وَجب على الْملك مصابرتهم مَا صَبَرُوا وَإِن طَالَتْ بهم الْمدَّة وَلَا يُولى عَنْهُم وَبِه قُوَّة فقد قَالَ الله ﷿ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ قَالَ الْحسن مَعْنَاهُ اصْبِرُوا على طَاعَة
[ ٦٣٠ ]
الله وَصَابِرُوا أَعدَاء الله وَرَابطُوا فِي سَبِيل الله
[ ٦٣١ ]
وَيَنْبَغِي للْملك أَن يرتب جَيْشه وَيجْعَل لكل طبقَة من أعدائه أشباههم من جَيْشه فَإِنَّهُم كَالْمَاءِ فِي الْأذن إِذا دَخلهَا فَلَا حِيلَة أرْفق فِي إِخْرَاجه من المَاء الَّذِي هُوَ من جنسه وَإِذا حمل على أعدائه فَلْيَكُن كالنهر إِذا جرى لَا انثناء لَهُ وَلَا رَجْعَة حَتَّى يبلغ غَايَته ومنتهاه من مغيضة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يشْتَد الْملك فِي حَملته حَتَّى يوغل فِي عدوه ويبلغ غَايَته مِنْهُ
وَإِذا دعِي أحد من الْمُشْركين إِلَى البرَاز جَازَ للْمُسلمِ أَن يخرج إِلَيْهِ
[ ٦٣٣ ]
لِأَن أبي بن خلف دَعَا رَسُول الله ص = فِي يَوْم أحد إِلَى البرَاز فبرز إِلَيْهِ فَقتله
[ ٦٣٤ ]
وَفِي يَوْم بدر برز من الْمُشْركين ثَلَاثَة نفر وهم عتبَة بن ربيعَة وَابْنه الْوَلِيد وَأَخُوهُ شيبَة بن ربيعَة ودعوا إِلَى البرَاز فبرز إِلَيْهِم من الْأَنْصَار
[ ٦٣٥ ]
عوذ ومعاذ أَبنَاء عفراء وَعبد الله بن رَوَاحَة فَقَالُوا إِنَّا لَا نعرفكم فليبرز إِلَيْنَا أكفاؤنا من قُرَيْش فبرز إِلَيْهِم ثَلَاثَة من بني هَاشم وهم عَليّ بن أبي طَالب وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب وَعبيدَة بن الْحَارِث بن
[ ٦٣٦ ]
الْمطلب فَأَما عَليّ ﵁ فبرز إِلَى الْوَلِيد فَقتله وبرز حَمْزَة إِلَى عتبَة فَقتله وبرز عُبَيْدَة إِلَى شيبَة فاختلفا فِي ضربتين أثبت كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه فَمَاتَ شيبَة لوقته وَحمل عُبَيْدَة حَيا فَمَاتَ بعد ذَلِك
وَرُوِيَ أَن عَمْرو بن ود العامري دَعَا إِلَى البرَاز يَوْم الخَنْدَق فِي أول يَوْم فَلم يجبهُ أحد ثمَّ دَعَا إِلَى البرَاز فِي الْيَوْم الثَّانِي فَلم يجبهُ أحد ثمَّ دَعَا
[ ٦٣٧ ]
فِي الْيَوْم الثَّالِث فَلم يجبهُ أحد فَقَالَ يَا مُحَمَّد ألستم تؤمنون أَن قَتْلَاكُمْ فِي الْجنَّة عِنْد رَبهم يرْزقُونَ وقتلانا فِي النَّار يُعَذبُونَ فَمَا يُبَالِي أحدكُم أَن يقدم على كَرَامَة من ربه وَيقدم عدوه إِلَى النَّار ثمَّ أنْشد
(وَلَقَد دَنَوْت إِلَى الندا ء لجمعهم هَل من مبارز)
(ووقفت إِذْ جبن المشجع موقف الْقرن المناجز)
(إِنِّي كَذَلِك لم أزل متسرعا نَحْو الهزاهز)
(إِن الشجَاعَة فِي الْفَتى والجود من خير الغرائز)
قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَاسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي مبارزته فَأذن لَهُ وَقَالَ أخرج إِلَيْهِ فِي حفظ الله وعياذته فَخرج عَليّ ﵁ وَهُوَ يَقُول
(إبشر أَتَاك مُجيب صو تَكُ فِي الهزاهز غير عَاجز)
(ذُو نيه وبصيرة يَرْجُو الْغَدَاة نجاة فائز)
(إِنِّي لأرجو أَن أق يم عَلَيْك نائحة الْجَنَائِز)
(من طعنة نجلاء يب هر ذكرهَا عِنْد الهزاهز)
[ ٦٣٨ ]
قَالَ فتجاولا سَاعَة ثمَّ حمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه وثارت بَينهمَا عجاجة أخفتهما عَن الْأَبْصَار ثمَّ انجلت عَنْهُمَا وَإِذا عَليّ ﵁ يمسح سَيْفه بِثَوْب عَمْرو وَهُوَ قَتِيل
وَإِذا أَرَادَ الْمُسلم أَن يَدْعُو إِلَى البرَاز مبتدئا جَازَ لَهُ ذَلِك لِأَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ فَعَلُوهُ وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن المبارزة بَين الصفين فَقَالَ لَا بَأْس وَيَنْبَغِي
[ ٦٣٩ ]
أَن لَا يبارز إِلَّا من اشتهرت قوته وَعلمت شجاعته لِأَن الضَّعِيف إِذا بارز لم يُؤمن أَن يقتل فتضعف قُلُوب الْمُسلمين
وَيجوز لآحاد الْجَيْش أَن يحمل مُنْفَردا على جَيش الْمُشْركين وَقد كَانَ يفعل ذَلِك جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃
وَرُوِيَ أَن الخنساء بنت عَمْرو بن الشريد السلمِيَّة حضرت حَرْب الْقَادِسِيَّة وَمَعَهَا بنوها الْأَرْبَعَة فَقَالَت لَهُم يَا بني أسلمتم طائعين
[ ٦٤٠ ]
وهاجرتم مختارين وَوَاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِنَّكُم لبنوا رجل وَاحِد كَمَا أَنْتُم بنوا امْرَأَة وَاحِدَة مَا خُنْت أَبَاكُم وَلَا فضحت خالكم وَلَا هجنت حسبكم وَلَا غيرت نسبكم وَقد تعلمُونَ مَا أعد الله تَعَالَى من الثَّوَاب للْمُسلمين فِي حَرْب الْكَافرين وَاعْلَمُوا أَن الدَّار الْبَاقِيَة خير من الدَّار الفانية لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ فَإِذا رَأَيْتُمْ الْحَرْب غَدا قد شمرت عَن
[ ٦٤١ ]
ساعداها واضطرمت لظى على سَاقهَا فَتَيَمَّمُوا وطيسها وجالدوا رئيسها تظفروا بالغنم والكرامة فِي دَار الْخلد والمقامة قَالَ فَخرج بنوها من عِنْدهَا قابلين لنصحها فَلَمَّا كَانَ الصُّبْح باكروا مراكزهم فحين تقَابل الصفان حمل أحدهم على جَيش الْمُشْركين وَهُوَ ينشد وَيَقُول
(يَا إخوتا إِن الْعَجُوز الناصحة قد نصحتنا إِذْ دعتنا البارحة)
[ ٦٤٢ ]
(مقَالَة ذَات بَيَان وَاضِحَة فبادروا الْحَرْب الضروس الكالحة)
(فَأنْتم بَين حَيَاة صَالِحَة وميتة تورث غنما رابحة)
فَلم يزل يَضْرِبهُمْ بِسَيْفِهِ ويطعنهم برمحه حَتَّى اسْتشْهد رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ حمل الثَّانِي وَهُوَ يَقُول
(قد أمرتنا بالسداد والرشد نصيحة مِنْهَا وَبرا بِالْوَلَدِ)
(فباكروا الْحَرْب حماة فِي الْعدَد إِمَّا بفوز بَارِد على الكبد)
(أَو ميتَة تورثكم غنم الْأَبَد فِي جنَّة الفردوس والعيش الرغد)
[ ٦٤٣ ]
فَلم يزل يَضْرِبهُمْ بِسَيْفِهِ ويطعنهم برمحه حَتَّى اسْتشْهد ﵀ ثمَّ حمل الثَّالِث مِنْهُم وَهُوَ يَقُول
(نصحا وَبرا صَادِقا ولطفا فبادروا الْحَرْب الْعوَان زحفا)
(حَتَّى تكفوا آل كسْرَى كفا وتكشفوهم عَن حماكم كشفا)
(إِنَّا نرى التَّقْصِير عَنْهُم ضعفا وَالْقَتْل فيهم نجدة وَعرفا)
فَلم يزل يُقَاتل فيهم حَتَّى اسْتشْهد ﵀
ثمَّ حمل الرَّابِع مِنْهُم وَهُوَ يَقُول
(لسنا لخنساء وَلَا للأكرم أَعنِي عمرا ذَا السماح الأقدم)
(إِن لم أرد فِي الْحَرْب جَيش الْأَعْجَم إِمَّا لفوز عَاجل أَو مغنم)
(أَو لوفاة فِي السَّبِيل الأكرم )
فَلم يزل يطعن فيهم برمحه حَتَّى اسْتشْهد رَحمَه الله تَعَالَى فَلَمَّا بلغ خنساء الْخَبَر قَالَت الْحَمد لله الَّذِي شرفني بِقَتْلِهِم وَأَرْجُو من رَبِّي أَن
[ ٦٤٤ ]
يجمعني وإياهم فِي مُسْتَقر رَحمته فَلَمَّا بلغ ذَلِك عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ أعْطوا الخنساء أرزاق أَوْلَادهَا الْأَرْبَعَة وأجروا عَلَيْهَا ذَلِك حَتَّى تقبض قَالَ فَلم تزل تَأْخُذ عَن كل وَاحِد مِنْهُم مِائَتي دِرْهَم فِي كل شهر حَتَّى قبضت ﵂ وَيَنْبَغِي أَن يكون سَواد الْعَسْكَر وَجُمْهُور الموكب كامتداد النَّهر إِذا طمي وزجر لَا يمر بِشَيْء إِلَّا علاهُ وغرقه
[ ٦٤٥ ]
الْبَاب السَّابِع عشر فِي معرفَة قتال أهل الرِّدَّة وَأهل الْبَغي وقطاع الطَّرِيق
نقتصر فِي هَذَا الْبَاب على ذكر مَا يجوز للْملك فعله ونوضح قَوَاعِد الْمَذْهَب فِي ذَلِك من غير ذكر خلاف وَلَا تَطْوِيل ليَقَع الْفِعْل فِي ممارستهم مُوَافقا للشَّرْع وَهُوَ ثَلَاثَة فُصُول
[ ٦٤٦ ]