إعلم ان السخاء عماد الْبر الَّذِي هُوَ سَبَب الألفة لما يُوصل إِلَى الْقُلُوب من الرَّاحَة والألطاف وَلذَلِك ندب الشَّرْع إِلَيْهِ وحث الْخلق عَلَيْهِ لما فِيهِ عُمُوم الْمصلحَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَن فِي السخاء
[ ٢٧١ ]
رضَا الله ﷾ ورضا النَّاس جَمِيعًا قَالَ رَسُول الله ص = السخي قريب من الله قريب من النَّاس قريب من الْجنَّة بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من النَّاس بعيد من الْجنَّة قريب من النَّار
[ ٢٧٢ ]
وَقَالَ رَسُول الله ص = تجافوا عَن ذَنْب الْكَرِيم فَإِن الله يَأْخُذ بِيَدِهِ كلما عتر
وَقَالَت السيدة عَائِشَة ﵂ الْجنَّة دَار الأسخياء وَالنَّار دَار البخلاء
[ ٢٧٣ ]
وَقيل اوحى الله إِلَى مُوسَى ﵇ أَلا تقتل السامري فَإِنَّهُ كريم
وَحدث أَبُو قَاسم قَالَ حضرت الحكم بن الْمطلب لما
[ ٢٧٤ ]
مَاتَ بِمَدِينَة منبج فَلَمَّا أَخذ فِي النزع وأشخص ببصره قَالَ أَبُو معيوف الْحِمصِي اللَّهُمَّ أرْفق بِهِ فقد كَانَ جوادا شجاعا صواما قواما قَالَ فأفاق من غَشيته ثمَّ نظر إِلَيْنَا وَقَالَ من الْمُتَكَلّم فَقَالَ أَبُو معيوف أَنا قَالَ إِن ملك الْمَوْت يسلم وَيَقُول لَك إِن الله تَعَالَى أَمرنِي أَن أرْفق بِقَبض روح كل كريم ثمَّ اضْطجع فَكَأَنَّهُ كَانَ فَتِيلَة طفئت ﵀
وَكَانَ يُقَال سؤدد بِلَا جود كملك بِلَا جنود
وَقيل من جاد سَاد وَمن أَضْعَف ازْدَادَ وَكَانَ يُقَال جود الرجل يحببه إِلَى أضداده وبخله يبغضه إِلَى أَوْلَاده
[ ٢٧٥ ]
وَاعْلَم أَن السخاء على نَوْعَيْنِ النَّوْع الأول هُوَ أَن يَبْتَدِئ بِهِ الْإِنْسَان من غير سُؤال وَهَذَا أطبع السخاء وأشرف الْعَطاء لِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ سُئِلَ عَن السخاء فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهُ ابْتِدَاء فَأَما مَا كَانَ مِنْهُ عَن مَسْأَلَة فحياء وتكريم
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أجل النوال مَا كَانَ قبل السُّؤَال وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
[ ٢٧٦ ]
(وفتى خلا من مَاله وَمن الْمُرُوءَة غير خَال)
(أَعْطَاك قبل سُؤَاله وَكَفاك مَكْرُوه السُّؤَال)
وَهَذَا النَّوْع من السخاء قد يكون لأسباب ثَلَاثَة
أَحدهَا أَن يكون قد يرى حلَّة يقدر على سدها أَو فاقة يتمكنمن إِزَالَتهَا فَلَا يَدعه الْكَرم وسماحة النَّفس والطبيعة أَن يهمل ذَلِك بل يكون متكفلا بنجازها رَغْبَة فِي الْأجر
الثَّانِي أَن يرى فِي مَاله فَضله عَن حَاجته فَيرى انتهاز الفرصة
[ ٢٧٧ ]
بهَا فَيَضَعهَا عِنْد من يكون لَهُ ذخْرا
الثَّالِث أَن يفعل ذَلِك سجية قد فطر عَلَيْهَا فَلَا يُمَيّز بَين مُسْتَحقّ ومحروم وَلَا يفرق بَين مَحْمُود ومذموم وَهَذَا هُوَ السخي طبعا غير أَن هَذَا لَا يصلح بِالْملكِ لِأَنَّهُ خَارج إِلَى السَّرف والتبذير
وَبَيت المَال قد يقل عَن الْحُقُوق وَيقصر عَن الْوَاجِبَات فَإِذا أعْطى غير مُسْتَحقّ فقد يمْنَع مُسْتَحقّا وَحَال الْمُلُوك لَا تَقْتَضِي ذَلِك
النَّوْع الثَّانِي من السخاء مَا كَانَ عَن طلب وسؤال وعلامة السخي عِنْد ذَلِك أَن يلقى السَّائِل بالترحيب وطلاقة الْوَجْه وَأَن يَكْتَفِي بالتلويح وَلَا يلجىء السَّائِل إِلَى التَّصْرِيح كَمَا قَالَ الشَّاعِر
[ ٢٧٨ ]
(تلقى الْكَرِيم فتستدل ببشره وَترى العبوس على اللَّئِيم دَلِيلا)
(وَاعْلَم بأنك عَن قريب صائر خَبرا فَكُن خَبرا تنَال جزيلا)
وَيَنْبَغِي لَهُ عِنْد السُّؤَال أَن يعجل بالوعد قولا ثمَّ يعقبه بالإنجاز فعلا ليَكُون السَّائِل مَسْرُورا بعاجل الْوَعْد ثمَّ بآجل الإنجاز كَمَا حكى أَن الْفضل بن سهل سَأَلَهُ رجل فَقَالَ لَهُ إِنِّي أعدك الْيَوْم وأحبوك غدالتذوق حلاوة الأمل وَلَكِن لَا تطيل الْوَعْد على السَّائِل فَلَا تفي حلاوة الْإِعْطَاء بمرارة الِانْتِظَار
وَقَالَ بَعضهم
(إِن الْعَطِيَّة لَا تكون هنيَّة حَتَّى تكون قَصِيرَة الْأَعْمَار
[ ٢٧٩ ]
وَقد قَالَ بَعضهم
(إِن الْعَطِيَّة رُبمَا أزرى بهَا عِنْد الَّذِي تَقْتَضِي لَهُ تطويلها)
(فَإِذا ضمنت لصَاحب لَك حَاجَة فَاعْلَم بِأَن تَمامهَا تَعْجِيلهَا)
وَقد مَضَت سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وملوك الْمُسلمين بصلَة المسترفدين على وَجه الشَّرْح من غير إِسْرَاف وَلَا إقتار وَذَلِكَ مَشْهُور فاعرضنا عَن شَرحه
[ ٢٨٠ ]