إعلم أَن السَّرف فِي إِنْفَاق المَال وصف خَارج عَن حد السخاء الْمَحْمُود مجانس الْبُخْل فِي الذَّم والقبح لِأَن الله ﷾ سَاوَى بَين حالتهيما فِي النَّهْي فَقَالَ ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا﴾
[ ٣٨٢ ]
فَنهى عَن بسطها سَرفًا كَمَا نهى عَن قبضهَا بخلا فَدلَّ ذَلِك على استوائهما ذما واتفاقهما لوما وَلِأَن المسرف فِي عطائه المبذر فِي سخائه لَا يفرق بَين مَحْمُود ومذموم وَلَا يُمَيّز بَين مُسْتَحقّ ومحروم
وَهَذِه الْحَال تدل على خور الطَّبْع وطيش الرَّأْي وقصور التَّدْبِير وَذَلِكَ لَا يَلِيق بالملوك وَلِأَن بَيت المَال يقل عَن الْحُقُوق وَيقصر عَن الْوَاجِبَات فَإِذا أسرف فِي بذله فقد وضع الشَّيْء
[ ٣٨٣ ]
بِزِيَادَتِهِ على قدر الْمُسْتَحق وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْخَطَأ فِي إِعْطَاء مَا لَا يَنْبَغِي وَمنع مَا يَنْبَغِي
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ رَحْمَة الله الْحَلَال لَا يحْتَمل السَّرف
وَقَالَ بعض الْعلمَاء ثَلَاثَة ترْتَفع عَنْهُم الرَّحْمَة وتنزل بهم الشماتة فِي ثَلَاثَة أَحْوَال أحدهم المبذر لمَاله حِين تنزل بِهِ الْفَاقَة
الثَّانِي الشرة النهم حِين تصيبه المصيبه
[ ٣٨٤ ]
الثَّالِث الظَّالِم المعتدي حِين تنزل بِهِ الْعقُوبَة أَنْشدني بَعضهم
(وَكَانَ المَال بأتينا فَكُنَّا نبذره وَلَيْسَ لنا عقول)
(فَلَمَّا أَن تولى المَال عَنَّا عقلنا حِين لَيْسَ لنا فضول)
[ ٣٨٥ ]