إعلم أَن الصدْق من أَسْنَى السمات وأشرف الصِّفَات وَأسلم مناهج الصِّفَات يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّرْع الْمُوجب وَالْعقل الْمُؤَكّد لِأَن الشَّرْع ورد بِاتِّبَاع الصدْق وَلَو كَانَت الهلكة فِيهِ
[ ٢٩٥ ]
وحظر الْكَذِب وَلَو جر نفعا أَو دفع
[ ٢٩٦ ]
ضَرَرا علما من الشَّارِع بِمَا يَنْقَلِب إِلَيْهِ عاقبتهما
وَالْعقل يَدْعُو إِلَى فعل مَا كَانَ مستحسنا وَيمْنَع من إتْيَان مَا كَانَ مستقبحا وَالْكذب مستقبح عقلا لَا سِيمَا إِذا كَانَ لَا يجلب نفعا وَلَا يدْفع ضَرَرا
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ تحروا الصدْق وَإِن
[ ٢٩٧ ]
رَأَيْتُمْ الهلكة فِيهِ فَإِن النجَاة فِيهِ وتجنبوا الْكَذِب وَإِن رَأَيْتُمْ أَن النجَاة فية فَإِن فية الهلكة
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء دع الْكَذِب حِين ترى أَنه ينفعك فَإِنَّهُ يَضرك وات الصدْق حِين ترى أَنه يَضرك فَإِنَّهُ ينفعك
وَكَانَت الْعَرَب تَقول لِسَان صدق مَعَ الْعشْرَة خير من سوء الذّكر مَعَ الميسرة أَنْشدني بَعضهم
(عود لسَانك صدق القَوْل تحظ بِهِ إِن اللِّسَان لما عودت مُعْتَاد)
(مُوكل بتقاضي مَا سننت لَهُ فَارْتَد لنَفسك وَانْظُر كَيفَ تزداد)
قَالَ الْمُهلب مَا يكون السَّيْف الصارم بيد الْملك الشجاع بِأَعَز لَهُ من الصدْق
[ ٢٩٨ ]
وَكَانَ يُقَال يَنْبَغِي للْملك أَن يكون صَدُوقًا ليثق الأعوان بوعده وَأَن يكون شكُورًا فيستوجب الزِّيَادَة
وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس كل النَّاس حقيق بِالصّدقِ وأحقهم بِهِ الْمُلُوك لِأَن الَّذِي يَدْعُو إِلَى الْكَذِب مهانة النَّفس وَالْملك لَا يكون مهينا
وَقَالَ بعض أهل الْأَدَب فَكُن صَادِقا فِي كل شَيْء تَقوله وَلَا تكن كذابا فَتُدْعَى منافقا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أول سَعَادَة الْملك صدقه وَأول هَلَاكه جوره
[ ٢٩٩ ]