إعلم أَن الْغَيْبَة مَعَ تَحْرِيمهَا شرعا وعقلا هِيَ عين الْعَجز وَنَفس اللؤم وَدَلِيل النَّقْص تأباها الْعُقُول الْكَامِلَة والنفوس الفاضلة لما فِيهَا من انحطاط الرُّتْبَة وانخفاض الْمنزلَة قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن الْغَيْبَة إدام كلاب النَّاس
[ ٣٩٧ ]
وَقَالَ عدي بن حَاتِم الْغَيْبَة مرعى اللئام
قَالَ وَسمع قُتَيْبَة بن مُسلم رجلا يغتاب رجلا فَقَالَ أما وَالله لقد تلفظت بمضغة ظَالِما لفظتها الْكِرَام
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من أَكثر من عُيُوب النَّاس سهل عَلَيْهِ الْإِكْثَار لِأَنَّهُ إِنَّمَا يطْلبهَا بِقدر مَا فِيهِ مِنْهَا وَلَقَد أحسن الْقَائِل حَيْثُ يَقُول
[ ٣٩٨ ]
(إِذا أَنْت عبت النَّاس عابوا وَأَكْثرُوا عَلَيْك وأبدوا مِنْك مَا كنت تستر)
(إِذا مَا ذكرت النَّاس فاترك عيوبهم فَلَا عيب إِلَّا دون عيبك يذكر)
(فَإِن عبت قوما بِالَّذِي فِيك مثله فَذَلِك عِنْد الله وَالنَّاس أكبر)
(وَإِن عبت قوما بِالَّذِي فِيك مثله فَكيف يعيب العور من هُوَ أَعور)
وَقَالَ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان كنت أَسِير مَعَ أبي فِي موكب فلصق إِلَيّ رجل وَجعل يغتاب رجلا غَائِبا فَسَمعهُ أبي فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ وَيحك أما علمت أَن الْمُلُوك ينزهون أسماعهم عَن الْخَنَا كَمَا ينزهون ألسنتهم عَن الْكَلَام بِهِ فَإِن المستمع شريك الْقَائِل وَقد نظر إِلَى أَخبث مَا فِي وعائه فأفرغه فِي وعائك
ويحكى أَن بهْرَام ملك الْعَجم ولى قائدا من قواده
[ ٣٩٩ ]
تخوم أرضه مِمَّا يَلِي أَرض التّرْك فَبَلغهُ عَنهُ أَنه يكثر من غيبَة خاقَان فَقَالَ هَذَا دَلِيل عَجزه وَضَعفه عَن مقاومته ثمَّ عَزله وَولى غَيره وَقَالَ أَبُو الْأسود فِي ذَلِك
(وَذي حسد يغتابني حَيْثُ لَا يرى مَكَاني ويثني صَالحا حَيْثُ أسمع)
(تورعت أَن أغتابه من وَرَائه بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَهُوَ لَا يتورع)
[ ٤٠٠ ]