اعْلَم أَن الْكَذِب وصف ذميم وَخلق لئيم لَا يَنْفَكّ صَاحبه عَن الفضيحة لمناقضته كَلَامه بالسهو وَلَا يكَاد متعاطيه تسمو لَهُ رُتْبَة وَلَا تعلو لَهُ منزلَة لاحتقار النَّاس لَهُ واستصغارهم إِيَّاه ونفورهم عَنهُ وَقلة ركونهم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِن عَاقد لم يوثق بعقده وَإِن نزل أوعد لم يركن إِلَى وعده وَإِن ذكر شَيْئا تسارعت إِلَيْهِ التُّهْمَة وَإِن نزل بِهِ مَكْرُوه تراجعت عَنهُ الرَّحْمَة كل ذَلِك لما قد عَلمته النُّفُوس
[ ٣٩٠ ]
من مهانته وَقلة أَمَانَته وَإِن كَانَ صَادِقا وَفِي الْمَعْنى بَيت مُفْرد
(وَمن آفَة الْكذَّاب نِسْيَان كذبه وتلقاه ذَا حفظ إِذا كَانَ صَادِقا)
وَقد سلب الله تَعَالَى وصف الْكَذِب عَن الْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب الَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾
وَقَالَ رَسُول الله ص الْكَذِب مُجَانب الْإِيمَان
[ ٣٩١ ]
وَكَانَ يُقَال لايقوم على الْكَذِب دين وَلَا دنيا وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى بعض عماله إياك أَن تستعين بكذوب فِي أَمر تحْتَاج فِيهِ إِلَى الْحِيلَة فَإنَّك إِن تُطِع الكذوب تهْلك
وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان اللّحن هجنة الشريف
[ ٣٩٢ ]
وَالْعجب آفَة الرَّأْي وَالْكذب فَسَاد كل شَيْء
وَحكي أَن قَيْصر كتب إِلَى كسْرَى أَن عرفني بِمَا ضبطت بِهِ ملكك فَكتب إِلَيْهِ بثمان خِصَال لم أكذب فِي جد ولاهزل قطّ وَلم أخلف فِي وعد وَلَا وَعِيد قطّ وَوليت للعنا وركنت لَا للهوى وعاقبت للأدب لَا للغضب وأشربت قُلُوب الرّعية الْمحبَّة من غير جرْأَة وأودعت قلوبها هَيْبَة من غير ضغينة وغمرت بالكفاف ومنعت الفضول
وَقيل لعدي بن حَاتِم أَي الْأَشْيَاء أثقل عَلَيْك قَالَ
[ ٣٩٣ ]
تجربة الصّديق ورد السَّائِل قيل فَأَي الْأَشْيَاء أوضع للرِّجَال قَالَ كَثْرَة الْكَلَام والثقة بِكُل أحد وَاللِّسَان الكذوب
وَقيل الصدْق عز وَالْكذب ذل وَكَانَ يُقَال الْكَذِب من ذهَاب الْمُرُوءَة ومهانة النَّفس وَقلة الْحيَاء أَنْشدني بَعضهم فِي ذَلِك
(لايكذب الْمَرْء إِلَّا من مهانته أَو عَادَة السوء أَو من قلَّة الْأَدَب)
[ ٣٩٤ ]
(فجيفة الْكَلْب عِنْدِي خير رَائِحَة من كذبة الْمَرْء فِي جد وَفِي لعب)
وَقَالَ آخر
(وَمَا شَيْء إِذا فَكرت فِيهِ با ذهب للمروءة وَالْجمال)
(من الْكَذِب الَّذِي لاخير فِيهِ وَأبْعد بالبهاء من الرِّجَال)
وَاعْلَم أَن دواعي الْكَذِب ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَن يجتلب بِهِ نفعا أَو يدْفع بِهِ ضَرَرا فَيرى أَن الْكَذِب أسلم لَهُ أَو أغنم فيرخص لنَفسِهِ فِيهِ لأجل ذَلِك
الثَّانِي أَن يُؤثر أَن يكون حَدِيثه مستعذبا وَكَلَامه مستظرفا وَلَا يجد من الصدْق مَا يزين بِهِ حَدِيثه فيستمد من الْكَذِب
الثَّالِث هُوَ أَن يقْصد بِالْكَذِبِ وصمة عدوه فيصمه بالقبائح وينسب إِلَيْهِ الفضائح وَهَذِه الدَّوَاعِي تأباها النُّفُوس الأبية والهمم
[ ٣٩٥ ]
الْعلية سِيمَا نفوس الْمُلُوك لشرفها عَن الرذائل وترفعها عَن النقائص إِلَّا أَنه رُبمَا مست الْحَاجة إِلَى اسْتِعْمَال قَلِيل الْكَذِب فِي كيد الْأَعْدَاء وتألف الْبعدَاء فَإِن مثله مثل السمُوم القاتلة تقتل على انفرادها وَتدْخل فِي بعض الْأَدْوِيَة المركبة فَتَصِير دَوَاء شافيا
[ ٣٩٦ ]