لما كَانَ الْوَفَاء من الْأَوْصَاف الْعلية والشيم السّنيَّة أَمر الله تَعَالَى الْخلق بِهِ ومدحهم على فعله فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا﴾
[ ٢٩٠ ]
بِالْعُقُودِ) وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾
وَالْوَفَاء خليق بِالْملكِ لما فِيهِ من إِيصَال الرَّاحَة واستعطاف الْقُلُوب بإنجاز الْوَعْد أَو دوَام الْعَهْد قَالَ بعض الْحُكَمَاء لملك فِي
[ ٢٩١ ]
زَمَانه أوصيك بِأَرْبَع خِصَال ترضي بِهن رَبك وَتصْلح بِهن رعيتك لَا تعدن وَعدا لَيْسَ فِي يَديك وفاءه وَلَا تتواعدن من لَا تنفذ فِيهِ الْفِعْل فَإِن بِالْأولَى تذْهب عظمتك وَبِالثَّانِي يجتزىء عَلَيْك وَلَا يغرنك ارتقاء السهل إِذا كَانَ المنحدر وعرا ولالا تستغشن ناصحا فتستتر عَنْك أُمُور الرّعية
وَكَانَ يُقَال من أحسن الْوَفَاء اسْتوْجبَ الصفاء وَكَانَ يُقَال الْوَفَاء من أَخْلَاق الْكِرَام وَالْخلف من أَخْلَاق اللئام وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لَا يكَاد
[ ٢٩٢ ]
يُوجب حَاجَة تخوفا من الْخلف فَإِذا أوجب وَقَالَ نعم لم يقر لَهُ قَرَار حَتَّى يَفِي بِهِ وَأنْشد رجل من بني تَمِيم فِي الْمَعْنى شعرًا
(إِذا قلت فِي شَيْء نعم فأتمه فَإِن نعم دين على الْحر وَاجِب)
(وَإِلَّا فَقل لَا تسترح وترح بهَا لِئَلَّا يَقُول النَّاس إِنَّك كَاذِب)
وَأنْشد بَعضهم
(لَزِمت نعم حَتَّى كَأَنَّك لم تكن عرفت من الْأَشْيَاء شَيْئا سوى نعم)
(وَأنْكرت لَا حَتَّى كَأَنَّك لم تكن سَمِعت بِلَا فِي سالف الدَّهْر والأمم)
[ ٢٩٣ ]
وَكَانَ يُقَال وعد الْكَرِيم نقد وتعجيل ووعد اللَّئِيم مطل وتسويف وَكَانَ يُقَال الْعَاقِل لَا يعد بِمَا لَا يَسْتَطِيع إنجازه وَلَا يسْأَل مَا يخَاف مَنعه أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(لَا تقولن إِذا لم ترد أَن تتمّ فِي شَيْء نعم)
(وَإِذا قلت نعم فاصبر لَهَا بنجاح الْوَعْد إِن الْخلف ذمّ)
(حسن قَول نعم من بعدلا وقبيح قَول لَا بعد نعم)
(إِن لَا بعد نعم فَاحِشَة فبلا فأبدا إِذا خفت النَّدَم)
[ ٢٩٤ ]