اعْلَم أَن وصف الْعَفو خليق بِالْملكِ لما فِيهِ من المزية وَكَمَال مصلحَة الرّعية لِأَن الْملك مَتى عاقب على الزلة وقابل على الهفوة وَأخذ بالجرم الصَّغِير وَلم يتَجَاوَز عَن الْكَبِير قبحت سي رته وفسدت سَرِيرَته قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أفضل الْقَصْد عِنْد
[ ٣١٦ ]
الحدة وَأفضل الْعَفو عِنْد الْقُدْرَة وَمَا أقبح مجازاة الْقَادِر على سوء صَنِيع الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَكَانَ مُعَاوِيَة ﵁ يَقُول إِن أولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم على الْعقُوبَة وَإِن أنقص النَّاس عقلا من ظلم من هُوَ دونه وَقيل إِن عَظِيما من عُظَمَاء قُرَيْش فِي سالف الدَّهْر كَانَ يطْلب
[ ٣١٧ ]
رجلا فَلَمَّا ظفر بِهِ قَالَ لَهُ لَوْلَا أَن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة لَا نتقمت مِنْك ثمَّ أطلقهُ فحسنت سيرة الرجل بعد ذَلِك
وَغَضب سُلَيْمَان بن عبد الْملك على خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة وَإنَّك تجل عَن الْعقُوبَة فَإِن تعف فَأهل ذَلِك أَنْت وَإِن تعاقب فاهل ذَلِك أَنا فَعَفَا عَنهُ وَالله أعلم
[ ٣١٨ ]
وَحكي أَن الْمَأْمُون لما طفر بعم إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أحضر عِنْده جمَاعَة من خواصه ثمَّ قَالَ عَليّ بِهِ فَأدْخل إِلَيْهِ وَهُوَ يحجل فِي قيوده فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا سلم الله عَلَيْك وَلَا رعاك فَقَالَ إِبْرَاهِيم على رسلك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
[ ٣١٩ ]
ثمَّ أنْشد يَقُول
[ ٣٢٠ ]
(أَنا المذنب الْخَطَأ وَالْعَفو وَاسع وَلَو لم يكن ذَنْب لما عرف الْعَفو)
(سكرت فأبدت مني الكأس بعض مَا كرهت وَمَا إِن يَسْتَوِي السكر والصحو)
(فَإِن تعف عني تلف خطوي وَاسِعًا وَإِلَّا تداكرني فقد قصر الخطو)
ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ انت ولي ثَأْرِي وَإِن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة وَإِنِّي قد أَصبَحت فَوق كل ذِي ذَنْب كَمَا أصبح كل ذِي عَفْو دُونك فَإِن تعاقب فبحقك وَإِن تعف فبفضلك قَالَ فاطرق الْمَأْمُون ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ إِن هذَيْن اشارا عَليّ بقتلك يَعْنِي الْعَبَّاس والمعتصم فَقَالَ إنَّهُمَا أشارا بِمَا يُشِير بِهِ مثلهمَا على مثلك إِذْ كَانَ مني الَّذِي كَانَ فَقَالَ الْمَأْمُون يَا ثُمَامَة إِن من الْكَلَام كلَاما كالدر فِي لبات
[ ٣٢١ ]
الغواني وَإِن هَذَا الْكَلَام مِنْهُ يَا غُلَام حل الْقُيُود عَن عمي
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لَيْسَ عَليّ فِي الْعَفو مُؤنَة وَإِنِّي وددت أَن اهل الجرائم علمُوا حلمي وَرَأى فِي الْعَفو فَيذْهب عَنْهُم الْخَوْف
وَكَانَ يُقَال أقبح المجازاة المكافاة بالإساءة
وَقيل إِن عبد الْملك بن مَرْوَان اشْتَدَّ غَضَبه على رجل فَلَمَّا صَار
[ ٣٢٢ ]
فِي يَده قَالَ لَهُ يَا فَاجر لَأُمَثِّلَن بك أشر مثله فَقَالَ لَهُ رَجَاء بن حَيْوَة
إِن الله تَعَالَى قد صنع مَا أَحْبَبْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَاصْنَعْ مَا يُحِبهُ الله من الْعَفو عَنهُ قَالَ فَعَفَا عَنهُ وَأطْلقهُ
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لَو علم النَّاس رغبتي فِي الْعَفو مَا تقربُوا إِلَيّ إِلَّا بِالذنُوبِ وأنشدني بَعضهم فِي الْمَعْنى
(إقبل معاذير من يَأْتِيك معتذرا واغفر لَهُ ذَنبه إِن بر أَو فجرا)
(فقد أطاعك من يرضيك ظَاهره وَقد أَجلك من يعصيك مستترا)
[ ٣٢٣ ]
ويحكي أَنه جرى بَين شهرام الْمروزِي وَبَين أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي كَلَام شَدِيد ومنازعة فمازال أَبُو مُسلم يقاوله إِلَى أَن قَالَ لَهُ شهرام يالقيط فَلَمَّا قَالَ ذَلِك سكت أَبُو مُسلم ثمَّ إِن شهرام نَدم فَأقبل على أبي مُسلم معتذرا وخاضعا ومتنصلا فَلَمَّا رأى أَبُو مُسلم ذَلِك مِنْهُ قَالَ لِسَان سبق وَوهم أَخطَأ وَإِنَّمَا الْغَضَب من الشَّيْطَان والعذر يسعك وَقد عَفَوْنَا عَنْك فَقَالَ شهرام أَيهَا الْأَمِير إِن عَفْو مثلك لَا يكون غرُورًا قَالَ أجل فَقَالَ إِن عظم ذَنبي لَا يدع قلبِي يسكن فَقَالَ أَبُو مُسلم يَا عجبا
[ ٣٢٤ ]
كنت تسىء وَأَنا أحسن فَإِذا إحسنت أسىء أَنْشدني بَعضهم
(تَعْفُو الْمُلُوك عَن الْعَظِيم من الْأُمُور لفضلها)
(وَلَقَد تعاقب فِي الْيَسِير وَلَيْسَ ذَاك لجهلها) (إِلَّا ليعرف فَضلهَا وَيخَاف شدَّة نكلها)
ويحكي أَن الْمَنْصُور بعث إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أستشيرك فِي أَمر قد رَأَيْت أطباق أهل الْمَدِينَة على حَرْبِيّ وَقد نهيتهم مرّة بعد أُخْرَى فَمَا رَأَيْتهمْ ينتهون وَقد رَأَيْت أَن أبْعث إِلَيْهِم من يقطع نخلها ويغور عيونها فَمَا ترى أَنْت فَسكت جَعْفَر فَقَالَ لَهُ مَا لَك لَا تَتَكَلَّم قَالَ أَتكَلّم آمنا قَالَ نعم قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن
[ ٣٢٥ ]
سُلَيْمَان ﵇ أعْطى فَشكر وَإِن أَيُّوب ﵇ أبتلى فَصَبر
وَإِن يُوسُف ﵇ قدر فغفر وَإِن مُحَمَّد ﷺ أوذي فَاحْتمل وَقد جعلك الله من نسل الَّذين يغفرون ويعفون ويصفحون فانطفأ غيظه وَأمْسك عَنْهُم
أَنْشدني بَعضهم
(أَشْكُو إِلَيْك هموما لَيْسَ يكشفها إِلَّا رضاك فقوم بِالرِّضَا أودي)
(إِن تعف عني فَأهل الْعَفو أَنْت وَإِن عاقبتني فبمَا تجني عَليّ يَدي)
وَقَالَ آخر
(وَلَقَد ناديت عفوك من قريب كَمَا سالمت شخصك من بعيد
(فَإِن عاقبتني فبسوء فعلي وَمَا ظلمت عُقُوبَة مستفيد)
(وَإِن تمنن فإحسان جَدِيد مننت بِهِ على شكر جَدِيد)
[ ٣٢٦ ]