اعْلَم أَن الْكبر خَارج بِالنَّفسِ عَن حد الِاعْتِدَال وَحَقِيقَته استعظام النَّفس واحتقار الْغَيْر وَسَببه علو الْيَد والتمييز بالمنصب وَالنّسب أَو الْفضل وَمَتى جَاوز حَده وتعدى طوره
[ ٤١٩ ]
إِلَى الْبَغي والعتو سلب الدّين وأفسد الْإِيمَان وخفض الْمنزلَة وَحط الرُّتْبَة لِأَنَّهُ يطمس من المحاسن مَا انْتَشَر ويسلب من الْفَضَائِل مَا اشْتهر ويوغر الصُّدُور وَيُوجب النفور وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِعَمِّهِ
[ ٤٢٠ ]
الْعَبَّاس ﵁ أَنهَاك عَن الشّرك بِاللَّه وَعَن الْكبر فَإِن الله تَعَالَى يحتجب عَنْهُمَا
وَحكي أَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ جلس يَوْمًا على بساطة بجُنُوده من الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير والوحش ثمَّ أَمر الرّيح فَرفعت الْبسَاط نَحوا السَّمَاء حَتَّى سمعُوا زجل اللائكة بالتسبيح وسمعوا صَوت قَائِل يَقُول لَو كَانَ فِي قلب صَاحبكُم مِثْقَال ذرة من كبر لخسفنا بِهِ اكثر مَا رفعناه
وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن للدولة أمراضا يخَاف أَن تَمُوت بهَا أخطرها أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا مَا يعرض للْملك من الْكبر الثَّانِي مَا يعرض لَهُ من
[ ٤٢١ ]
الْغَضَب فَإِن دولته فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ تضطرب لِخُرُوجِهِ عَن حُدُود السياسة الثَّالِث مَا يعرض لَهُ من الْحِرْص فَإِنَّهُ إِذا حرص ظلم وعسف الرّعية الرَّابِع هيجان الرّعية فَإِذا عرض لَهُ شَيْء من ذَلِك فليبادر الحسم
وَحكى الْمَدَائِنِي قَالَ رَأَيْت رجلا بِعَرَفَات وَهُوَ على بغلة بمركب من ذهب والغلمان والخدم بَين يَدَيْهِ وَالنَّاس حوله وَهُوَ لَا يعبأ بِأحد مِنْهُم فَنَظَرت إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا وَقلت لَهُ يَا هَذَا لَيْسَ هَذَا مَوضِع التكبر إِنَّمَا هُوَ مَوضِع التَّعْظِيم والخشوع فَانْزِل عَن بغلتك واصرف الخدم من بَين يَديك فِي هَذَا الْوَقْت وَأَقْبل على الله تَعَالَى بخضوع وخشوع فَإِنَّهُ يقبل عَلَيْك برحمتة ورضوان قَالَ فَلم يلْتَفت إِلَى وَتركته وانصرفت فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمقبل عبرت الجسر بِبَغْدَاد فَوجدت ذَلِك الرجل أعمى يتَصَدَّق من
[ ٤٢٢ ]
النَّاس فَقلت لَهُ أَنْت الَّذِي كنت فِي الْعَام الْمَاضِي على بغلة بِعَرَفَات قَالَ نعم قَالَ فَمَا بالك قَالَ لما تكبرت فِي مَوضِع يتواضع النَّاس فِيهِ وضعني الله فِي مَوضِع يتكبر عَن مثله النَّاس
أَنْشدني بعض ال الْأَدَب
(يَا مظهر الْكبر إعجابا بصورته مهلا فَإنَّك بعد الْكبر مسلوب)
(لَو فكر النَّاس فِيمَا فِي بطونهم مَا استشعر الْكبر شُبَّان وَلَا شيب)
(يَا ابْن التُّرَاب ومأكول التُّرَاب غَدا أقصر فَإنَّك مَأْكُول ومشروب)
وَاعْلَم أَن من قطع أَسبَاب الْكبر عَنهُ وحسم مواده واعتاض بِهِ
[ ٤٢٣ ]
تواضعا وتعظيما لله سُبْحَانَهُ وخشوعا وتعظيا وَتَعَالَى فقد أكد أَسبَاب ومواد النعم وأزاح عَنهُ المقت واستعطف إِلَيْهِ الْقُلُوب
[ ٤٢٤ ]