وتنقسم حدود الآدمي أيضًا إلى قسمين:
أحدهما: ما هو مال، أو المقصود منه المال، وهذا القسم تشرع فيه اليمين باتفاق العلماء، فإذا لم يكن مع المدعي بينة حلف المدعى عليه وبرئ، لعموم قول النبي -ﷺ: "ولكن اليمين على المدعى عليه" وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض.
القسم الثاني: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين رجلين، كالقصاص، وحد القذف، والزواج، والطلاق، والرجعة،
[ ٢٦٦ ]
والعتق، والنسب، والاستيلاد١، والولاء٢، والرق، وهذا القسم مختلف فيه على رأيين:
الرأي الأول: يرى مالك أن المدعى عليه في هذا القسم من الحقوق لا يستحلف، ولا تعرض عليه اليمين، وهذا ما يراه أحمد أيضًا في روايتين عنه، قال أحمد: لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان إلا في الأموال والعروض خاصة، ونحوه قاله أبو حنيفة، فقد نقل عنه قوله: لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به من دعوى الرجعة، والفيئة في الإيلاء، ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاد، والولاء، والنسب.
وقد علل لهذا الرأي بما يأتي:
أولا: هذه الأشياء لا يدخلها البدل، واليمين إنما تكون فيما يدخله البدل، فإن المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يُسَلِّم.
ثانيا: هذه الأشياء لا تثبت إلا بشاهدين رجلين، فلا تصح فيها اليمين كالحدود.
الرأي الثاني: يرى الشافعي، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة أنه يستحلف في كل حق لآدمي، وهذا أيضًا رأي مخرج في فقه الحنابلة، وتوجد
_________________
(١) ١ معنى الاستيلاد أي: اتخاذ الجارية أم ولد، فمن المعلوم أن السيد يجوز له أن يستمتع بجاريته استمتاعا جنسيا، فإذا حملت وولدت تسمى في العرف الإسلامي حينئذ أم ولد، وأم الولد لا يجوز بيعها ولا هبتها، وإنما تصير حرة هي وأولادها بعد وفاة سيدها. ٢ إذا عتق السيد عبده أو جاريته تنشأ علاقة جديدة بينهما تسمى الولاء، وبمقتضى هذا الولاء يحق للسيد أن يرث عبده أو جاريته إذا لم يكن له ورثة من أقاربه، أو له ورثة لا يستوعبون التركة كلها.
[ ٢٦٧ ]
رواية أحمد أنه يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف.
وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي:
أولا: ما روي أن رسول الله -ﷺ- قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" متفق عليه١.
وهذا عام في كل مدعى عليه، وهو ظاهر في دعوى الدماء لذكرها في الدعوى.
ثانيا: هذه دعوى صحيحة في حق لآدمي، فصح أن يحلف فيها المدعى عليه كدعوى المال٢.
يستحب للقاضي أن يأمر الخصمين بالصلح:
قال العلماء إذا اتضح الحكم للقاضي بين الخصمين فالمستحب أن يأمرهما بالصلح؛ لأن ذلك يقلل ما في نفسيهما من العداوة، فإذا لم يرضيا بالصلح لزمه أن يحكم بينهما٣.
_________________
(١) ١ سبل السلام، ج٤، ص١٣٢. ٢ المغني، ج٩، ص٢٣٧-٢٣٩، ص٢٧٢. ٣ المهذب للشيرازي، ج٢، ص٣٠٥.
[ ٢٦٨ ]