حكم الوكالة في الدعوى: تجوز بعوض وبغير عوض:
بيّن العلماء أنه يجوز التوكيل في الخصومة سواء أكان الموكل رجلا أم امرأة، وللموكل أن يعزل الوكيل إن ظهر منه غش في خصومته، وميل مع المخاصم له، وكما تجوز الوكالة بغير عوض، تجوز أيضًا بعوض، فلو كانت بعوض فهي عقد لازم، ولا يصح لواحد منهما التخلي، ويشترط أن يكون بعوض معلوم، وإلى أجل معلوم، وفي عمل معروف.
اختلاف العلماء فيما لو اتفقا على أجرة إذا كسب القضية:
واختلف العلماء فيما لو اتفقا على أن له عوضا معلوما إذا أدرك حقه، وإذا لم يحكم القاضي به فليس له شيء؟ ومن يرى جواز هذا الاتفاق يشبهه بالاتفاق مع الطبيب على البرء من المرض، فإن برئ فله كذلك،وإلا فلا شيء له.
وروي عن مالك -﵁- كراهة الجعل على الخصومة بشرط أن لا يأخذ إلا بإدراك الحق؛ لأنها على الشر والمجادلة؛ ولأنها قد تطول ولا ينجز غرض الجاعل فيذهب عمل من قام بالخصومة مجانا.
ويروى عنه رواية أخرى بالجواز؛ لأن الضرورة قد تلجئ الناس إلى ذلك١.
_________________
(١) ١ لأنه قد يكون الموكل مسافرا بعيدا، أو مريضا لا يستطيع الانتقال إلى مقر القاضي.
[ ٢٤٢ ]
الوكالة عن المتهم بدعوى الباطل لا تجوز:
وصرح العلماء بأن الوكالة عن المتهم بدعوى الباطل لا تجوز، ولا يجوز شرعا المجادلة عنه.
فالوكالة في الخصومة -وهي التي يقوم بها المحامون١ في عصرنا- مشروطة بأن يعمل الوكيل أو يغلب على ظنه أن موكله ليس على باطل، وإلا فلا يجوز له أن يكون وكيلا عنه٢؛ لأن أكل الناس بالباطل -سواء أكان مباشرة أم بالوكيل- لا يجوز شرعا، وليضع المحامون أمامهم الحديث الذي روته السيدة أم سلمة -﵂- زوج رسول الله -ﷺ- قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله -ﷺ- في مواريث قد درست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله -ﷺ: "إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له من النار، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة" ٣.
_________________
(١) ١ أصدرت الحكومة المصرية عام ١٨٨١ لائحة المحاماة، وفيها سميت حرفة المحاماة، وبعد خمس سنوات أطلق عليهم رسميا اسم "الأفوكاتية" أسوة بزملائهم أمام المحاكم المختلطة، وكان موجودا في مصر إلى سنة ١٩١٠ محامون لا يحملون أي شهادات دراسية، وصدر قانون نقابة المحامين في مصر سنة ١٩١٢، وفي هذه السنة قيد أول محام في مصر أمام النقابة. محسن محمد "جريدة أخبار اليوم" في ٤/ ٩/ ١٩٩٣. ٢ تبصرة الحكام، ج١، ص١٥٤ وما بعدها. ٣ الحديث منفق عليه، ورواه أيضا أحمد بن حنبل، سبل السلام للصنعانين ج٤، ص١٢١، ومسند أحمد.
[ ٢٤٣ ]