مما يدل على أن رسول الله -ﷺ- كان يقضي في القضايا بنفسه ما رواه الإمام البخاري بسنده١ عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة، أخبرته أن أم سلمة زوج النبي -ﷺ- أخبرتها عن رسول الله -ﷺ- أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" ٢.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، عن أم سلمة، زوج النبي -صلى الله عليه
_________________
(١) ١ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ج١٣، ص١٨٦. ٢ قوله: "فليأخذها، أو ليتركها" الأمر فيه للتهديد، وليس لحقيقة التخيير، فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، قال بعض العلماء: هو خطاب للمقضي له، ومعناه: إنه أعلم من نفسه، هل هو محق أو مبطل، فإن كان محقا فليأخذ، وإن كان مبطلًا فليترك، فإن الحكم لا ينقل الأصل عما كان عليه. فتح الباري.
[ ٣٨ ]
وسلم، أنها قالت: جاء رجلان يختصمان في مواريث بينهما قد درست١، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله -ﷺ: "إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ٢، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا ٣ في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، قال رسول الله -ﷺ: "أما إذن فقوما فاذهبا فلتقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".
وقد بعث رسول الله -ﷺ- عتاب بن أسيد إلى مكة٤، وبعث معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب إلى اليمن، وفوض إليهما ولاية القضاء بين الناس. كل واحد منهما في جهة، روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثه الرسول إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب
_________________
(١) ١ درست أي: خفيت آثارها. ٢ قال الباجي -أحد كبار علماء المالكية- عند توضيحه لجملة "ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض": يريد -والله أعلم- أن يكون أحدهما أعلم بمواقع الحجج، وأهدى إلى إيراد ما يحتاج من ذلك، وأشد تبيينا لما يحتج به. المنتقى للباجي، شرح موطأ مالك، ج٥، ص١٨٥. ٣ يقول ابن منظور: "الإسطام: القطعة من الشيء، وفي الحديث عن النبي -ﷺ: "من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له سطاما من النار" أي: قطعة منها، ويروي إسطاما، وهما الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر، أي: أقطع له ما يسعر به النار على نفسه ويشعلها، أو أقطع له نارا مسعرة. انظر لسان العرب، المجلد الثالث، ص٣٨٧. ٤ أسيد، بفتح الهمزة وكسر السين، ابن أبي العيص بن عبد شمس القرشي، الأموي، أسلم يوم فتح مكة، وولاه النبي -ﷺ- عليها بعد الفتح عندما سار إلى حنين، وكان عمره يومئذ نيفا وعشرين سنة، وبقي عليها إلى أن مات بها يوم أن بلغ نعي أبي بكر إلى مكة. تاريخ القضاء في الإسلام لمحمود بن محمد بن عرنوس، ص١١.
[ ٣٩ ]
الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله "؟، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله "؟، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله".
وروى الإمام أحمد، عن علي بن أبي طالب، قال: بعثني رسول الله -ﷺ- إلى اليمن وأنا حديث السن، قال: قلت: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث، ولا علم لي بالقضاء؟ قال: "إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك"، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين بعد١.
وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال عبد الله بن مسعود: لها مثل صداق نسائها. لا وكس٢، ولا شطط٣، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله -ﷺ- في بروع٤ بنت واشق، امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود، رواه أحمد والأربعة وهم أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الترمذي وحسنه٥.
وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، أن الجدة جاءت إلى أبي بكر
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد، ج٢، ص٢٦، ٣٢، طبع دار المعارف، ١٩٤٢. ٢ بفتح وسكون الكاف، معناه: النقص، أي: لا ينقص مهرها عن مهر مثلها. ٣ الشطط الجور، أي: لا يجار على الزوج بزيادة مهرها على نسائها. ٤ بفتح الباء، وسكون الراء وفتح الواو. ٥ سبل السلام، للصنعاني. ج٢، ص١٥٠، الطبعة الرابعة.
[ ٤٠ ]
﵁، فسألته ميراثها، فقال لها: ما لك في كتاب لله شيء فارجعي حتى أسال الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة، حضرت رسول الله -ﷺ- فأعطاها السدس، فقال أبو بكر، هل معك أحد غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله عنه١.
فهذه الأحاديث تدل على أن سلطة القضاء كانت لرسول الله -ﷺ- يقوم به بنفسه، وإن كانت القضايا التي رفعت إلى رسول الله -ﷺ- بالمعنى المتعارف في الخصومات قليلة، وإنما كان يسأل عن الحكم فيجيب٢.
ودلت الأحاديث أيضًا على أنه كما كان علي الصلاة والسلام يقوم بالقضاء بنفسه، كان يكله في بعض النواحي إلى بعض المسلمين. ممن يثق في قدرتهم على القيام بهذا المنصب٣.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار، للشوكاني، ج٦، ص٦٧. ٢ تاريخ القضاء في الإسلام، لمحمود بن محمد بن عرنوس، ص١١. ٣ السلطات الثلاث في الإسلام، بحث للشيخ عبد الوهاب خلاف، منشور بمجلة القانون والاقتصاد بعدد يونيو سنة ١٩٣٥، ص٥٠٢، وما بعدها.
[ ٤١ ]