إذا كان لا يصح تولية الصبي القضاء فالمجنون لا يصح توليته من باب أولى، والعقل أحد الشروط المجمع عليها بين العلماء، لا يتصور الخلاف في ذلك، وقد عرف بعض العلماء العقل بأنه: "غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها" واختار ابن السبكي أحد كبار فقهاء الشافعية تعريفا له بأنه: "ملكة يتأتى بها درك المعلومات"١.
والعلماء مختلفون في محل العقل، فالشافعية يقولون إن محل العقل هو القلب، ويستندون في هذا إلى نصوص من القرآن والسنة، فمن القرآن قول الله
_________________
(١) ١ الأشباه والنظائر، لعبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، ج٢، ص١٧، دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ٩١ ]
﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ١. وقوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٢ وقوله ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، ومن السنة يستندون إلى قول رسول الله -ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة" الحديث.
وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن محل العقل الدماغ وليس القلب، وهو المعروف عن أبي حنيفة -رضي الله عنه٣.
هل يكتفى بالعقل الذي يتحقق به التكليف؟
هل يكتفى في شرط العقل أن يوجد عند الشخص العقل الغريزي، أي: العقل التكليفي، الذي يناط به التكليف، أم لا بد أن يتحقق عنده عقل اكتسابي زيادة على العقل التكليفي؟.
اشترط الماوردي أحد أشهر علماء الشافعية زيادة العقل الاكتسابي، فلا يكفي عنده العقل الغريزي الذي هو مناط التكليف. قال الماوردي محددا مراده من شرط العقل: "ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة، بعيدا عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل"٤.
فالماوردي -كما هو واضح من كلامه- يرى أن مجرد وجود العقل
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية رقم: ٤٦. ٢ سورة الأعراف، الآية رقم: ١٧٩. ٣ الأشباه والنظائر لابن السبكي، ج٢، ص١٧، ١٨. ٤ الأحكام السلطانية للماوردي، ص٧٢، دار التوفيقية بالقاهرة.
[ ٩٢ ]
التكليفي عند الشخص لا يكفي؛ لأنه يمكن أن يكون عنده العقل التكليفي، لكنه مع هذا تحقق فيه صفة الغفلة، فالفطانة١ إذن على رأي الماوردي مطلوبة في القاضي، وهي ضد الغفلة.
والغفلة صفة تؤدي إلى أن ينخدع الشخص بتحسين الكلام، ولا يفطن إلى بعض الأمور التي تساعده في الحكم في القضية المطروحة أمامه، فلا بد من جودة العقل، وقوة إدراكه لمعاني الكلام.
والمالكية أيضًا يشترطون ما اشترطه الماوردي، وهو شرط الفطانة٢. والبعض منهم يرى أنها من الصفات المستحبة وليست شرطا في صحة التولية، وبعض ثالث منهم أيضا يرى أن مطلق الفطنة المانع من كثرة التغفل شرط في صحة التوليه لهذا المنصب، والفطنة الموجبة للشهرة بها غير النادرة ينبغي أن تكون من الصفات المستحبة في القاضي، ويرى الرملي أحد علماء الشافعية أن اشتراط الماوردي في القاضي زيادة العقل الاكتسابي مخالف لفقهاء الشافعية، أي: إنهم لم يشترطوا ما اشترطه الماوردي من زيادة على العقل التكليفي.
ويرى بعض آخر من فقهاء الشافعية أن الذي اشترطه الماوردي لا بد منه، وأن مجرد العقل التكليفي الذي هو التمييز غير كاف في القاضي قطعا، وبين أن الرملي نفسه -وهو الذي لم يرض بما اشترطه الماوردي- اشترط أن يكون ذا يقظة تامة، وهذا مساو لما قاله الماوردي، فما قاله الماوردي ليس فيه زيادة
_________________
(١) ١ الفطنة والفطانة والفطن، كلها بمعنى واحد، وهي كلها مصدر للفعل فطن. المصباح المنير، مادة: فطن. ٢ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، ج٤، ص١٢٩، مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.
[ ٩٣ ]
على هذا١، ونجد أن ابن جماعة الفقيه الشافعي يقول عند كلامه عن شرط العقل في القاضي "ونعني بالعقل صحة التمييز وجودة الفطنة والذكاء"٢. وفي فقه الشيعة الإمامية نجدهم يشترطون في القاضي كمال العقل٣.
وجمهور العلماء لا يحددون للفطنة حدا معينا، لكن بعض فقهاء المالكية يرى أنه من المستحب أن لا يكون القاضي زائدا في جودة الذهن والرأي عن عادة الناس، وقد علل لهذا الرأي بأنه يخشى أن يحمله جودة رأيه وفكره على الحكم بين الناس بالفراسة٤، وترك قانون الشريعة من طلب البينة "الشهود" وتجريحها وتعديلها، وطلب اليمين ممن توجهت إليه، وغير ذلك٥.
ويجاب عن هذا بأنه على العكس من ذلك، فإن المطلوب أن يكون القاضي زائدا في الفطنة والدهاء عن عامة الناس؛ لأن ذلك يؤدي إلى سرعة الوصول إلى الحق في القضايا المطروحة أمامه، ويؤيد هذا أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أسرع في تولية كعب بن سور القضاء عندما ظهرت له زيادة فطنة عنده، فقد
_________________
(١) ١ مواهب الجليل، لشرح مختصر خليل، للخطاب، ج٦، ص٨٨، وحاشية أحمد بن عبد الرازق المعروف بالمغربي الرشيدي على شرح نهاية المحتاج للرملي، ج٨، ص٢٣٨. ٢ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لمحمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، تحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم، ص٨٨، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ، ١٩٨٥م. ٣ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، للحلي جعفر بن الحسن، ج٤، ص٦، منشورات دار الأضواء، بيروت. ٤ الفراسة هي الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية، كالاستدلال بشكل المرء ولونه، وقوله على خلقه. فيستدلون باتساع الجبين على الذكاء، وبعرض القفا على الغباء، وبضيق العين على الشح، وبغلظ الشفتين على الإسراف في الحب والبغض، تاريخ الأدب العربي للأستاذ أحمد حسن الزيات هامش، ص١١. ٥ الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ج٤، ص١٣٢.
[ ٩٤ ]
ورى عن الشعبي أن كعب بن سور الأسدي كان جالسا عند عمر بن الخطاب، ﵁، فجاءت امرأة فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره صائما، فاستغفر لها وأثنى عليها، ثم قال لها: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرر هذا القول، ويكرر عليها الجواب، فقال له كعب: يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه، فقال له عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما، قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقضي له ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيها، ولها يوم وليلة، ثم قال للزوج: إن لها عليك حقا يا بعل، تصيبها في أربع لمن عدل، فأعطها ذاك ودع عنك العلل، فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة١.
أما الخشية من أن يحكم القاضي بالفراسة، ويترك قانون الشريعة فلا محل لها؛ لأن من الشروط التي يجب أن تتحقق في القاضي شرط العدالة، والعدالة تمنع القاضي من أن يترك قانون الشريعة ويحكم بغير هذا القانون٢.
_________________
(١) ١ المغني، لابن قدامة، ج٧، ص٣٠٣، ٣٠٤. ٢ محاضرات في علم القضاء للدكتور عبد العال عطوة، مكتوبة بالآلة الكاتبة، ص٤١.
[ ٩٥ ]