فلا يصح تولية الصبي القضاء، حتى لو كان مميزا واشتهر بالفطنة والذكاء، وهذا أمر مجمع عليه من العلماء، وقد استندوا إلى ما يأتي:
أولا: ما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: "تعوذوا بالله من رأس السبعين، وإمارة الصبيان"، رواه أحمد١.
ووجه الاستدلال أن الرسول -ﷺ- أمرنا بأن نتعوذ من إمارة الصبيان، ولا يكون التعوذ إلا من شر، فتكون إمارة الصبيان شرا، ونحن ممنوعون من ارتكاب الشر، فتكون توليتهم ممنوعة٢؛ لأن ما يؤدي إلى الممنوع يكون ممنوعًا.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار للشوكاني، ج٩، ص١٦٧، مطبعة دار الجيل، بيروت. ٢ لعل رسول الله -ﷺ- إذا ثبت هذا الحديث -أمرنا بالتعوذ من رأس السبعين، لما ظهر فيها من الفتن العظيمة، كقتل الحسين -رضي الله تعالى عنه، ووقعة الحرة، وغير ذلك مما وقع في عشر السبعين، وكانت وقعة الحرة في أيام يزيد بن معاوية، وسببها أن أهل المدينة كانوا أعلنوا عصيانهم، وخلعوا يزيد بن معاوية، وولوا أمرهم عبد الله بن حنظلة، ولما بلغ ذلك يزيد أرسل إليهم من ينصحهم بالرجوع إلى طاعته، فلما لم يستجيبوا لذلك جهز جيشا، وجعل قيادته لمسلم بن عقبة المري، مكونا من اثني عشر ألفا من المقاتلين، استباحوا المدينة ثلاثا، يقتلون الناس، ويأخذون المتاع والأموال، نيل الأوطار للشوكاني، ج٩، ص١٦٨، ومحاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية للشيخ محمد الخضري. الجزء الثاني ص١٩٩.
[ ٨١ ]
ثانيًا: أن القضاء محتاج إلى الفطنة وكمال الرأي، وتمام العقل، والصبي لا يتوافر فيه هذا، فلا يصح توليته.
ثالثًا: إن الصبي ناقص الأهلية، يحتاج إلى تولية غيره عليه، فلا يصح أن يكون له الولاية على غيره.
رابعًا: إن تولية رئيس الدولة لشخص أي منصب عام مقيدة بالنظر والمصلحة، ولا تتحقق المصلحة في تولية الصبي منصب القضاء فلا يصح توليته.
ولا يشترط أن يبلغ القاضي سنا معينة، بل الشرط هو البلوغ، فإذا كان الشخص بالغا، وتوفرت فيه بقية الشروط الأخرى، فهو صالح لتولي هذا المنصب، حتى لو كان حديث السن، لكن لو رأى رئيس الدولة أو من له حق تولية القضاة اشتراط بلوغ سن معينة للصلاحية لهذا المنصب، فهذا لا شيء فيه؛ لأنه يدخل في باب المصلحة١.
ولو قلد القضاء صبي فبلغ، هل يحتاج إلى تقليد جديد، أم لا؟ قال الحنفية ليس له أن يقضي بذلك الأمر الصادر له قبل البلوغ، بل لا بد من تولية جديدة، بخلاف الكافر إذا تولى القضاء ثم أسلم، والعبد إذا تولى القضاء ثم عتق، فإنه يجوز لهما أن يقضيا بتلك الولاية من غير حاجة إلى تجديد، كما لو تحمل العبد الشهادة حال رقه، ثم عتق فإنه يجوز له الشهادة.
وبيّن الحنفية أن الفرق بين الكافر والعبد من جهة، والصبي من جهة أخرى، أن كلا من الكافر والعبد له ولاية، لكن به مانع، فإذا أسلم الكافر، أو عتق العبد،
_________________
(١) ١ محاضرات في علم القضاء، لأستاذنا الدكتور عبد العال عطوة، ص٣٨-٤٠.
[ ٨٢ ]
فقد زال المانع، أما الصبي فليس له ولاية أصلًا١.
الأشياء التي يحصل بها البلوغ:
من حكمة الله ﵎ ورحمته بعباده أنه لا يكلف الإنسان بالتكاليف الشرعية فيعاقبه إذا تركها إلا بحصول البلوغ، يبين هذا ما رواه الأئمة أحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم أن رسول الله -ﷺ- قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق".
والتكليف بالأحكام الشرعية مرتبط بالبلوغ؛ لأن الأحكام الشرعية تتوجه إلى العاقل، فلا يكلف غير العاقل، ولما كان العقل شيئًا خفيا، فلا بد أن يكون هناك ما يدل على وجوده، فارتبط بالبلوغ؛ لأنه مظنة وجوده، فإذا بلغ الإنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى فقد حدث مظنة وجود العقل عنده، فتتوجه إليه كل التكاليف الشرعية من فرائض يجب عليه أداؤها، كالصلاة، والصيام، والحج إن استطاع وغير ذلك من واجبات بينتها أدلة الشريعة، كما يكون محلا للعقوبة فإذا ارتكب ما يستوجب عقوبته استحق هذه العقوبة كسائر المكلفين.
وهناك خمسة أشياء تدل على البلوغ، يشترك الذكر والأنثى في ثلاثة أشياء منها، وتختص الأنثى بشيئين:
فأما الأشياء الثلاثة التي يشترك فيها الذكر والأنثى فهي خروج المني، ونبات الشعر الخشن حول عضو التذكير، وعضو التأنيث، والسن، وأما الشيآن اللذان
_________________
(١) ١ فتح القدير، للكمال بن الهمام، ج٧، ص٢٥٣.
[ ٨٣ ]
يختصان بالأنثى فهما: الحيض، والحمل. وسنفصل الكلام عن هذه الأشياء الخمسة.
وأولها خروج المني، وسواء خرج من الذكر أم من الأنثى في حال اليقظة أم في حال المنام بجماع أو باحتلام أو غير ذلك، فقد حصل به البلوغ وهذا محل إجماع أو بتعبير بعض العلماء: لا نعلم في ذلك اختلافا، ويدل على هذا قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ١. وما رواه الأئمة: أحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، أن رسول الله -ﷺ- قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق"، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل".
والثاني: من الأشياء الخمسة، وهو ثاني الأشياء المشتركة بين الذكر والأنثى إنبات الشعر الأسود المتجعد في العانة، فهذا عند فريق من العلماء إحدى العلامات الطبيعية للدلالة على حدوث البلوغ، وبين القائلون بأن هذا من علامات البلوغ أنه ليس من علامة البلوغ إنبات مطلق الشعر، بل لا بد من أن يكون الشعر الأسود المتجعد في هذا الموضع، وأما إنبات مطلق الشعر فإنه لا يكون علامة على البلوغ؛ لأن الزغب الضعيف أي: الشعر الصغير اللين، ينبت في الأطفال٢.
والقول بأن إنبات الشعر علامة من علامات البلوغ في الذكر والأنثى قال به مالك، وقال به الشافعي في أحد قوليه، وهو ما يراه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن
_________________
(١) ١ سورة النور، الآية رقم ٥٩. ٢ نيل الأوطار للشوكاني، ج٥، ص٣٧١.
[ ٨٤ ]
راهويه، وأبو ثور، وغيرهم.
ويوجد في الإنبات رأي ثان هو أن يكون بلوغا في حق غير المسلمين، وليس بلوغا في حق المسلمين، وهذا ما يراه الشافعي في القول الآخر له.
ورأي ثالث في الإنبات، يراه أبو حنيفة، وهو أنه لا اعتبار به؛ لأنه لا يعدو أن يكون نبات شعر في جسم الإنسان، فأشبه شعر سائر البدن، فلا يثبت بالإنبات حكم، فليس هو ببلوغ ولا دلالة له على البلوغ١.
وقد استدل العلماء القائلون بأن إنبات الشعر في هذا الموضع من علامات البلوغ، بما حدث عندما أخل يهود بني قريظة بالعهد الذي كان بينهم وبين رسول الله -ﷺ، ورضوا بتحكيم سعد بن معاذ، فكان من حكمه عليهم أن تقتل رجالهم، فكان المسلمون إذا اشتبهوا في الشخص هل بلغ مبلغ الرجال أولا، كشفوا فإذا رأوا إنبات الشعر عومل الشخص معاملة الرجال، فيعاقب بعقوبتهم وهي القتل، فعن عطية القرظي -وكان يهوديا ثم أسلم- قال: "عرضنا على النبي -ﷺ- يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، وكنت ممن لم ينبت فخلى سبيلي" رواه الخمسة: أحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الترمذي، وصححه أيضا ابن حبان والحاكم وقال: على شرط الصحيحين٢.
_________________
(١) ١ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج١، ص٤٥٣، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ج٥، ص٣٦، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، للشوكاني، ج١، ص١٥٥. مطبوعات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر. ٢ نيل الأوطار، ج٥، ص٣٧١، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج١، ص٤٥٣.
[ ٨٥ ]
واستدل لهذا الرأي أيضًا بما كتب عمر بن الخطاب -﵁- إلى عامله أن لا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي.
واستدل أيضا له بأن الشعر خارج يلازمه البلوغ غالبا، ويستوي فيه الذكر والأنثى فكان علما على البلوغ كالاحتلام.
ومن أدلتهم أيضًا أن الخارج من الجسم ضربان: متصل ومنفصل، فلما كان من المنفصل كالمنى والحيض ما يثبت به البلوغ كذلك المتصل.
وسبق أن ذكرنا أن الشافعي -﵁- في أحد قوليه، يرى أن إثبات الشعر من علامات البلوغ في حق غير المسلمين لا في حق المسلمين، ولعله في هذا الرأي ملتزم بظاهر النص الوارد في حادثة تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة، فهذا النص ورد في غير مسلمين، لكن الرد على هذا الرأي بأن ما كان بلوغا في حق غير المسلمين كان بلوغا في حق المسلمين، كالاحتلام والسن، والإنبات أمر جبلي أي: طبيعي يستوي فيه جميع الناس١.
هذا، وقد بيّن بعض العلماء أن إنبات شعر اللحية والشارب ليسا بعلامة على البلوغ؛ لأن الإنسان قد يبلغ قبل أن ينبت له شيء من ذلك بزمن طويل٢.
والثالث من الأشياء الخمسة وهو ثالث الأشياء المشتركة بين الذكر والأنثى: السن ويرى الأوزاعي، والشافعي وأحمد بن حنبل، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن تلميذا أبي حنيفة، أن مضي خمس عشرة سنة من حين الولادة يكون بلوغا،
_________________
(١) ١ المغني، لابن قدامة ج٤، ص٥١٤، وتفسير ابن كثير، ج١، ص٤٥٣. ٢ أسهل المدارك، شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك. ج٣، ص٥.
[ ٨٦ ]
سواء أكان ذلك في الذكر أم في الأنثى، وهو ما يراه أيضًا بعض فقهاء المالكية، ويراه عمر بن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي، وتجب عقوبات الحدود وفرائض الشرع عند هؤلاء العلماء على من بلغ هذه السن، قال أصبغ بن الفرج أحد فقهاء المالكية القائلين بهذا الرأي: "والذي نقول به إن حد البلوغ الذي تلزم به الفرائض والحدود خمس عشرة سنة، وذلك أحب ما فيه إلي، فأحسنه عندي؛ لأنه الحد الذي يسهم فيه في الجهاد ولمن حضر القتال"١.
ويرى داود الظاهري أنه لا اعتبار بالسن في البلوغ، فلا يحكم ببلوغه بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة٢، لقوله -ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم" وإثبات البلوغ بغير الاحتلام مخالف للحديث، وهذا أيضًا ما يراه مالك.
ويرى أصحاب مالك أن البلوغ في الذكر والأنثى بسبع عشرة سنة، ويوجد رأي آخر عندهم أنه يكون بثماني عشرة سنة، ورأي ثالث بخمس عشرة سنة٣.
وروي عن أبي حنيفة عدة روايات إحداها أنه لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة، فتوقع عليه العقوبات الشرعية المحددة إذا ما ارتكب ما يستوجب توقيعها عليه.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن. للقرطبي، ج٥، ص٣٥، وتكملة فتح القدير، لقاضي زاده، ج٩، ص٢٧٠. ٢ الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ج٥، ص٣٥. ٣ المغني، لابن قدامة، ج٤، ص٥١٤، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك، جمع أبي بكر بن حسن الكشناوي، ج٣، ص٥.
[ ٨٧ ]
وتوجد رواية أخرى عن أبي حنيفة أنه يرى أن البلوغ يكون بتسع عشرة سنة، وهي الرواية الأشهر، وأنه يرى أن الأنثى تبلغ بسبع عشرة سنة، وروي عنه رواية ثالثة رواها اللؤلئي أن البلوغ بثماني عشرة سنة في حق الغلام. وجمع بعض فقهاء الحنفية بين الرواية التي تقول إن أبا حنيفة يرى أن البلوغ في حق الغلام بثماني عشرة سنة، والرواية التي تقول إنه يرى أن البلوغ في حقه بتسع عشرة سنة بأن المراد أن يدخل في التاسعة عشرة، ويتم له ثماني عشرة سنة، فلا يكون اختلاف بين الروايتين١. وتوجد رواية رابعة أن الغلام والجارية يبلغان بخمس عشرة سنة٢.
وقد استدل للرأي القائل بأن البلوغ في الذكر والأنثى بخمس عشرة سنة، بحديث عبد الله بن عمر عندما عرض على النبي -ﷺ- ليشترك مع جيش المسلمين فيقاتل معهم في معركة أحد، وكانت سنه في هذا الوقت أربع عشرة سنة، فلم يسمح له النبي -صلى الله عله وسلم- بالاشتراك مع الجيش في الحرب، ولما بلغ خمس عشرة سنة، سمح له النبي -ﷺ- بالاشتراك في الحرب يوم الخندق، روى الجماعة: البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، والترمذي والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه عن ابن عمر قال: عرضت على النبي -ﷺ- يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
ومعنى الإجازة: الإذن بالخروج للاشتراك في القتال، قال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير٣.
_________________
(١) ١ تكملة فتح القدير، لقاضي زاده، ج٩، ص٢٧٠. ٢ الجامع لأحكام القرآن، ج٥، ص٣٥، وتكملة فتح القدير، لقاضي زاده، ج٩، ص٢٧٠. ٣ تفسير ابن كثير، ج١، ص٤٥٣.
[ ٨٨ ]
وقد تعقب بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على البلوغ؛ لأنه -ﷺ- لم يتعرض لسن عبد الله بن عمر، وإن فرض خطور ذلك المعنى ببال عبد الله بن عمر.
ورد الشوكاني هذا التعقب بالزيادة التي جاءت في رواية أخرى لهذا الحديث عند البيهقي، وابن حبان في صحيحه، فقد جاءت الرواية عندهما بزيادة "ولم يرني بلغت" بعد قوله: "لم يجزني" وبزيادة: "ورآني بلغت"، بعد قوله: "أجازني"، وهذه الزيادة صححها أيضا ابن خزيمة.
والظاهر أن عبد الله بن عمر لا يقول هذا بمجرد الظن من دون أن يصدر من رسول الله -ﷺ- ما يدل على ذلك١.
وعلل أصحاب الرأي القائل بأن البلوغ في الذكر والأنثى بخمس عشرة سنة، تساوي الذكر والأنثى في هذا المقدار من السنين مع أن الحديث في الذكر، عللوا هذا التساوي بأن السن معنى يحصل به البلوغ يشترك فيه الغلام والجارية فاستويا فيه كالإنزال للمني٢.
وقد استدل للرأي المنقول عن أبي حنيفة أن الغلام يبلغ بثماني عشرة سنة، والأنثى تبلغ بسبع عشرة سنة بقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ٣. قال فقهاء الحنفية إن الصبي يبلغ أشده
_________________
(١) ١ نيل الأوطار للشوكاني، ج٥، ص٣٧٠-٣٧٣. ٢ المغني لابن قدامة، ج٤، ص٥١٥. ٣ سورة الإسراء، من الآية رقم: ٣٤.
[ ٨٩ ]
بثماني عشرة سنة، كما قاله عبد الله بن عباس، والقول بالثماني عشرة سنة هو أقل ما قيل في تفسير بلوغ الصبي أشده؛ لأن هناك رأيا ثانيا يقول: اثنتان وعشرون سنة، ورأيا ثالثا يقول: خمس وعشرون سنة، وهو قول عمر -﵁، وإذا كان القول بالثماني عشرة سنة هو أقل ما قيل في تفسير بلوغ الصبي أشده فينبغي الحكم عليه للاحتياط.
ولما كان الإناث نشوؤهن وإدراكهن أسرع من الذكور غالبا فإن ذلك دافع إلى الإنقاص في حقهن سنة، وكانت سنة كاملة؛ لأن السنة تشتمل على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة١.
وبهذا ينتهي الكلام عن الأشياء الثلاثة التي يشترك فيها الذكر والأنثى، وهي: خروج المني، ونبات الشعر الخشن في العانة، والسن، وأما الشيآن اللذان تختص بهما الأنثى فيهما -كما بينا- الحيض والحمل.
والحيض علامة من علامات البلوغ لا نعلم فيه خلافا كما عبر عن ذلك ابن قدامة، وقد روى الترمذي أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" ٢ قال الترمذي: حديث حسن.
والحمل أيضًا علامة من علامات البلوغ؛ لأن الله ﷿ أجرى العادة على أن لا يخلق الولد إلا من لقاء بين حيوان منوي من الرجل وبويضة من المرأة، فمتى حملت فإنه يحكم ببلوغها في الوقت الذي بدأ فيه حملها٣.
هذا وإذا قارب الغلام أو الجارية الحلم وأشكل الأمر فيهما، وادعى أي منهما البلوغ فقال هو أو قالت هي: بلغت، فالقول قولهما، وتكون أحكام كل منهما أحكام البالغين؛ لأنه معنى لا يعرف إلا من جهتهما ظاهرا، فإذا أخبرا بذلك قبل قولهما فيه كما يقبل قول المرأة في الحيض، في العدة وبين بعض العلماء أنه يشترط في قبول قولهما في هذه الناحية إذا كان الغلام بلغ اثنتي عشرة سنة وبلغت الأنثى تسع سنين، فإذا كان أحدهما لم يبلغ ذلك فلا يقبل قوله؛ لأن الظاهر يكذبه٤.
_________________
(١) ١ تكملة فتح القدير، لقاضي زاده، ج٩، ص٢٧٠. ٢ الخمار: غطاء رأس المرأة. ٣ المغني، لابن قدامة، ج٤، ص٥١٥، وأسهل المدارك، شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك، لأبي بكر بن حسن الكشناوي، ج٣، ص٥، الطبعة الثانية. ٤ حاشية سعدي جلبي على تكملة فتح القدير، ج٩، ص٢٧٠.
[ ٩٠ ]