أي: لا يكون عبدا، وهذا شرط اشترطه جمهور العلماء عندما كان الرق موجودا في عصورهم، وهو من الشروط التي قال بها جمهور العلماء، عدا ابن حزم والزيدية -فيما اطلعنا عليه من مصادر- وذلك لنقص العبد بجميع أقسامه، سواء أكان قنا، أي: خالص العبودية، أم مبعضا، أي: بعضه حر، وبعضه رقيق، كأن اشترك اثنان في ملكية عبد بميراث، أو بشراء أو بغير ذلك من أسباب التملك
[ ٩٥ ]
المشروعة، ثم أعتق أحدهما نصيبه، أم كان مدبرا، أي: قال له سيده: أنت حر بعد موتي، أم معلقا عتقه على صفة، كأن قال له سيده: إن شفاني الله فأنت حر، فكل هذه الأنواع لا يصح توليتها منصب القضاء، لنقصان العبد، والنفوس البشرية تأنف من الانقياد لم به رق.
وأيضًا فلأن الرق -كما قال العلماء- أثر كفر؛ لأنه في الأصل عقوبة وقعت على أسير الحرب من الكفار، لما استكبر عن عبادة الله ﵎، جعله الله عبد عبيده.
ويعلل العلماء أيضًا لهذا الشرط بأن العبد مشغول بحقوق سيده فلا يتفرغ لمصالح الأمة١. وقال الإمام الباجي، "ووجه ذلك أن منافع العبد مستحقة لسيده فلا يجوز أن يصرفها للنظر بين المسلمين"٢.
وقد دلل ابن حزم لرأيه بعدة أمور:
الأمر الأول: أن القضاء هو نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبد كسائر أفراد الأمة مخاطب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأمر الثاني: أن الله ﵎ أمرنا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٣ والعبد داخل في هذا الأمر، كسائر أفراد الأمة؛ لأن هذه الأوامر تعم كل رجل وامرأة، وحر وعبد، ولا يصح التفريق في الأحكام بين الرجال والنساء، والأحرار والعبيد إلا إذا جاء
_________________
(١) ١ الروض المربع، لمنصور بن يونس البهوتي، وحاشيته، ج٣، ص٣٨٥، مطبعة السعادة. ٢ المنتقى، للباجي، شرح موطأ مالك، ج٥، ص١٨٣. ٣ سورة النساء، الآية رقم: ٥٨.
[ ٩٦ ]
نص يفيد هذا التفريق في الحكم.
الأمر الثالث: ما روي عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أنه انتهى إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة، فإذا عبد يؤمهم فقيل له هذا أبو ذر فذهب يتأخر، فقال أبو ذر: أوصاني خليلي يعني رسول الله -ﷺ- أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف.
قال ابن حزم بعد أن ذكر هذا الأثر: "فهذا معنى جلي على ولاية العبد".
الدليل الثالث:
ما روي عن سويد بن غفلة قال: قال لي عمر بن الخطاب: أطع الإمام وإن كان عبدا مجدعا، قال ابن حزم: فهذا عمر لا يعرف له من الصحابة مخالف١.
واستند الزيدية في رأيهم بجواز كون القاضي عبدا إلى أن العبد يصح شهادته فيصح حكمه كالحر٢.
وأما لو كان عبدا ثم أصبح حرا، فجمهور العلماء يرون صلاحيته لتولي منصب القضاء، ويرى سحنون أحد علماء المالكية أن العتيق لا يصلح لتولي القضاء، خوفا من أن تستحق رقبته، فتذهب أحكام الناس باطلا، أي: فترد الأحكام التي حكم بها٣.
_________________
(١) ١ المحلى، لابن حزم، ج١٠، ص٦٣٢. ٢ البحر الزخار، لأحمد بن يحيى بن المرتضي، ج٦، ص١١٩، الناشر دار الكتاب الإسلامي بالقاهرة. ٣ تبصرة الحكام لابن فرحون، بهامش فتح العلي المالك، لمحمد عليش، ج١، ص٢٤، ومواهب الجليل في مختصر خليل، للحطاب، ج١، ص٨٧.
[ ٩٧ ]