نجد بعض المصادر تنسب إلى ابن جرير الطبري، المؤرخ والمفسر، والفقيه المعروف١، القول بجواز أن تكون المرأة قاضية على الإطلاق في كل شيء ليس لها مجال محدد يصح لها أن تتولى القضاء فيه، بل يصح لها أن تتولاه في كافة أنواع القضايا٢.
ويرى أحد الباحثين الفضلاء أن هذا الرأي المنسوب لابن جرير الطبري خطأ من الناحية التاريخية والناحية الموضوعية.
أما من الناحية التاريخية فلم يثبت عن ابن جرير هذا النقل، ولم يصح عنه كما صرح بذلك ابن العربي المفسر المعروف٣.
ويضاف إلى هذا -كما يقول الباحث الفاضل- أن النقل عن ابن جرير لم ينسب إلى كتاب من كتبه، ولم يرو عنه بسند من الأسانيد، وهذا ما يؤدي إلى عدم الاطمئنان إلى صحة نسبة هذا القول إلى ابن جرير من الناحية التاريخية.
وأما من الناحية الموضوعية فإن هذا القول مخالف للحديث عن رسول الله -ﷺ: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ومخالف لإجماع علماء
_________________
(١) ١ اسمه محمد بن جرير بن زيد بن خالد، ولد سنة ٢٢٤ هجرية الموافقة لسنة ٨٣٩ ميلادية في بلدة آمل بإقليم طبرستان وتوفي في بغداد سنة ٣١٠هـ الموافقة لسنة ٩٢٣ ميلادية. وكان في البداية مقلدا لمذهب الشافعي، ثم أصبح مجتهدا له تلاميذ ومقلدون، وكان من المكثرين في التأليف في العلوم المختلفة، من هذه المؤلفات كتابه الشهير في التفسير المسمى: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ومنها أيضا كتاب في التاريخ، وكتاب اختلاف وهما من أهم الموسوعات العلمية الإسلامية. الأعلام للزركلي ج٦، ص٩٤، الطبعة الثالثة، وفقه محمد بن جرير الطبري للدكتور محمد رواس قلعة جي مكتوب بالآلة الكاتبة، ص٢، والمدخل للفقه الإسلامي، للأستاذ عيسوي أحمد عيسوي، ص٢٠٦. ٢ بداية المجتهد، ج٢، ص٥٦٤ ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل، للحطاب ج٦، ص٨٧. ٣ أحكام القرآن، لابن العربي، ج٣، ص٤٤٥، مطبعة الحلبي بمصر.
[ ١١٩ ]
الأمة الإسلامية السابقين على عصر ابن جرير على عدم جواز تولية المرأة القضاء، فليس لابن جرير سلف من الفقهاء يرى جواز تولية المرأة القضاء، والقول إذا كان مخالفا لإجماع علماء الأمة ولم يكن في عصر المجمعين فإنه يكون مردودا؛ لأنه إذا انعقد الإجماع في عصر من العصور على حكم شرعي فلا يجوز لمن جاء بعد هذا العصر أن يخالف الحكم الذي أجمع عليه العلماء.
وعلى هذا فنسبة القول بجواز أن تتولى المرأة القضاء إلى ابن جرير لا تصلح رواية ودراية١.
هذا ما يراه أحد الباحثين الفضلاء، وقد أجيب على ذلك بما يأتي:
أولا: من ناحية أن هذا النقل لم يثبت عن ابن جرير، ولم ينسب إلى كتاب من كتبه، فالجواب أن كتب ابن جرير كثيرة، وفيها الموسوعي الضخم الذي لو نسب إليه لكاد أن يكون كعدم نسبته؛ لأن المراجعة المستوعبة تحتاج إلى عمر طويل، وربما وقع النص في موضوع لا يظن وجوده فيه؛ لأن المناسبة اقتضته، كما يحدث ذلك في كثير من المسائل العلمية في كتب القدامى، ويكفي أن العلماء الذي نقلوا رأى ابن جرير وهم من قممنا الشامخة، كالماوردي٢، وابن رشد٣،
_________________
(١) ١ هذا ما يراه أستاذنا الدكتور عبد العال عطوة، في محاضرات القضاء، ص٥٩، وأستاذنا الدكتور عبد العال عطوة كتب في القضاء بهذا العنوان، وكذلك أستاذنا الدكتور إبراهيم عبد الحميد كتب في القضاء بحثا بعنوان "نظام القضاء في الإسلام" بعد ظهور بحث الدكتور عبد العال عطوة، ورد الدكتور إبراهيم عبد الحميد على الدكتور عبد العال عطوة في عدة آراء، ثم لما أعاد الدكتور عبد العال عطوة كتابة بحثه على الآلة الكاتبة مرة ثانية رد على اعتراضات وآراء الدكتور إبراهيم عبد الحميد، وقد استفدنا من كتابة هذين الأستاذين الكبيرين استفادة عظيمة، وندعو الله لهما بجزيل الثواب. ٢ الأحكام السلطانية، ص٧٢. ٣ بداية المجتهد، ج٢، ص٥٦٤.
[ ١٢٠ ]
والحافظ بن حجر العسقلاني١، لم ينقلوا هذا الرأي بصيغة التمريض كأن يقولوا مثلا: وروي أن ابن جرير قال بجواز تولية المرأة القضاء، بل وجدناهم نقلوا رأي ابن جرير بصيغة الجزم، وليس هذا شأنهم في نقل الآراء التي تكون في موضع الشك٢.
كما يجوز أن يكون ابن جرير ذكر هذا الرأي في كتاب من كتبه ولم يصل إلينا هذا الكتاب، فكثير من التراث الإسلامي ضاع بفعل عوامل متعددة، فمن المحتمل أن يكون هذا الرأي المنسوب إلى الطبري قاله في كتاب له ضاع مع ما ضاع من التراث العلمي للمسلمين، وخاصة إذا علمنا أن ابن جرير الطبري اختار مذهبا فقهيا له مستقلا في كثير من الموضوعات، وعلل له ودلل عليه، ودونه في كتاب له يسمى "لطيف القول في أحكام الشرائع" وجعل هذا الكتاب مقسما على ثلاثة وثمانين كتابا، وهذا الكتاب ليس بأيدينا الآن، وربما فقد مع ما فقد من التراث الإسلامي، بل غالب الظن أنه فقد، وبفقده يكون مرجع هام جدا من مراجع فقه الإمام الطبري قد خسرناه، وتكون هناك قضايا وأحكام كثيرة لا نتعرف على رأي ابن جرير الطبري فيها إلا بواسطة ما ينقله العلماء عنه في بطون الكتب، أو بواسطة بعض اختيارات الطبري نفسه في تفسيره للقرآن الكريم المسمى بجامع البيان عن تأويل آي القرآن، أو فيما وصلنا من كتابه "تهذيب الآثار"٣
_________________
(١) ١ فتح الباري، ج١٣، ص١٤٧. ٢ نظام القضاء في الإسلام، للدكتور إبراهيم عبد الحميد ص٢٣، ٢٤. ٣ تفسير الطبري ج٧، ص٤٣، وفقه محمد بن جرير الطبري للدكتور محمد رواس قلعة جي مكتوب بالآلة الكاتبة، ص١، ٢.
[ ١٢١ ]
ولنفرض أن ابن جرير الطبري لم تكن له كتب مؤلفة، ونقل عنه علماؤنا الثقات هذا الرأي المشهور عنه، أما كان يكفي هذا النقل عنه؟ أم كان سيرد هذا النقل بحجة أن ابن جرير الطبري ليس له كتاب منسوب إليه؟ إن مسائل كثيرة جدا أكثر من أن تحصى حكيت عن علماء كثيرين، ولم تكن مدونة في كتب لهم، ولم تكن محل اعتراض من هذه الناحية.
إن نقل آراء العلماء يكفي في صحتها أن تكون الثقة متوافرة في الناقل، والذين نقلوا عن الطبري رأيه علماء أجلاء موضع الثقة التامة، ويحسن الظن بهم، وهذا كاف في صحة حكاية هذا الرأي عن الإمام ابن جرير الطبري، هذا بالإضافة إلى أننا لم نجد أحدا من العلماء ينسب إلى ابن جرير قولا بعدم جواز أن تتولى المرأة القضاء، ولا وجد هذا الرأي في كتاب من كتبه، وإلا لنقله العلماء عنه، وهذا يعد قرينة تؤيد نسبة الرأي إليه.
ثانيًا: أما القول بأن نسبة الرأي القائل بجواز أن تتولى المرأة القضاء إلى ابن جرير لا تصلح من الناحية الموضوعية، بحجة أن هذا الرأي يخالف حديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ومخالف لإجماع الأمة، فالجواب أن هذا الكلام لا يقال عند حكاية الآراء، وإنما الآراء يصح حكايتها ما دام ناقلوها موضع الثقة، وعلماؤنا الذين نقلوا عن ابن جرير قوله في قضاء المرأة موضع الثقة قطعا، وإذا كان الماوردي بعد أن نقل رأي ابن جرير بتجويز قضاء المرأة في جميع الأحكام، قال: "ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني في العقل والرأي، فلم يجز أن يقمن على الرجال"١. فإن كلام الماوردي لا يصلح أن يرد نسبة قول إلى قائله، ولس هذا في غالب الظن ما قصد إليه الماوردي، كما هو واضح من عبارته، وموضع رد رأي ابن جرير بحجة الإجماع والآية الكريمة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ لا يكون عند ذكر الآراء في المسألة المتنازع فيها، وإنما يكون عند الحوار العلمي بذكر حجج الأطراف المتنازعة٢.
_________________
(١) ١ الأحكام السلطانية، ص٧٢. ٢ نظام القضاء في الإسلام لأستاذنا الدكتور إبراهيم عبد الحميد، ص٢٣، ٢٤، مكتوبة بالآلة الكاتبة.
[ ١٢٢ ]