بين العلماء أن من حق كل من المتخاصمين أن يرجع عن تحكيمه قبل شروع المحكم في الحكم١؛ لأن الحكم لا يثبت إلا برضاه، فكان هذا كما لو وكل إنسان إنسانًا آخر في التصرف في بعض الأمور، ولكن الموكل رجع عن التوكيل قبل أن يتصرف الوكيل بمقتضى الوكالة، فإن له ذلك، فلا بد من استمرار الرضا حتى يحكم.
وأما إذا كان رجوع أحد الخصمين بعد شروع المحكم في الحكم، ففيه رأيان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم، فأشبه ما إذا رجع عن التحكيم قبل الشروع في الحكم.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن هذا يؤدي إلى أنه إذا رأى أي من المتخاصمين أن المحكم سيحكم لغير صالحه رجع عن التحكيم، فيبطل المقصود بالتحكيم.
_________________
(١) ١ نهاية المحتاج، ج٨، ص٢٤٣، وكشاف القناع للبهوتي، ج٦، ص٣٠٣.
[ ٥٥ ]
إذا حكم المحكم:
إذا حكم المحكم في المسألة التي ينظرها، هل يكون المتخاصمان ملزمين بهذا الحكم، أم أن لكل منهما أن يرفضه أو يقبله؟
اختلف الفقهاء على رأيين في هذه المسألة:
الرأي الأول: أنه ينفذ حكمه عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو قول راجح للشافعي ويراه أيضًا فقهاء الحنابلة وفقهاء الشيعة الإمامية، وفقهاء الإباضية١.
الرأي الثاني: أنه لا يلزمهما ما حكم به إلا بتراضيهما، وهذا قول للشافعي مقابل لقوله السابق.
مستند كل رأي:
أما الرأي الأول فقد استدل له بما يأتي:
أولا: ما روي عن رسول الله -ﷺ- قال: "من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون".
ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه لولا أن حكم الحاكم يلزمهما لما لحقه هذا الذم.
ثانيا: القياس على الذي تولى الحكم من جهة رئيس الدولة، فكما أن المولى من جهة رئيس الدولة -وهو القاضي- إذا حكم في قضية ينفذ حكمه من غير وقف على رضا أي من الخصمين، فالمحكم أيضًا يجب أن ينفذ حكمه ولا يشترط رضا أي من الطرفين بهذا الحكم قياسًا على القاضي٢
وأما الرأي الثاني فقد علل له بأن رضاهما معتبر في الحكم، فكذا في لزومه٣
_________________
(١) ١ شرح كتاب النيل وشفاء العليل، لمحمد بن يوسف أطفيش، ج١٣، ص١١. ٢ نهاية المحتاج، ج٨، ص٢٤٣. ٣ المغني، ج٩، ص١٠٨، ونهاية المحتاج، ج٨، ص٢٤٣، وشرائع الإسلام للحلي ج٥، ص٦٨.
[ ٥٦ ]