الشرط الأول، تعسر إحضار المدعى عليه.
الشرط الثاني: أن يكون المدعى به حقا لآدمي، فإن كان حقا خالصا لله ﵎ فلا يصح القضاء به على الغائب، كحد شرب الخمر، والزنا؛ وذلك لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، بخلاف حقوق الآدميين، فإن قامت بينة على غائب بسرقة مال حكم القاضي بالمال دون عقوبة السرقة، وهي قطع اليد؛ لأن العقوبة هنا هي حق من حقوق الله ﵎، وأما المال فهو حق
[ ٢٣٣ ]
الإنسان١.
ويرى الشافعية جواز القضاء على الغائب في حد القذف؛ لأن حد القذف فيه حقان: حق لله ﵎، وحق للعبد، لكن حق العبد أغلب عند الشافعية، ولهذا جاز القضاء فيه على الغائب٢.
الشرط الثالث: أن يصرح المدعي بالدعوى، ويعين المدعى به من ناحية القدر، والجنس.
الشرط الرابع: أن يقيم المدعي البينة، وهل يقوم القاضي باستحلاف المدعي مع بينته أم لا؟ للعلماء في هذا رأيان:
أحدهما: أنه لا يستحلف المدعي مع بينته، وهذا منقول عن أحمد في أشهر روايتين عنه.
وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي:
أولا: ما روي عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
ثانيا: البينة التي أقامها المدعي بينة عادلة، وما دامت بينة عادلة لا تجب اليمين معها، ما لو كانت اليمين على الحاضر.
الرأي الثاني: يستحلف المدعي مع بينته، وهذا ما يراه الشافعي، ورواية ثانية عن أحمد، ويراه المالكية كما سبق أن بينا.
_________________
(١) ١ المصدر السابق، ج١١، ص٤٨٦. ٢ فتاوى الإمام النووي المسمى المسائل المثنورة، ص١٦٣، دار الكتب العلمية، ببيروت.
[ ٢٣٤ ]
وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي:
أولا: يجوز أن يكون المدعي قد استوفى ما قامت به البينة، أو ملكه العين التي قامت بها البينة، ولو كان المدعى عليه حاضرا فادعى ذلك لوجبت اليمين، فإذا تعذر ذلك فيه لغيابه وجب أن يقوم القاضي مقامه في الأمور التي يمكن أن يدعيها الغائب.
ثانيا: القاضي مأمور بالاحتياط في حق الغائب؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، واستحلاف المدعي من الاحتياط١.
لا يحلف المدعي على حاضر إذا أقام البينة:
العلماء الذين يرون استحلاف المدعي على الغائب مع وجود البينة، إنما قالوا ذلك احتياطا للغائب؛ لأنه يجوز أن يكون قد حدث بعد ثبوته بالبينة إبراء من هذا الحق، أو قضاء، أو حوالة، وأما إذا كانت الدعوى على حاضر، وأقام المدعي البينة فليس للقاضي تحليف المدعي مع البينة، حتى لو ارتاب القاضي، وما على القاضي عند الارتياب إلا أن يحتاط في البحث عن حال الشهود.
نصب "مسخر" يقوم مقام الغائب:
يرى بعض العلماء أنه في حالة نظر الدعوى على غائب يستحب للقاضي أن ينصب مسخرا، أي: شخصا يقوم مقام المدعى عليه الغائب، ينكر ما يدعي المدعي نيابة عن الغائب بأن يقول للمدعي: ليس لك عليه ما تدعيه، وذلك لكي تكون الحجة التي يقيمها المدعي على إنكار منكر، ويرى هذا البعض من العلماء أن هذا من المسخر وإن كان كذبا -والكذب حرام- إلا أنه جاز هنا لأنه من المصلحة، والكذب قد يجوز للمصلحة، وخصوصا وأن الأصل براءة ذمة الغائب مما يدعيه عليه خصمه٢.
ونصب المسخر -كما قال أحد أساتذتنا٣- إغراق في الحرص على الشكليات يشبه المهزلة، وإلا فما الذي يمنع من سماع البينة، حتى على تقدير أن الغائب في الواقع مقر ونحن لا نعلم، وتكون حجة ضرورة -لمكان الغيبة والجهالة- واقعة موقع الاستثناء من الأصل العام الذي يقرر أن البينة لا تقام على مقر، وأليس هذا أفضل ألف مرة من ذلك السخف الذي لا معنى له "نصب المسخر"؟
_________________
(١) ١ المغني، ج١١، ص٤٨٦. ٢ قال بهذا الرأي الشافعية، وبعض الحنفية. ٣ الدكتور إبراهيم عبد الحميد، في نظام القضاء في الإسلام، ص٢٥٣.
[ ٢٣٥ ]