يفصل ابن تيمية -ويوافقه تلميذه ابن القيم١- فيبين أن الدعاوي قسمان؛ لأنها إما أن تكون دعوى تهمة أو دعوى غير تهمة، ودعوى التهمة هي دعوى الجناية والأفعال المحرمة التي توجب عقوبة فاعلها، مثل دعوى القتل وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان على الناس بالضرب، وبغير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأوقات في العادة.
ودعوى غير التهمة هي أن يدعي دعوى عقد، كعقد بيع، أو رهن، أو ضمان، أو يدعي دعوى لا يكون فيها سبب فعل محرم، مثل دين ثابت في الذمة، كثمن بيع، أو قرض، أو مهر، أو دية قتل خطأ، أو غير ذلك، فدعوى غير التهمة
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى أحمد بن تيمية، المجلد الخامس والثلاثون، ص٣٨٩، وما بعدها، تصوير الطبعة الأولى سنة ١٣٩٨هـ، والطرق الحكمية لابن القيم، ص١٠٨ وما بعدها.
[ ٢٨٠ ]
-إذن- تشمل نوعين هما: دعوى العقد، ودعوى فعل غير محرم.
فإذا كانت الدعوى غير تهمة بنوعيها اللذين بيناهما: وهما دعوى العقد، ودعوى فعل غير محرم، فإن الحكم في ذلك هو أنه إذا أقام المدعي الحجة الشرعية ثبتت الدعوى على المدعى عليه، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إذا لم يأت المدعي بحجة شرعية وهي البينة.
وقد ثبت أن النبي -ﷺ- طلب البينة من المدعي واليمين من المدعى عليه في حكومات معينة ليست من جنس دعاوى التهم، روى البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس أنه قال: كانت بيني وبين رجل حكومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي -ﷺ- فقال: "شاهداك أو يمينه" فقلت: إذن يحلف، ولا يبالي١، فقال: "من حلف على يمين صير يقطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان"، وفي رواية فقال: "بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه".
وروى مسلم والترمذي عن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة، إلى النبي -ﷺ، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي وبيدي أزرعها لس له فيها حق، فقال رسول الله -ﷺ- للحضرمي: "ألك بينة"؟، قال: لا، قال: "فلك يمينه"، فقال يا رسول الله: الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، فليس يتورع من شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك".
وأما دعاوي التهم فينقسم المدعى عليه بالنسبة إليها إلى ثلاثة أقسام: لأن المتهم إما أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التهمة، كما لو كان رجلا صالحا مشهورا
_________________
(١) ١ كان خصم الأشعث يهوديا.
[ ٢٨١ ]
مشهودا له بالاستقامة، أو يكون فاجرا من أهل تلك التهمة، أو يكون مجهول الحال لا يعرف الحاكم حاله.
إن كان بريئًا ليس من أهل تلك التهمة:
فإن كان المتهم بريئا ليس من أهل تلك التهمة فباتفاق العلماء لا يجوز عقوبته لا بضرب ولا بحبس، ولا بغيرهما.
فإذا وجد في يد رجل مشهود له بالعدالة مال مسروق، وقال هذا الرجل العدل: ابتعته من السوق، لا أدري من باعه، فلا عقوبة على هذا العدل باتفاق العلماء، ثم قال فقهاء المالكية وغيرهم: يحلف المستحق أنه ملكه ما خرج عن ملكه ويأخذه، وقرر هؤلاء أنه لا تطلب اليمين من هذا العدل.
ولكن هل يعاقب الذي اتهم هذا الرجل المشهود له بالعدالة والاستقامة أم لا؟
يرى مالك وبعض فقهاء مذهبه أنه لا أدب على المدعي إلا إذا ثبت أنه قصد أذيته، وعيبه، وشتمه فيؤدب، وأما إذا كان ذلك طلبا لحقه فلا يؤدب، وقال بعض آخر من فقهاء مذهبه يؤدب سواء قصد أذيته أو لم يقصد، وقد صرح ابن فرحون أن هذا الرأي هو الصحيح عنده، وعلل ذلك بأنه يؤدي إلى صيانة البرآء من تسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء، والرأي المقابل للصحيح هو أن المتهم لا عقوبة عليه١.
_________________
(١) ١ تبصرة الحكام، لابن فرحون، ج٢، ص١٥٣، بهامش فتح العلي المالك لمحمد أحمد عليش.
[ ٢٨٢ ]
ويرى الطرابلسي -أحد فقهاء الحنفية- أن المتهم له بذلك يعاقب لنفس العلة، وهي صيانة لسلطة أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء الصلحاء، ونقل عن أبي حنيفة فيمن قال لغيره يا فاسق يا لص: "فإن كان من أهل الصلاح ولا يعرف بذلك فعلى القاذف التعزير؛ لأن الشين يلحقه إن كان بهذه الصفة وإن كان يعرف به لم يعزر"١.
المتهم المجهول الحال:
وأما إذا كان المتهم مجهول الحال لا يعرف ببر أو فجور، فهذا يحبس حتى ينكشف حاله، ويتبين للحاكم أمره عند عامة علماء الإسلام، وذلك لما رواه أبو داود في سننه، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، "أن النبي -ﷺ- حبس رجلا في تهمة" قال الترمذي: حسن، وزاد هو والنسائي: "ثم خلى عنه".
وروي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- حبس في تهمة يوما وليلة استظهارا وطلبا لإظهار الحق بالاعتراف٢.
والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن الحاكم يجب عليه أن يحضر المدعى عليه -الذي يجب عليه الحضور- إذا طلب المدعي إحضاره إلى مجلس القضاء حتى يفصل بينهما، ويحضره من مسافة العدوي -وهي ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في نفس اليوم- كما يقول بعض فقهاء الشافعية والحنابلة ورواية عن أحمد، وعند بعضهم يحضره من مسافة القصر -وهي مسيرة
_________________
(١) ١ معين الحكام للطرابلسي، ص١٧٨. ٢ الطرق الحكمية، لابن القيم، ص١٠٨ وما بعدها، ونيل الأوطار للشوكاني، ج٩، ص٢١٧، دار الفكر، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ج٣٥، ص٣٨٩ وما بعدها.
[ ٢٨٣ ]
يومين بالدواب- كما هو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وهي كالمسافة بين مكة وجدة.
ثم إن الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل الفصل في القضية، وقد تكون عنده قضايا سابقة عن هذه القضية، فيكون المدعى عليه محبوسا معوقا من حين أن طلبه القاضي إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا نوع من الحبس بدون تهمة، فيجوز الحبس في التهمة من باب أولى؛ لأن الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان في بيت أم في مسجد، أم كان بملازمة الخصم أو وكيل الخصم له١ ولهذا سماه الرسول -ﷺ- أسيرا. يروي أبو داود وابن ماجه عن الهرماس ابن حبيب، عن أبيه، قال: أتيت النبي -ﷺ- بغريم لي، فقال لي: "الزمه" ثم قال: "يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك "؟ وفي رواية ابن ماجه: ثم مر بي آخر النهار، فقال: "ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم".
وهذا هو الحبس الذي كان على عهد رسول الله -ﷺ، ومضى عهد الرسول -ﷺ- وعهد أبي بكر -﵁، ولم يكن هناك مكان خاص معد لسجن من يحكم عليه بالحبس، ولكن لما انتشرت الرعية أيام عمر بن الخطاب -﵁- اشترى دارا بمكة وجعلها سجنا،
_________________
(١) ١ اختلف العلماء في الحبس واتخاذ السجن، فيرى أبو حنيفة، ومالك، والشافعي جواز ذلك، وحكي عن إبراهيم بن أبي يحيى أنه كره ذلك، ومن حجته في هذا الرأي أن الله ﵎ شرع الأحكام وفرض الحدود، فكل من وجب عليه حد أو غرم أخذ منه، ومن يمنع من ذلك عزر بما يؤلمه، قياسا على الحدود، وفي الحبس ضرر يتعرض له عياله، والضرر فساد، والله لا يحب الفساد، وأما الرأي الأول فمستنده أن رسول الله -ﷺ- قد حبس، وكذلك الخلفاء الراشدون "أدب القاضي" لابن القاص، ج١، ص١٢٤.
[ ٢٨٤ ]
وحبس فيها من حكم عليه بالحبس.
واختلف العلماء في مقدار الحبس في التهمة هل هو مقدر بمدة معينة؟ أم أن ذلك متروك لاجتهاد الحاكم.
المتهم المعروف بالفجور:
وأما إذا كان المتهم معروفا بالفجور مثل المتهم بالسرقة إذا كان معروفا بها قبل ذلك، والمتهم بقطع الطريق إذا كان معروفا به، والمتهم بالقتل، أو كان أحد هؤلاء معروفا بما يقتضي ذلك، فهذا يجوز حبسه؛ لأنه إذا جاز حبس مجهول الحال فإن حبس هذا يكون أولى: قال ابن تيمية: "وما علمت أحدا من أئمة المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوي يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، فليس هذا -على إطلاقه- مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم من الأئمة، ومن زعم أن هذا -على إطلاقه وعمومه- هو الشرع فقد غلط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله -ﷺ، ولإجماع الأئمة، وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة".
هذا النوع من المتهمين يسوغ ضربه:
وهذا النوع من المتهمين يسوغ ضربه، يشهد لهذا ما روي أن النبي -ﷺ- أمر الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق رأس يهود خيبر١، فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: "أتى رسول الله -ﷺ- أهل خيبر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم، وغلبهم
_________________
(١) ١ الطرق الحكمية لابن القيم، ص١٠٨ وما بعدها.
[ ٢٨٥ ]
على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله -صلى لله عليه وسلم- الصفراء، والبيضاء، والحلقة١، وهي السلاح، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، ولا عهد، فغيبوا مَسْكا٢ فيه مال وحلى لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله -ﷺ- لعم حيي واسمه سعية٣: "ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير "؟، فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" وقد كان حيي قد قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله -ﷺ- سعية إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ههنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل النبي -ﷺ- ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بن حيي بن أخطب، وسبى رسول الله -ﷺ- نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا٤.
هذا ما يراه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومن وافقهما٥، ونرى بعض الشافعية٦ يبين أن الإكراه في الإقرار الذي لا يصح الإقرار به هو أن يضرب ليقر، أما لو ضرب ليصدق في القضية فأقر في حالة ضربه أو بعد حدوث الضرب فإنه يلزمه ما أقر به، وعلل ذلك بأنه ليس مكرها في إقراره، إذ المكره من أكره على شيء واحد، وهذا الشخص إنما ضرب ليصدق في القضية، والصدق ليس منحصرا
_________________
(١) ١ الحلقة بفتح الحاء وسكون اللام. ٢ المسلك -بفتح الميم وسكون السين: الجلد. ٣ سعية بفتح السين وسكون العين. ٤ نيل الأوطار، ج٨، ص٢٠٦. ٥ معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، لعلي بن خليل الطرابلسي ص١٧٨. الطبعة الثانية. ٦ مغني المحتاج، لمحمد الشربيني الخطيب، ج٢، ص٢٤٠.
[ ٢٨٦ ]
في الإقرار، لكن مع هذا فإن صاحب هذا الرأي يرى أن من المكروه إلزامه بهذا الإقرار الذي أقر به حالة الضرب أو بعده، حتى يراجع ويقر مرة ثانية.
ويرى بعض آخر من الشافعية، وهو الإمام الأذرعي أن الإقرار لا يصح بعد الضرب؛ لأنه إكراه، ومن شروط صحة الإقرار عدم الإكراه، قال الأذرعي: "الولاة في هذا الزمان يأتيهم من يتهم بسرقة، أو قتل، أو نحوهما، فيضرهما، فيضربونه ليقر بالحق، ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه، والصواب أن هذا إكراه، سواء أقر في حال ضربه أم بعده، وعلم أنه إن لم يقر بذلك لضرب ثانيا" انتهى كلام الأذرعي١.
وفي فقه المالكية نجد التصريح بحبس المتهم المعروف بالفجور وضربه قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: "من شهدت عليه بينة أنه سارق معروف بالسرقة متهم بها، وقد سجن فيها غير مرة إلا أنهم حين شهدوا عليه لم يجدوا معه سرقة، فقال: لا قطع عليه بهذه الشهادة ولكن عليه الحبس الطويل"٢.
ونقل ابن فرحون أيضًا عن بعض كتب المالكية أنه "يضرب السارق حتى يخرج الأعيان التي سرقها"٣.
وفي فقه الحنفية نجد الطرابلسي أيضًا يقسم المدعى عليه بالنسبة إلى دعاوي التهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمها ابن تيمية، وابن القيم، وابن فرحون المالكي، مع ملاحظة أن الطرابلسي وابن فرحون من الواضح أنهما متأثران بتقسيم ابن تيمية
_________________
(١) ١ نقلا عن مغني المحتاج، لمحمد الشربيني الخطيب، ج٢، ص٢٤٠. ٢ تبصرة الحكام، لابن فرحون، ج٤، ص١٥٧، بهامش فتح العلي المالك. ٣ نفس المصدر والصفحة.
[ ٢٨٧ ]
وابن القيم، وأيدا هذا التقسيم بنقول من فقههم أي: فقه الحنفية وفقه المالكية، يقول الطرابلسي عند كلامه عن المتهم المعروف بالفجور١: "إذا رفع للقاضي رجل يعرف بالسرقة والدعارة فادعى عليه بذلك رجل فحبسه لاختبار ذلك، فأقر في السجن بما ادعي عليه من ذلك فذلك يلزمه، وهذا الحبس خارج عن الإكراه، قال في شرح التجريد في مثله: وإن خوفه بضرب سوط، أو حبس يوم حتى يقر فليس هذا بإكراه، قال محمد: وليس في هذا وقت، ولكن ما يجيء منه الاغتمام البين؛ لأن الناس متفاوتون في ذلك، فرب إنسان يغتم بحبس يوم، والآخر لا يغتم، لتفاوتهم في الشرف والدناءة، فيفوض ذلك إلى رأي كل قاض وزمانه، فينظر إن رأى أن ذلك الإكراه فوت عليه رضاه أبطله وإلا فلا".
واختلف العلماء فيما إذا أقر المتهم المعروف بالفجور حال الضرب أو الحبس، فبعضهم يرى أنه يؤخذ بهذا الإقرار إذا ظهر صدقه، مثل أن يخرج الشيء المسروق بعينه، ولو رجع عن ذلك الإقرار بعد الضرب لا يقبل منه الرجوع بل يؤخذ به، والبعض من العلماء يرى أنه لا بد من إقرار آخر بعد الضرب وإذا رجع عن الإقرار لم يؤخذ به٢.
وبعد، فيحسن أن نوضح هنا أن الطرابلسي الفقيه الحنفي يرى أن حبس المتهم أو ضربه ليقر إنما هو في قضايا الأموال، وأما لو أكرهه القاضي أو غيره على الإقرار بجريمة تستحق حدا، أو قصاصا فلا يجوز إقراره٣.
ويرى بعض العلماء أن الضرب حرام سواء ضرب ليقر أو ليصدق٤.
_________________
(١) ١ معين الحكام، للطرابلسي، ص١٧٩. ٢ مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٣٥، ص٤٠٤. ٣ معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، للطرابلسي، ص١٧٩، مطبعة مصطفى الحلبي. ٤ حاشية البجيرمي على المنهج ج٣، ص٧٣.
[ ٢٨٨ ]
الشرط الرابع من شروط المقر: الرشد إن كان الإقرار بحق لآدمي.
إذا كان الإقرار يتعلق بحق لآدمي، كالإقرار بالمال، أو بالزواج اشترط في المقر أيضًا بجانب الشروط الثلاثة السابقة شرط رابع هو الرشد، والمراد بالرشد كون الشخص مطلق التصرف، فلا يصح إقرار السفيه بدين، أو إتلاف مال، أو نحو ذلك كما قال العلماء١، قال بعض العلماء: لا يلزمه الإقرار ظاهرا ولا باطنا، أي: لا فيما بينه وبين الناس ولا فيما بينه وبين الله، وقال البعض الآخر: يلزم السفيه الإقرار بدين أو إتلاف مال أو نحو ذلك باطنا أي: فيما بينه وبين الله فيغرمه للمقر له بعد فك الحجر عنه.
وصرح العلماء بأن السفيه إذا أقر بغير المال، كالطلاق والظهار، ونحوهما، فإن إقراره يكون صحيحا، ويصح إقرار السفيه في الجنايات، والحدود.
الشرط الخامس عند بعض العلماء: أن يكون المقر غير متهم في إقراره:
اشترط المالكية أن يكون المقر غير متهم في إقراره، وعلى هذا لو أقر المريض مرض الموت لمن يتهم بمودته كابنه البار به، أو زوجته التي يميل إليها فلا يصح الإقرار عند المالكية، سواء أكان المتهم بمودته وارثًا أم غير وارث، إلا إذا أجاز الورثة هذا الإقرار فيصح.
وأما إقراره لغير متهم عليه فيصح عندهم حتى لو كان بأزيد من ثلث ما يملك٢.
_________________
(١) ١ الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، لمحمد الشربيني الخطيب، ص١١٤، وحاشية الباجوري على شرح ابن قاسم مبحث الإقرار، ص٢٠٥. ٢ بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، لأحمد بن محمد الصاوي، على الشرح الصغير للدردير، ج٢، ص١٩٠، وقوانين الأحكام لابن جزي، ص٣٢٤.
[ ٢٨٩ ]
ما يراه الحنفية:
ويرى الحنفية أن إقرار المريض لوارثه باطل إلا إذا صدقه بقية الورثة، واستندوا في هذا إلى رواية عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "لا وصية لوارث ولا إقرار بدين" وأيضًا فإنه تعلق به حق جميع الورثة، فإذا أقر المورث لبعض ورثته فإنه يكون قد أبطل حق الباقين، وفيه إيقاع العداوة بينهم؛ لأن فيه إيثارا لبعض الورثة على البعض الآخر، وذلك ينشئ العداوة والبغضاء، قالوا: وقضية يوسف وإخوته أكبر شاهد١.
ما يراه الشافعية:
وأما الشافعية -على الرأي الراجح عندهم- فيرون أنه يصح إقراره في مرضه لوارثه كإقراره للأجنبي؛ لأن الظاهر أنه محق في إقراره؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب، ويتوب فيها الفاجر.
ويوجد قول للشافعي -رضي الله تعالى عنه- بعدم صحة الإقرار للوارث؛ لأنه متهم بحرمان بعض الورثة٢.
ما يراه الحنابلة:
يرى الحنابلة عدم صحة إقرار المريض مرض الموت بالمال لأحد الورثة٣.
ويحسن هنا أن ننبه إلى أن الخلاف بين العلماء هو في صحة الإقرار وعدمها، وأما التحريم والإثم فلا شك فيه إذا كان المقر قد قصد بإقراره أن يحرم بعض الورثة فلا يوجد خلاف بين العلماء في هذا، وقال العلماء: لا يحل للمقر له أن يأخذ المقر به في هذه الصورة٤.
هذا، وفي ختام الكلام عن شروط المقر يحسن أن نبين أن العلماء لم يشترطوا في المقر صفة العدالة كما هو الشرط في الشاهد عند جمهور العلماء -كما سنعرف فيما بعد إن شاء الله تعالى- وذلك لأن طبع الإنسان يزعه عن أن يقر على نفسه بما يقتضي قتلا، أو قطعا، أو تغريم مال، فلهذا قبل الإقرار من البر والفاجر، اكتفاء بالوازع الطبيعي٥.
_________________
(١) ١ الاختيار لتعليل المختار، لعبد الله بن محمود بن مودود، ج٢، ص١٩٠، مطابع الشعب. ٢ حاشية سليمان البجيرمي على شرح منهاج الطلاب لزكريا الأنصاري ج٣، ص٧٦، ٧٧، واختلف الشافعية في كونه وارثا هل يعتبر وارثا حال الموت أو بحال الإقرار، ويظهر أثر الخلاف فيما لو أقر لزوجته ثم طلقها طلقة بائنة ومات، أو أقر لأجنبية ثم تزوجها. ٣ مختصر المقنع، لشرف الدين أبو النجا، ص١١٥. ٤ الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، ج٣، ص٥٥. ٥ الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص٣٨٧.
[ ٢٩٠ ]