وكذا إن لم يكن مجتهدا وصحت ولايته على الرأي القائل بعدم اشتراط الاجتهاد فأصيب بالغفلة، أو النسيان، مما أدى إلى إذهاب صفة الضبط عنده.
الأمر السابع: زوال العدالة، بأن ارتكب أي جريمة تؤدي إلى إسقاط صفة العدالة، وتوجب وصفه بالفسق، كما لو شرب خمرا، أو سرق، أو أخذ رشوة، وهكذا.
وكذا لو كان الذي تولى القضاء فاسقا إلا أن من ولاه لم يكن يعلم بفسقه، ثم زاد فسقه، فإنه ينعزل، ولا ينفذ حكمه١.
ومن الواضح أن هذا عند القائلين بأن الفاسق لا يصح توليته القضاء.
_________________
(١) ١ فتح القدير، ج٧، ص٢٥٤.
[ ٢٠٥ ]
هذا، ويحسن أن نبين هنا آراء العلماء في القاضي إذا كانت تتوافر فيه صفة العدالة، ثم ارتكب أمرا من الأمور التي تخل بالعدالة، وتوجب اتصافه بالفسق، كأخذ الرشوة وغيرها، من أسباب الفسق، كالزنا، وشرب الخمر، هل ينعزل بنفس الفسق، أو لا ينعزل حتى يعزله رئيس الدولة، أو نائبه.
آراء العلماء:
اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين:
الرأي الأول: يرى بعض الحنفية أنه إن كان القاضي عدلا، ثم فسق بعد توليته القضاء فإنه لا ينعزل، لكنه يستحق العزل، أي: يجب على رئيس الدولة أو نائبه عزله.
معنى أنه لا ينعزل:
ومعنى أنه لا ينعزل أي: بمجرد فسقه لا ينعزل تلقائيا، بل لا بد من عزل رئيس الدولة أو نائبه له، وهذا يقتضي أن أحكامه تكون نافذة فيما ارتشى فيه وفي غيره من القضايا، ما لم يعزله رئيس الدولة أو نائبه١.
والقول بعدم الانعزال بالفسق حتى يعزله رئيس الدولة هو أيضًا أحد قولين في فقه المالكية، وأشار المازري إلى ترجيح القول بعدم الانعزال، وهو ما يراه أصبغ من المالكية أيضًا٢.
الرأي الثاني: يرى الإمام الشافعي أن القاضي إذا فسق ينعزل، وهو قول
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع، ج٧، ص١٧، وتبصرة الحكام، ج١، ص٧٨. ٢ تبصرة الحكام، لابن فرحون، ج١، ص٥٧.
[ ٢٠٦ ]
في الفقه المالكي، كما أشرنا قبلا، وهذا أيضًا ما تراه فرقة المعتزلة١.
ومع أن الحنفية يرون -في ظاهر المذهب عندهم- أن العدالة ليست شرطا من شروط جواز التولية، فإن بعضهم يرى أنه إذا ولى رئيس الدولة أو من له سلطة تولية القضاة عدلا، ثم فسق، فإنه ينعزل بهذا الفسق٢.
توجيه الرأي الأول:
استند الرأي الأول القائل بعدم انعزال القاضي إذا ارتكب ما يخل بعدالته، إلى أن العدالة ليست شرطا عندهم في أهلية القضاء، كما سبق بيانه عند الكلام عن شروط القاضي، لكن على رئيس الدولة أو من له سلطة تولية القضاة ألا يولي القضاء إلا من يتصف بالعدالة، فإذا ولي غيره صحت التولية، مثل شهادة الفاسق عندهم لا يحل قبولها، لكن لو قبلت شهادة الفاسق نفذ الحكم بها.
توجيه الرأي الثاني:
وأما الرأي الثاني فأصحابه مختلفون في الاستدلال على ما يرونه، وممن قال به -كما أسلفنا- الشافعي، والمعتزلة، وبعض فقهاء الحنفية، ولكل منهم اتجاه في الاستدلال.
أما الشافعي فيرى أن العدالة شرط أهلية القضاء، وقد زالت صفة العدالة من
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع، ج٧، ص١٧. ٢ بدائع الصنائع للكاساني، ج٧، ص٣، وبداية المجتهد، ج٢، ص٥٦٤، وتكملة المجموع للمطيعي، ج١٩، ص١١٦ ونهاية المحتاج، ج٨، ص٢٣٨، والمغني، ج٩، ص٤٠، ٤١، وحاشية الدسوقي، ج٤، ص١٢٩.
[ ٢٠٧ ]
القاضي بالفسق، فتبطل الأهلية.
وأما المعتزلة فمن أصول مذهبهم أن الفسق يخرج صاحبه عن الإيمان، أي: إن المؤمن إذا زنى، أو سرق، أو شرب خمرا، أو ارتكب أي جريمة تؤدي إلى اتصافه بالفسق، فإن ذلك يؤدي إلى خروجه من الإيمان، وإن كان المعتزلة، يقولون مع خروج مرتكب الكبيرة من الإيمان فإنه لا يدخل في الكفر، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ومخلد في النار يوم القيامة إذا لم يتب عما ارتكب من جرائم.
وهذا أصل عندهم من الأصول التي بنوا عليها مذهبهم، وعلى هذا فإذا فسق القاضي فإنه يخرج من الإيمان عندهم، فتبطل أهلية القضاء عنده١؛ لأنه ليس من المقبول أن يكون بفسقه قد خرج من الإيمان ومع ذلك يبقى في منصب القضاء.
وأما البعض من فقهاء الحنفية الذين يرون أنه إذا ولي القضاء في حال عدالته، ثم فسق، فإنه ينعزل، فقد عللوا لرأيهم هذا بأن عدالته في معنى المشروطة في توليه منصبه؛ لأن من له سلطة تولية القضاة حينما ولاه وهو عدل فقد اعتمد عدالته، فكان توليه منصب القضاء مقيدا بوجود العدالة فيه، فصار كأنه علق بقاءه في منصب القضاء بحال عدالته، فيزول توليه هذا المنصب بزوال العدالة٢.
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع، ج٧، ص١٧. ٢ فتح القدير، ج٧، ص٢٥٤، وأنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، تأليف الشيخ قاسم القونوي، ص٢٣٢.
[ ٢٠٨ ]