القضاء في عصر الرسول -ﷺ:
جرت العادة في الأنظمة الحديثة على فصل السلطة القضائية عن السلطة التشريعية، تمشيًا مع مبدأ فصل السلطات، فرجال القضاء غير رجال التشريع وهم جميعا غير رجال التنفيذ.
ولكن الوضع في عهد رسول الله -ﷺ- كان غير هذا الوضوع، فالرسول كان هو المرجع للتشريع، فكان المسلمون يرجعون إليه ليعلمون حكم الله فيما يعرض لهم من الحوادث، فإذا حدثت حادثة، أو شجر بينهم خلاف، فإن كان الرسول -ﷺ- بَيّن قَبْل ذلك لها حكما عملوا به، وإلا سألوه ﵊ فإذا اجتهد، وأخبرهم بالحكم، فإن كان اجتهاده
[ ٣٦ ]
صوابا أقره الله على هذا الحكم، وإلا نزل الوحي عليه ينبهه إلى حكم الله فيها.
وكما كان رسول الله -ﷺ- هو المرجع للتشريع، كان له سلطة القضاء وتطبيق النصوص التشريعية على كل ما يحدث من وقائع وتصرفات، وهي السلطة التي استمدها من الله ﷿، فقد كان ﵊ مأمورا من ربه بالحكم والفصل في الخصومات، قال ﷿: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١، وقال ﷾: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
فتولى رسول الله -ﷺ- القضاء بنفسه، وولاه غيره أيضًا، لكن القضاء كان موقوفًا على رسول الله -ﷺ- لا يولي أحدًا في القضايا التي يحضرها رسول الله -ﷺ، ولا يتقدم أحد بين يديه، وأما فيما غاب عن رسول الله -ﷺ- في الجهات والأقاليم، فقد بعث عليا ومعاذ بن جبل إلى اليمن، والأحاديث تحكي بعض وقائع رفعت إلى رسول الله -ﷺ، ليقضي فيها بنفسه، كما تحكي أيضًا توليته بعض الصحابة منصب القضاء، بجانب تفويضه إليهم الولاية العامة لأمور الناس في النواحي التي وجههم إليها، وقيامهم بتوضيح أمور الدين لهم، وتعليمهم إياها.
بل إن رسول الله -ﷺ- كان أيضًا على قمة السلطة التنفيذية، فهو -بجانب كونه رسولًا- رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة بخلاف بعض الرسل السابقين، فكان بعضهم رسولًا فقط، لا حاكما كموسى وعيسى ﵉، وبعضهم كان حاكما ورسولًا كداود وسليمان ﵉. وقد درجت الأنظمة الحديثة على فصل السلطات الثلاث حتى لا تطغى سلطة في سلطة، فقد يشرع أصحاب السلطة التنفيذية القوانين على هواهم، كما هو حادث الآن في الدولة المتخلفة، أو يخترع القضاة قوانين تتفق وأغراضهم، لكن هذا المعنى لا يوجد بالنسبة لرسول الله -ﷺ، فهو معصوم من أن يحكم بالهوى، فلا خوف من أن يجمع -ﷺ- بين السلطات الثلاث، لعصمة الله ﷿ لرسوله.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٤٨. ٢ سورة النساء، آية: ٦٥.
[ ٣٨ ]