الدعوى ونظام الفصل فيها:
معنى الدعوى، والفرق بينها وبين الإقرار، والشهادة:
الدعوى: معناها
الدعوى في اللغة: الطلب، ومنه قوله ﵎: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، وجمع الدعوى دعاوى بفتح الواو وكسرها، وفي الشرع: إخبار عن ثبوت حق على غيره، عند حاكم، أو محكم، أو سيد، أو ذي شوكة، أي: ذي قوة غالبة على غيره.
وسواء أكان ثبوت الحكم له أم لموكله؛ لأن الدعوى يصح فيها التوكيل، ولا بد أن يكون الغير منكرا للحق المدعى، أو مقرا به لكنه ممتنع، وأما إذا لم يكن كذلك فلا فائدة في الدعوى، ولهذا عرفها بعض العلماء بأنها: "مطالبة بحق لازم، حال، عند قاض، على منكر، أو مقر ممتنع بشروط".
وقد اشترط بعض العلماء -كما هو مبين في التعريف الأول- أن تكون الدعوى إخبارا عند حاكم، أو محكم، أو سيد كالادعاء على عبد عند سيده، وهذا أيام وجود الرق، لكن الآن -بحسب ما نعلم- لا يوجد رقيق، أو تكون إخبارا عند ذي شوكة، أي: شخص له قوة تمكنه من إيصال الحقوق إلى أربابها بعد أن يحكم بها، وهو في ناحية انقطع غوث الحاكم عنها كالأماكن البعيدة في الصحراء الشاسعة أو في الغابات المترامية الأطراف، ولم يرجع الناس إلا إليه فإذا لم تكن الدعوى عند واحد من هؤلاء فلا تسمى دعوى عند البعض من العلماء.
وسميت الدعوى بهذا الاسم؛ لأن المدعي يدعو صاحبه إلى مجلس الحكم
[ ٢١٦ ]
ليخرج من دعواه١.
الفرق بين الدعوى والإقرار والشهادة:
الفرق بين الدعوى، والإقرار، والشهادة، أن الدعوى إخبار بحق له على غيره، والإقرار إخبار بحق لغيره عليه، والشهادة إخبار بحق لغيره على غيره.
أركان الدعوى:
الركن هو ما لا بد منه وكان جزءا من حقيقة الشيء، فالركوع مثلا لا بد منه في الصلاة، وهو جزء من حقيقتها، ولهذا يسمى ركنا من أركان الصلاة، وأما إذا كان الشيء لا بد منه لكنه ليس جزءا من الحقيقة، بل خارجا عنها، فيسميه العلماء شرطا، كالوضوء لا بد منه لصحة الصلاة، لكنه ليس جزءا من حقيقة الصلاة بل هو خارج عنها، ولهذا فهو شرط من شروط صحة الصلاة وليس ركنا من أركانها.
وأركان الدعوى أي: الأمور التي لا بد منها وداخلة في حقيقتها هي:
١- القول الطالب للحق، المقبول، بأن يكون ملزما بشيء على الخصم، وغير ذلك لا يسمى دعوى.
٢- إضافة الحق لنفسه، أو لمن ناب عنه.
أهل الدعوى:
يرى الحنفية أن أهل الدعوى هو العاقل المميز، ولو صبيا، إذا كان مأذونا له في الخصومة، وأما إذا لم يكن مأذونا له في الخصومة فلا يكون من أهل الدعوى.
_________________
(١) ١ حاشية الشرقاوي على شرح التحرير للشيخ زكريا الأنصاري، ج٢، ص٥٠٩، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، ونهاية المحتاج للرملي، ج٨، ص٣٣٣.
[ ٢١٧ ]
وأما الشافعية فيرون أنه لا بد أن يكون المدعي بالغا عاقلا، وأما المدعى عليه فتصح الدعوى عليه ولو كان صبيان أو مجنونا ما دام مع المدعي بينة، ويحلف المدعي أيضا مع البينة، وإلا فلا تسمع الدعوى على المعتمد في فقه الشافعية١.
طرفا الخصومة في الدعوى:
طرفا الخصومة في الدعوى هما: المدعي، والمدعى عليه، ولا بد من تعريف كل منهما؛ لأن القاضي سيطالب المدعي بالبينة "الشهود"٢. فإذا أقام البينة حكم له القاضي، وإذا لم يقم البينة طلب اليمين من المدعى عليه.
والأصل في هذا أحاديث عن رسول الله -ﷺ، كما في سنن البيهقي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".
وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن إسناد هذا الحديث عند البيهقي إسناد
_________________
(١) ١ المجاني الزهرية لمحمد صالح بن عبد الفتاح بن إبراهيم الجارم على الفواكه البدرية لمحمد بن محمد بن خليل المعروف بابن الغرس، ص٨٨، والشرقاوي على التحرير، ج٢، ص٥١٠. ٢ سميت البينة بينة وهي الشهود عند الجمهور؛ لأنها تبين عن الحق، وتوضحه بعد خفائه، من قولهم: بأن الشيء إذا ظهر. ومن المعلوم أن تبين الحق إنما هو بعد أداء الشهادة، فهم قبل الأداء شهود، وبعد الأداء بينة، وتسميتهم شهودا بعد أداء الشهادة، باعتبار ما كان، وتسميتهم بينة قبل الأداء باعتبار ما يئول إليه، حاشية الشرقاوي على التحرير، ج٢، ص٥٠٩.
[ ٢١٨ ]
صحيح١، لكن الأصيلي زعم أن قوله: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" إدراج في الحديث٢.
وروى ابن حبان عن ابن عمر نحو هذا الحديث، وروى الترمذي نحوه أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وهو في صحيحي البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أيضا بلفظ: "ولكن اليمين على المدعى عليه" ٣.
وقد بين العلماء أن الحكمة في كون البينة على المدعي واليمين على من أنكر، أن جانب المدعي ضعيف؛ لأن دعواه تخالف الأصل؛ لأن الأصل براءة الذمة، فكلف الحجة القوية، وهي البينة، لبعدها عن التهمة، وجانب المنكر "المدعى عليه" قوي، لموافقته للأصل، وهو براءة الذمة، فاكتفى منه بالحجة الضعيفة -وهي اليمين- لقربها من التهمة، فجعلت الحجة القوية في الجانب الضعيف، والضعيفة في الجانب القوي، ليحصل التعادل بينهما٤.
فلا بد -إذن- من تحديد معنى كل من المدعي، والمدعى عليه.
_________________
(١) ١ الحديث الصحيح هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط تاما عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا علة قادحة. ٢ الإدراج في متن الحديث معناه أن يضيف الراوي شيئًا من كلامه أو كلام غيره، من غير فصل بين الحديث وبين ذلك الكلام، فيتوهم السامع أن هذا الكلام المدرج من كلام الرسول -ﷺ، فيرويه مرفوعا. مصطلح الحديث للشهاوي، ص٤٠. ٣ نيل الأوطار للشوكاني، ج٩، ص٢٢٠، وسبل السلام للصنعاني، ج٣، ص١٣٢. ٤ حاشية الشرقاوي على شرح التحرير، ج٢، ص٥٠٩، ومسالك الدلالة في شرح متن الرسالة، لأحمد بن محمد بن الصديق، ص٣١٦.
[ ٢١٩ ]